موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في رحاب العلماء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في رحاب العلماء. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 أغسطس 2012

في رحاب العلماء(41)سبيل الدعوة الإسلامية للدكتور محمد أميْن المصْري


في رحاب العلماء(41)
رضوان محمود نموس
سبيل الدعوة الإسلامية للدكتور محمد أميْن المصْري([1]).
نفسية الكافرين:
     يقول الله تعالى في سورة آل عمران: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.(آل عمران: 118 ـ 120(.
     بينت الآية الكريمة أسباب النهي بالكشف عن نوايا هؤلاء الأعداء ودخائل نفوسهم السيئة:
    الأمر الأول قوله تعالى: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}: والخبال في الأصل: الفساد الذي يلحق الإنسان فيورثه اضطراباً كالمرض والجنون، والمعنى لا يقصرون في فساد أمرهم، بل يجهدون فيه ما وسعهم الجهد، واختيار لفظة الخبال في الآية الكريمة للإشارة إلى أنه نوع من الفساد لا يصلح معه رأي ولا ينفع فيه تدبير.
     والأمر الثاني قوله تعالى {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}: والعنت دخول المشقة على الإنسان ولقاء الشدة – أعنته: أوقعه في الهلكة – وقوله عز وجل : {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} (الحجرات – الآية 7). أي لوقعتم في العنت أي الفساد والهلاك، وفي التنزيل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ} (البقرة – الآية  22). معناه: لو شاء لشدد عليكم وتعبدكم بما يصعب عليكم أداؤه كما فعل بمن كان قبلكم، وقد يوضع العنت موضع الهلاك فيجوز أن يكون معناه، لو شاء الله لأعنتكم أي لأهلككم، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أي تمنوا ما يهلككم.

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

في رحاب العلماء (40) حقيقة الجهاد وأطواره للشيخ عبد القادر شيبة الحمد


في رحاب العلماء (40)
رضوان محمود نموس
حقيقة الجهاد وأطواره
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد([1]).
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعهد بنصرة أوليائه وفي ذلك يقول:{وإنّ جندنا لهم الغالبون}, وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله القائل: "إن الجنة تحت ضلال السيوف", صلى الله وسلم وبارك عليه, وعلى آله وصحبه الموصوفين في محكم الكتاب بأنهم{أشداءُ على الكفار رُحماءُ بينهم}, سلكنا الله وإياكم في حزبهم, وهدانا لسلوك دربهم وسبيلهم أما بعد:
فإن فريضة من فرائض الإسلام لم تتعرض لما تعرض له الجهاد من طعن أعداء الإسلام فيه، والتشويش عليه، وجعل ذلك سبيلاً للوصول إلى غمز الدين كله، حتى صاروا يوهمون الجاهلين بأن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، وأنه لو كان حقاً من عند الله لاعتمد على الحجة والبرهان، لا على السيف والسنان، ولم يقف أعداء الإسلام عند ذلك فحسب، بل استطاعوا أن يوجدوا من أبناء المسلمين من يحمل راية الحرب على الجهاد, إما بإبطاله أصلاً, كما فعل الملحد الضال غلام أحمد القادياني والقاديانيون، فقد بذل هذا المارق كل جهده في محاربة فريضة الجهاد في الإسلام، فبعد أن أعلن عام (1902م) أنه نبي مرسل, وأصدر رسالة سماها (تحفة الندوة) قال فيها: "فكلما ذكرت مراراً أن هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي ظلي وبروزي من أنبياء الله، وتجب على كل مسلم إطاعتي في الأمور الدينية, ويجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود, وكل من بلغته دعوتي فلم يحكمني, ولم يؤمن بأني المسيح الموعود, ولم يؤمن بأن الوحي الذي ينزل عليّ من الله, مسئولٌ ومحاسبٌ في السماء -وإن كان مسلماً-؛ لأنه قد رفض الأمر الذي وجب عليه"، ثم يقول: "وقد شهد لي القرآن وشهد لي الرسول وقد عين الأنبياء زمان بعثتي.."، ثم ادعى أنه نسخ الجهاد الذي شرع الإسلام, وأن الواجب على كل مسلم أن يسالم الإنجليز، وألف لذلك كتاباً سماه (ترياق القلوب) يقول في (ص: 15) منه: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولى الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائماً أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة, وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك، والمسيح السفاح, والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة الجهاد, وتفسد قلوب الحمقى".

