موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الاثنين، 24 سبتمبر، 2012


أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (66)
من ضلالات محمد عبده
رضوان محمود نموس
نتكلم في هذه الحلقة عن محاولة محمد عمارة تحديد الأسوة والقدوة والرواد للصحوة الإسلامية بل والأمة ويقدم هؤلاء على أنهم هم الرواد في الوقت الذي يحاول إهالة النسيان والجحود على جهود العلماء والرواد الحقيقيين ويصر على تشويه حقائق الإسلام بالباطل, والرائد الرابع من الناحية التاريخية وهو الثاني والأهم من ناحية التأثير هو محمد عبده. عمارة هذا الذي وصفه القرضاوي:[بأنه أحد مجددي هذا القرن وأحد الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية.] حسب ما نشر موقع الجزيرة وغيره من المواقع المصدر:  (الجزيرة نت) 3/11/2010
المبحث الثاني عشر تقديم العقل عند محمد عبده.
يعمد محمد عبده كسائر الأشقياء على العمل بهواه الذي يسميه عقلاً ويُعتبر هو والمتأفغن والطهطاوي من مؤسسي مدرسة أتباع الهوى الحديثة والتي يحرصون على تسميتها بالمدرسة العقلية ذراً للرماد بالعيون. وسننقل عنه و بعض ما قيل عنه في الموضوع كنموذج لتبيان هذا الضلال: 
يقول عنه محمد عمارة: تحت عنوان : [الإصلاح الديني: 1-  إعلاؤه شأن العقل في تفسير القران، في كتاب الدين الأول  والأساسي، ورأيه في وجوب أن يطرح اللذين يريدون تفسير القران تفسيرا حديثا مستنيراً، أن يطرحوا جانبا  (رؤية) السابقين من المفسرين، وان يتزودوا فقط بالأسلحة والأدوات اللغوية، وشيئاً من أسباب النزول، ومعلومات السيرة النبوية ومعارف التاريخ الإنساني عن حياه الكون والشعوب التي يعرض لها القران الكريم .. فهو يعتبر أن ( رؤية ) المفسرين السابقين قد ارتبطت بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها وتحصلت لمجتمعاتهم وبيئاتهم الثقافية. وليس بالضرورة أن يكون عقلنا واقفاً عندما بلغوه فقط ولا أن تكون حصليتنا الفكرية هي فقط ما حصلوه .. ولذلك يحدد منهجه في تفسير القرآن، ويدعو  إليه عندما يخاطب أحد أعضاء جمعية (العروة الوثقى) فيقول له: (داوم على قراءه القرآن، وتفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبره، كما كان يتلى على المؤمنين والكافرين أيام الوحي، وحذاري النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ مفرد غائب عنك مراد العرب منه، أو ارتباط مفرد بآخر خفي عليك متصله، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه ، واحمل بنفسك على ما يحمل عليه، وضم إلى ذلك مطالعة السيرة النبوية، واقفاً عند الصحيح المعقول, حاجزاً عينيك عن الضعيف والمبذول.
2- إعلاؤه شأن العقل كقوة من قوى الإنسان, عند مقارنته بالقوى الأخرى التي يتمتع بها هذا الإنسان, والأستاذ الإمام يقف في هذا الأمر قريباً جداً من موقف الفلاسفة الإلهيين, ومنهم المعتزلة بين مدارس المتكلمين المسلمين, فهو يعتبر كل النتائج التي يصل إليها العقل سبلاً توصل إلى ذات الله, أي أن طريق العقل هو طريق معرفة الله, ولذلك فهو يقول: (إن العقل من أجل القوى, بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها, والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه, وكل ما يقرأ محظور على العقل الإنساني أن يطالعها ويرى فيها ما يراه, ذلك أن الحدود التي تحدد نطاق النظر العقلي هي حدود "الفطرة" لا "النصوص المأثورة" فالله قد "أطلق للعقل البشري أن يجري في سبيله الذي سنته له الفطرة بدون تقييد ..", وما ذلك إلا لأن "العقل قوة من أفضل القوى الإنسانية, بل هي أفضلها على الحقيقة]([1]).