الأحد، 17 يونيو 2012

في رحاب العلماء (39)‏ جهاد العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ(‏ ‏). في مقاومة ‏القوانين الوضعية


في رحاب العلماء (39)
جهاد العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ([1]). في مقاومة القوانين الوضعية
رضوان محمود نموس
لقد بذل الإمام محمد بن إبراهيم رحمه الله جهوداً ضخمة في رقع الخرق والإنكار على آل سعود مما أدخلوه من القوانين الوضعية فكتب مراراً وتكراراً الرسائل إليهم وخاصة بعد أن قررت الحكومة السعودية إحالة القضايا التجارية إلى محاكم تجارية خاصة بعيداً عن المحاكم الشرعية ليسهل التعامل بالربا وشركات التأمين المخالفة للشرع واستيراد المواد المحرمة وغير ذلك من القضايا؛ كتب الإمام محمد بن إبراهيم إلى أمير الرياض ما يلي:
مذكرة رقم: (4038)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.
فبالإشارة إلى خطابكم رقم 4928 وتأريخ 11/4/1375هـ المرفق به الأوراق الخاصة بموضوع تأسيس غرفة تجارية بالرياض.
نفيدكم أنه جرى درس النظام المرفق، ولاحظنا عليه ملاحظات أهمها:
الفقرة (د) من المادة 3 التي نصها: [ أن تكون الغرفة مرجعا لحل الخلافات التجارية بين المتنازعين من التجار سواء كان المدعى عليه مسجلا أو غير مسجل، وقد انتهى إلينا نسخة عنوانها: ( نظام المحكمة التجارية للملكة العربية السعودية ) المطبوع بمطبعة الحكومة بمكة عام 1369هـ للمرة الثانية، ودرسنا قريبا نصفها فوجدنا ما فيها نظما وضعية قانونية لا شرعية، فتحققنا بذلك أنه حيث كانت تلك الغرفة هي المرجع عند النزاع أنه سيكون فيها محكمة، وأن الحكام غير شرعيين، بل نظاميون قانونيون، ولا ريب أن هذه مصادمة لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الشرع الذي هو وحده المتعين للحكم به بين الناس والمستضاء منه عقائدهم وعباداتهم ومعرفة حلالهم وحرامهم، وفصل النزاع عندما يحصل التنازع. واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل قليل لا شك أنه عدم رضى بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة، والأمر كبير مهم، وليس من الأمور الاجتهادية وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه؛ إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم هو المتبع المحكم ما جاء به فقط. ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك والقيام به فعلا وتركا وتحكيما عند النزاع   {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([2]). { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا }([3]).

الجمعة، 8 يونيو 2012

في رحاب العلماء(38) رد الشيخ ابن حميدعلى قانون العمل والعمال


في رحاب العلماء(38)
رضوان محمود نموس
رد الشيخ ابن حميد([1]) على قانون العمل والعمال
يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله حول نظام العمل:
[ الحمد لله الذي جعلنا من خير الأمم، ونجانا بنور الوحيين من حوالك الظلم، وخصنا بمحمد الذي أوتي جوامع الكلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا بمتابعته العز في الدنيا وفي الآخرة، وسلم تسليما.
أما بعد: فقد قرئ علي بعض من نظام العمل والعمال الذي صدر الأمر والعمل به بتأريخ 25/11/1366، والذي لم يزل العمل به مستمرا إلى هذا الوقت، ولما سمعت بعض مواده وفقراته، طال تعجبي من وجود مثل هذه الأنظمة يحكم بها بين ظهراني المسلمين وتقررها وتنفذها دولة إسلامية تحكم القرآن وتفخر به ويحق الفخر لمن تمسك به وعمل بأحكامه، وكنت قبل اطلاعي عليه أسمع شيئا مما يتناقله الناس عنه، غير أني لا أصدق ولا أكذب بكل ما أسمع عنه.
ولما اطلعت عليه وجدته فوق ما أسمع وأفظع مما يقال فيه، ورأيت أنه متحتم علي أن أبين ما علمته فيه من الأخطاء على وجه النصيحة وبراءة للذمة....
والله سبحانه وتعالى يقول: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }([2]). و { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ %وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأنفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ % وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين % وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ }([3]). } و {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا }([4]).
وقد تكفلت بحل جميع المشاكل وتبيينها وإيضاحها، قال تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ([5]).وقال تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ([6]).ففي هذه الآية أن القرآن فيه البيان لكل شيء، وأن فيه الاهتداء التام، وأن فيه الرحمة الشاملة، وأن فيه البشارة الصادقة للمتمسكين به الخاضعين لأحكامه، وقال تعالى: { وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ([7]).و{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([8]).
 وقال صلى الله عليه وسلم: { عن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلا هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ}.([9]).
وقال صلى الله عليه وسلم: {عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض}([10])
وقد قال الإمام بن كثير رحمه الله  على قوله تعالى:{أفحكم الجاهلية يبغون} الآية.
ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان([11]). الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة: عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية.
وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا، يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير أ هـ.

الثلاثاء، 29 مايو 2012

في رحاب العلماء(37) لله الحكم والأمر للشهيد عبد القادر عودة


في رحاب العلماء(37)

رضوان محمود نموس

لله الحكم والأمر للشهيد عبد القادر عودة([1])
لمن الحكم ؟
هذا سؤال لا تصعب الإجابة عليه بعد أن علمنا أن الله هو خالق الكون ومالكه ، وأنه أستعمر البشر واستخلفهم في الأرض ، وأمرهم أن يتبعوا هداه ، وأن لا يستجيبوا لغيره ، فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقول بعد أن علم هذا إلا أن الحكم لله ، وأنه جل شأنه هو الحاكم في هذا الكون ما دام هو خالقة ومالكه ، وأن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل ويحكموا به ، لأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافاً مقيداً باتباع هدى الله ، ولأنهم من وجه آخر خلفاء لله في الأرض ، وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه . وقد جاءت نصوص القرآن مؤيدة لهذا المنطق البشري السليم ، فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله ، وتحرم عليهم تحريماً قاطعاً اتباع ما يخالفه : ((اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)) 
الأنعام :106 ((اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء)) الأعراف/3. وقد علمنا الله أن الحق شيئا واحد لا يتعدد ، وأنه ليس في الدنيا إلا حق أو باطل ، وليس بعد الحق إلا الضلال ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) يونس 32. كما علمنا أنه أرسل رسوله محمداً صلى الله علية وسلم بالحق ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)) البقرة/119. وأن الكتاب الذي أنزل عليه جاء بالحق : ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)) آل عمران /3.(( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ  ))النساء /105.

وإذا كان الله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق : ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ))  التوبة /33. فإن الذين يستجيبون للرسول ولما جاء به أنما يستجيبون للحق ويتبعون الهدى .
أما الذين لا يستجيبون للرسول ولما جاء به من الحق فقد علمنا الله أنهم يستجيبون للضلال ويتبعون أهواءهم ، وأن أعظم الناس ضلالا هو من اتبع هواه ولم يهتد بهدي الله : ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) القصص/50.
وقد جعل الله ما أنزله على رسوله شريعة لنا ، وأوجب علينا أن نتبعها ونلتزم حدودها ، ونهانا عن اتباع تشريعات الناس وقوانينهم ، فما هي إلا أهواؤهم وضلالاتهم يصوغونها تشريعات وقوانين يضلون بها البشر ويصرفونهم عن شريعة الله ، وهم مهما تعلموا وعلموا لا يعلمون شيئاً في جنب علم الله الذي أحاط بكل شيء علما، والذي يعلم ما فيه هداية البشر وخيرهم : ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) الجاثية /18.