ويقول محمد عبده:  [( تمهيد للأصل الأول ) للإسلام في الحقيقة دعوتان : دعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده ودعوة إلى التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأما الدعوة الأولى فلم يُعَوَّل فيها إلا على تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون واستعمال القياس الصحيح والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى أن للكون صانعًا واجب الوجود عالمًا حكيمًا قادرًا وأن ذلك الصانع واحد لوحدة النظام في الأكوان، وأطلق للعقل البشري أن يجري في سبيله الذي سَنَّتْهُ له الفطرة بدون تقييد.]([2])
ويقول: [الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن ، وأن العقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته والتصديق بالرسالة ، وأن النقل ينبوع له فيما بعد ذلك من علم الغيب كأحوال الآخرة وفروض العبادات وهيآتها ، وأن العقل إن لم يستقل وحده في إدراك ما لا بد فيه من النقل فهو مستقل لا محالة في الاعتقاد بوجود الله وبأنه يجوز أن يرسل الرسل.]([3])
ويقول: [ مُنحنا العقل للنظر في الغايات والأسباب المسببات، والفرق بين البسائط والمركبات، والوجدانَ لإدراك ما يحدث في النفس والذات من لذائذ وآلام ، وهلع واطمئنان، وشماس وإذعان، ونحو ذلك مما يذوقه الإنسان ولا يحصيه البيان؛ فهما عينان للنفس تنظر بهما - عين تقع على القريب وأخرى تمتد إلى البعيد ، وهى في حاجة إلى كل منهما ولا تنتفع بإحداهما حتى يتم لها الانتفاع بالأخرى. فالعلم الصحيح مقوم الوجدان، والوجدان السليم من أشد أعوان العلم، والدين الكامل علم وذوق، عقل وقلب ، برهان وإذعان ، فكر ووجدان ، فإذا اقتصر دين على أحد الأمرين فقد سقطت إحدى قائمتيه وهيهات أن يقوم على الأخرى . ولن يتخالف العقل والوجدان حتى يكون الإنسان الواحد إنسانيين ، والوجود الفرد وجودين . قد يدرك عقلك الضرر في عمل ولكنك تعمله طوعًا لوجدانك ، وربما أيقنت المنفعة في أمر وأعرضت عنه إجابة لدافع من سريرتك، فتقول : إن هذا يدل على تحالف العقل والوجدان ]([4]).
وقال :[ إن الخلفاء الذين يقال عنهم: إنهم رؤساء دين وحكام سياسة معًا كانوا هم بأنفسهم المتعلمين للعلوم الداعين إلى تعلمها. كانوا العالمين العاملين كان خليفة كالمأمون يضطهد أحيانًا أعداء الفلسفة ، وقد عرف التاريخ كثيرين من أرباب الشهرة الذين قضوا في سجنه الشهور أو السنين ؛ لأنهم كانوا يعادون الفلسفة ظنًّا منهم أن منها ما يعدو على الدين فيفسده . هل رأيت في غير الإسلام رئيسًا يضطهد أعداء العلم وجفاة الفلسفة ؟ لعلك لا تجده أبدًا]([5])
ومما ذكره في رسالة التوحيد:[وتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس, على لسان نبي مرسل, بتصريح لا يقبل التأويل, وتقرر بين المسلمين كافة _إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه_ إن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل, كالعلم بوجود الله, وبقدرته على إرسال الرسل, وعلمه بما يوحي به غليهم, وإرادته لاختصاصهم برسالته, وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة, وكالتصديق بالرسالة نفسها... جاء القرآن يصف الله بصفات, وإن كانت أقرب إلى التنزيه مما وُصِف به في مخاطبات الأجيال السابقة, فمن صفات البشر ما يشاركها في الاسم, أو في الجنس, كالقدرة, والاختيار, والسمع , والبصر, وعزا إليه أمور يوجد ما يشبهها في الإنسان كالاستواء على العرش, وكالوجه واليدين, ثم أفاض في القضاء السابق, وفي الاختيار الممنوح للإنسان, وجادل الغالين من أهل المذهبين, ثم جاء بالوعد والوعيد على الحسنات والسيئات, ووكل الأمر في الثواب والعقاب إلى مشيئة الله, وأمثال ذلك مما لا حاجة إلى بيانه في هذه المقدمة. فاعتبار حكم العقل مع ورود أمثال هذه المتشابهات في النقل فَسَحَ مجالاً للناظرين...]([6])
وبعض ما ذكره في الرسالة العامة: ["المعجزة" المعجزة: ليست من نوع المستحيل عقلاً]([7])
["حاجة البشر إلى الرسالة" ... اختص بها هذا النوع _أي الإنسان_ كما ألهم الإنسان أن عقله وفكره هما عماد بقائه في هذه الحياة الدنيا.