الأربعاء، 16 مايو 2012

في رحاب العلماء(36) إكفار الملحدين في ضروريات الدِّين


في رحاب العلماء(36)
رضوان محمود نموس
إكفار الملحدين في ضروريات الدِّين
للشيخ محمد أنور شاه الكشميري الهندي([1]).
{كتب الشيخ هذا الكتاب للرد على عدم تكفير المتأولين وبين فيه أن التأويل إذا أفضى إلى الكفر لا يعذر صاحبه بحجة أنه متأول}
[تفسير الزندقة والإلحاد والباطنية وحكمها ثلاثتها واحد وهو الكفر
قال: التفتازاني في "مقاصد الطالبين في أصول الدين": الكافر إن أظهر الإيمان خص باسم "المنافق"، وإن كفر بعد الإسلام "فبالمرتد"، وإن قال بتعدد الآلهة "فبالمشرك"، وإن تدين ببعض الأديان "فبالكتابي" وإن أسند الحوادث إلى الزمان واعتقد قدمه "فبالدهري"، وإن نفى الصانع فبالمعطل، وإن أبطن عقائد هي كفر بالاتفاق "فبالزنذيق".
وقال في شرحه: قد ظهر أن: "الكافر" اسم لمن لا إيمان له: فإن أظهر الإيمان خص باسم المنافق، وإن طرأ كفره بعد الإسلام خص باسم المرتد، لرجوعه عن الإسلام، وإن قال بإلهين أو أكثر. خص باسم المشرك، لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متديناً ببعض الأديان والكتب المنسوخة، خص باسم الكتابي، كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه، خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الباري تعالى خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإظهاره شعائر الإسلام يبطن عقائد هي كفر بالاتفاق، خص باسم الزنديق، وهو في الأصل منسوب إلى: الزند، اسم كتاب أظهر مزدك أيام قباد: وزعم أنه تأويل كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت. الذي يزعمون أنه نبيهم. اهـ.
فإن الزنديق يموه كفره، ويروج عقيدته الفاسدة، ويخرجها في الصورة الصحيحة، وهذا معنى إبطان الكفر، فلا ينافي إظهاره الدعوى إلى الضلال، وكونه معروفاً بالإضلال اهـ. ابن كمال.
وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي، كزنادقة، وباطنية، فالمراد بإبطان بعض عقائد الكفر ليس هو الكتمان من الناس، بل المراد: أن يعتقد بعض ما يخالف عقائد الإسلام مع ادعائه إياه وحكم المجموع من حيث المجموع الكفر لا غير...

فظهر أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع الكفر، وغاية ما يوسع فيه هو الإنذار والاستتابة، فإن تاب وإلا قتل كفراً، وليس ذلك إكراهاً مذموماً بل هو إكراه على الحق الذي وضحت حقيقته، فهو عين العدل وعين الصواب. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" في قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الآية. المسألة الثانية قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ} عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين. قال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} اهـ. وأعاده في "الممتحنة". وقال في "الصحيح" عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل اهـ". والحق أن الإكراه على الحق الذي كان وضوحه بديهياً ليس بإكراه، واختاره في "روح المعاني" أيضاً.
وهذه أكثر الشكوك التي تغشي الناظرين في هذه المسألة، وقد أحاطها وأماطها الحافظ وحكها وفكها، فأبى المستروحون إلا استرسالهم مع ما يركبه الخيال ويجلبه من حديث نفس وأمنية، والله الهادي ومن يضلله فلا هادي له، يريد الكافرون ليطفؤوه ويأبى الله إلا أن يتمه...
أقوال الأئمة: كأبي يوسف ومحمد والبخاري رحمه الله عليهم أجمعين
وهو ما ذكره الطحاوي قال: حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه، أدخلها في أماليه عليهم، قال: قال أبو حنيفة: "اقتلوا الزنديق سراً فإن توبته لا تعرف". "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي و"عمدة القاري".
قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر: قتل ولا يستتاب، لأن المسلم إذا ارتد باطناً لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام. "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي. ونحوه في "الموطأ" من القضاء في من ارتد عن الإسلام.
وقولهم في ترك قبول توبة الزنديق: يوجب أن لا يستتاب الإسماعيلية وسائر الملحدين الذين قد علم منهم اعتقاد الكفر، كسائر الزنادقة، وأن يقتلوا مع إظهارهم التوبة. "أحكام القرآن"... وفي "السير الكبير" من لفظ محمد رحمه الله: ومن أنكر شيئاً من شرائع الإسلام فقد أبطل قول: لا إله إلا الله اهـ......