وإن شذ أفراد منه, ذهبوا إلى أن العقل والفكر ليسا بكافيين في عمل ما, أو إلى أنه لا يمكن للعقل أن يوقن باعتقاد, ولا للفكر أن يصل إلى مجهول]([8])
["اللذة الروحانية" .... لا ريب أن البقاء على تلك الأحوال من ضروب المحال,, فلا بد للنوع الإنساني في حفظ بقائه من المحبة أو ما ينوب منابها. لجأ بعض أهل البصيرة في أزمنة مختلفة إلى العدل, وظنوا كما ظن بعض العارفين ونطق به في كلمة جليلة, إن العدل نائب المحبة.
نعم.. لا يخلوا القول من حكمة, ولكن.. من الذي يضع قواعد العدل, ويحمل الكافة على رعايتها؟؟ قيل: ذلك هو العقل, فكما كان الفكر والذكر والخيال ينابيع الشقاء, كذلك تكون وسائل السعادة, وفيها مستقر السكينة, وقد رأينا أن اعتدال الفكر وسعة ا لعلم وقوة العقل وأصالة الحكم يذهب بكثير من الناس إلى ما وراء حجب الشهوات, وتعلوا بهم فوق ما تُخَيِّله المخاوف, فيعرفون لكل حق حرمته, ويميزون بين لذة ما يفنى ومنفعة ما يبقى, وقد جاء منهم أفراد في كل أمة وضعوا أصول الفضيلة, وكشفوا وجوه الرذيلة, وقسموا أعمال الإنسان إلى ما تحضر لذته وتسوء عاقبته, وهو ما يجب اجتنابه, وإلى ما قد يشق احتماله, ولكن تسر مغبته, وهو ما يجب الأخذ به, ومنهم من أنفق في الدعوة إلى رأيه نفسه وماله, وقضى شهيد إخلاصه, في دعوة قومه إلى ما يحفظ نظامهم, فهؤلاء العقلاء هم الذين يضعون قواعد العدل, وعلى أهل السلطان أن يحملوا الكافة على رعايتها, وبذلك يستقيم أمر الناس]([9])
وقال تحت عنوان: ["الرسل والرسالة"الإنسان عجيب في شأنه يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت, ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت, ويسامي بقوته ما يعظم أن يسامى من قوى الكون الأعظم..]([10])
ولقد مر معنا كيف أنه جعل من أصول الإسلام
الأصل الأول: النظر العقلي لتحصيل الإيمان.
الأصل الثاني: تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض.
ولنرى آثار ضلال محمد عبده على الأجيال من بعده:
في عام 1947 قدم  الطالب محمد أحمد خلف الله في كلية الأدب بجامعة الملك فؤاد رسالة للحصول على الدكتوراة عن الفن القصصي في القرآن وتلقف فيها قول طه حسين, فأنكر فيها مصداقية القرآن فقال: [هذه الوقفات الطويلة وهذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرر أخيراً ويقرر في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن وأن التمسك به خطراً أيُ خطرٍ على النبي عليه السلام وعلى القرآن بل هو جدير لأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة] ([11])
ويصف القرآن بأنه أساطير الأولين كما وصفه المشركون ويستدل على هذا بأن القرآن عرض مرة واحدة للرد  على المشركين.
يقول: [في قيلهم بأنه أساطير وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان وهذه هي الآيات: ]وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا, قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيما[ فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند الله قل أنزله الذي يعلم السر..]([12])
ثم يقول: [وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند الله إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن في القرآن أساطير لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن]([13])
ثم يقول: [ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقق وليس عليه من بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل]([14])
ثم يقول: [أعتقد أنك قد فطنت إلى ما نريد تقريره في نظرية تحل مشكلات المفسرين وترد اعتراضات المستشرقين والمبشرين وأعتقد أنك فطنت إلى أن هذه النظرية ليست إلا القول بأن ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهنية لما يعرفه المعاصرون للنبي عليه السلام عن التاريخ وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون هو الحق والوقع كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع لأن القرآن الكريم كان يجئ في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون]([15])
ولما عورضت الرسالة وأثارت أزمة؛ احتمى صاحب الرسالة بأستاذه المشرف على الرسالة أمين الخولي الذي قال في مقدمة الرسالة دفاعاً عنها:
[فلو لم يبق في مصر والشرق أحد يقول إنه حق لقلت وحدي وأنا أقذف في النار أنه حق حق]
وعندما ارتفعت الاحتجاجات رفع الخولي فيتو بأن رفض الرسالة هو رفض لمبادئ الإمام الأعظم محمد عبده فقال: [إن جامعة فؤاد ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاماً]([16])
فقال توفيق الحكيم [إنني أحب أن الفت النظر إلى نقطة الخطورة فيها تلك هي قوله أن الأستاذ الإمام محمد عبده انتهى إلى مثل هذه الآراء فلنا أن نطلب تعليلاً لما صرنا إليه وعلى المسئولين من رجال الدين أن يوضحوا الموقف فإنه لا يرضيهم أن نرجع اليوم وفي عهدهم القهقرى بعد نهضة إسلامية بعثها الأستاذ الإمام] مقدمة الرسالة.
فهل كان الأستاذ الإمام يقول مثل هذا؟! لننظر..
قال الشيخ محمد عبده: [ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث قصص وأخبار الأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها وإنما هي الآيات والعبر]([17])
وقال في تفسير قوله تعالى:[ ]إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين[ وأن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع والموضوعات المروية في بناء الكعبة كثيرة]([18])
وقال محمد عبده: [بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين, وإنه ليحكى أن من عقائدهم الحق والباطل, ومن تقاليدهم الصادق والكاذب, ومن عاداتهم النافع والضار, لأجل الموعظة والاعتبار, فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية, ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح, وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله: (كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) وكقوله: (بلغ مطلع الشمس) وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيراً من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئاً من تلك الخرافات الوثنية. ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء, ولا يعتقدون ذلك إنما يعربون به عن المرئي.]([19])
[فإن قيل: إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها ولاستغناء بها عن الوحي, فلماذا أكثر سرد الأخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر؟ والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها, وإنما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم, لبيان سنن الله تعالى فيهم, إنذاراً للكافرين بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً لقلبه وقلوب المؤمنين به, ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها, وإنما يذكر موضع العبرة فيها.]([20])
[ (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) قالوا معناه ألبثه مائة عام ميتاً وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة, وفاتهم أن من الموت ما يمتد زمناً طويلاً وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبر عنه تعالى بالضرب على الآذان.
(قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس) لنزيل تعجبك ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك وحمارك ولنجعلك آية للناس فالعطف دلنا على المحذوف المطوي دلالة ظاهرة, وهذا من لطائف إيجاز القرآن, أما كون رأى آية له فظاهر, أما كونه هو آية للناس فهو أن علمهم بموته مئة سنة ثم بحياته بعد ذلك من أكبر الآيات, وقد قال المفسرون إنه كان عند موته لا يزال شاباً وكان له أولاد قد شابوا وهرموا وقد عرفوه وعرفهم, وبيان ذلك أن بدنه لم يعمل في هذه المدة الأعمال التي تضنيه وتذهب بماء الشباب منه فتهرمه بل حفظت له حالته التي توفيت نفسه وهو عليها.]([21])
ويقول عن قصة خلق آدم وجوار الملائكة: [والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية, وما لها من المكانة والخصوصية. .. وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون, أو بلسان الحال والتوجيه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة, وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هذا لمعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم, كما نسب القول إلى السماوات والأرض في قوله (قالتا أتينا طائعين) ]([22])
وقال: [وهو ما قلنا من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض, هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليقة]([23])
وقال: [المعنى المراد من الخليقة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة... نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه علمه الله تعالى... تقدم في بيان الخليفة أن علم الملائكة وعملهم محدودان, وأن علم الإنسان وعمله غير محدودين, وبهذه الخاصة التي فطر الله الناس  عليها كان الإنسان أجدر بالخلافة من الملائكة... (وعلم آدم الأسماء كلها) أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين... على أن القصة وردت مورد التمثيل... وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل, وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية, في قوالب العبارة اللفظية, ويجلي لنا المعارف المعقولة, بالصور المحسوسة, تقريباً للأفهام, وتسهيلاً للإعلام, ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا بالعلوم التي خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا, ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة فضلنا, ومعنى سجودهم لأصلنا... بعدما عرف الله الملائكة بمكانة آدم, ووجه جعله خليفة في الأرض, أمرهم بالخضوع له وعبر عن ذلك بالسجود... وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلاَ جوهرياًَ يميز أحدهما عن الآخر وإنما هو اختلاف أصناف, عندما تختلف أوصاف, كما ترشد إليه الآيات. فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة]([24])
وسار تلميذه على نهجه فقال رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ] أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه[ قال: [ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل]([25])
وقال رشيد رضا: [ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل  يصح مثله في القصص التمثيلية]([26])
وقال [ ومن البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كل ما يحكى فيها على الناس صحيحاً ]([27]).
وفال: [ على أن في قصة آدم وجهًا في التأويل ، بأنها وردت مورد التمثيل ، لإظهار طبيعة النشأة البشرية في أطوارها التدريجية ، فالجنة والعيش الرغد فيها مثل لما كان عليه النوع البشري في طور السذاجة الأولى ، وعصيان آدم وهبوطه هو وزوجه من الجنة مثل لدخول البشر في طور المخالفات التي تجر عليهم الشقاء والبلاء .
 والتوبة والمغفرة مثل لطور الكمال الكسبي والارتقاء العلمي والعملي]([28]).
ويقول: [وقد جرى على هذا الأسلوب كتاب القصص المخترعة والأساطير التي يسمونها الروايات في هذا العصر]([29])
ومختصر أقوال محمد عبده في العقل:
1.    الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن ، وأن العقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته والتصديق بالرسالة.
2.    وأن العقل إن لم يستقل وحده في إدراك ما لا بد فيه من النقل فهو مستقل لا محالة في الاعتقاد بوجود الله وبأنه يجوز أن يرسل الرسل.
3.    والدين الكامل علم وذوق، عقل وقلب ، برهان وإذعان ، فكر ووجدان ، فإذا اقتصر دين على أحد الأمرين فقد سقطت إحدى قائمتيه وهيهات أن يقوم على الأخرى .
4.              أحمد بن حنبل ونصر بن نوح والكناني وكافة العلماء الذين وقفوا في وجه المعتزلة هم من أعداء العلم.
5.    تآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس, على لسان نبي مرسل, بتصريح لا يقبل التأويل, وتقرر بين المسلمين كافة _إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه_
6.               إن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل.
7.              العقل هو الذي يضع قواعد العدل, ويحمل الكافة على رعايتها.
8.    الإنسان يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت, ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت, ويسامي بقوته ما يعظم أن يسامى من قوى الكون الأعظم.
9.              تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض.
10.   كل ما يخالف هواه في القرآن مردود ووضع لذلك عدة مخارج:آ : التأويل, ب: المجاز, ج: أن في القرآن كثيراً مما هو غير صحيح إنما جيء به كنوع من التمثيل والمسرحيات.
ولقد رددنا على أصحاب الأهواء في الباب الأول الفصل الرابع بما يغني عن الإعادة إلا أن محمد عبده أتى بطامة لم يسبق إليها وهي أن القصص القرآني وماشابه من قبيل المسرحيات والتمثيل ففتح باباً للزنادقة نال فيه إثمه وإثم من ولجه إلى يوم القيامة.



[1] - - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/184-187
[2] - الإسلام والنصرانية ص3
[3] - الإسلام والنصرانية ص17
[4] - الإسلام والنصرانية ص21
[5] - الإسلام والنصرانية 10
[6] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده:3/374-375
[7] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده:3/416
[8] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده:3/419
[9] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده:3/425
[10] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده:3/427
[11]  - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله 42.
[12] - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله 178.
[13] - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله 179- 180.
[14] - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله 254.
[15] - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله 257.
[16] - الفن القصصي في القرآن: محمد أحمد خلف الله, مقدمة الرسالة.
[17] - تفسير المنار: 2/ 205.
[18] - تفسير المنار: 4/7.
[19]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/241.
[20]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/467- 468.
[21]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/709- 710.
[22] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/124.
[23]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/127.
[24] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 4/129- 133.
[25] - تفسير المنار: 3/52.
[26] - تفسير المنار: 2/457.
[27] - - تفسير المنار: 1/399.
[28] - مجلة المنار المجلد 3/ج/5ص/ 87 صفر 1320
[29] - تفسير المنار: 1/399.




0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.