الخميس، 10 مايو 2012

في رحاب العلماء (35)إجْمَالُ الحَالِ فِي الحَيَاةِ المُعَاصِرَةِ للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد


في رحاب العلماء (35)
رضوان محمود نموس
إجْمَالُ الحَالِ فِي الحَيَاةِ المُعَاصِرَةِ
للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد([1])
تلكم هي قصة مُفتي الخنفشارِ، ونحوها مِنَ المُتَشَبِّعين بِمَا لم يُعْطَوْا، كنتُ أظُنُّها مِن نسج الخيالِ، وضُروبِ المُحَالِ، ووارِدَات التَّاريخِ التي تُحْكَى ولا يُعَوَّل عليها، أو أنَّها من بابِ التَّنكيتِ على قومٍ، والحطِّ من آخَرَين، كما في كائنةِ البغاددة مع الباوَرْدي وما بعدها.
وعلى أيةِ حالٍ فتلك أُمة قد خلت وبأعمالِها ارتهنت لكن ونحنُ في الوقتِ الَّذي نُعَايِش فيه علومَ الاستمتاعِ بالخلاقِ من الطبيعيات، والمَعدنيَّات والكيمياءِ وغيرِها، وانصراف النَّاس إليها كالعُنقِ الواحدِ: اندَلَعَتْ قضيةُ التَّعالُمِ في الوُجودِ لاسيما في صفوفِ المسلمينَ وهي رمز للعُدولِ عن الصِّراطِ المُستقيم، وأضْوَاءِ التَّنزيلِ، ووسيلةِ القَّوْلِ على اللهِ العزيزِ الحكيم. فتجسَّدَت أمامنا أدِلَّةٌ ماديةٌ قامت في ساحةِ المُعاصَرَةِ على ما ذرَّ قَرْنُه مِنَ الخَوْضِ في الشَّريعةِ بالباطلِ، وما تَوَّلَدَ عنه من فِتَنٍ تَغْلِي مَرَاجِلُها على أنقاضِ ظُهورِ الرّكالة([2]). لذهابِ العلماءِ وقُعُود المُتأهِّلينَ عن التَّحَمُّلِ والبَلاغِ، وتولي ألسنتهم وأقلامهم يوم الزَّحفِ على كرامَتِهِ.

الاثنين، 7 مايو 2012

في رحاب العلماء 34 قتال الطائفة الممتنعة للإمام ابن تيمية


في رحاب العلماء 34
قتال الطائفة الممتنعة للإمام ابن تيمية
رضوان محمود نموس
سئل الإمام السؤال الآتي: مَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةِ الدِّينِ: فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ قَدِمُوا سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَفَعَلُوا مَا اشْتَهَرَ مَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ بَعْضِ الذَّرَارِيِّ وَالنَّهْبِ لِمَنْ وَجَدُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَتَكُوا حُرُمَاتِ الدِّينِ مِنْ إذْلالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِهَانَةِ الْمَسَاجِدِ لا سِيَّمَا " بَيْتُ الْمَقْدِسِ " وَأَفْسَدُوا فِيهِ وَأَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْحِمْلَ الْعَظِيمَ وَأَسَرُوا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ الْجَمَّ الْغَفِيرَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ. وَادَّعَوْا مَعَ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَادَّعَوْا تَحْرِيمَ قِتَالِ مُقَاتِلِهِمْ لَمَّا زَعَمُوا مِنْ اتِّبَاعِ أَصْلِ الإِسْلامِ وَلِكَوْنِهِمْ عَفَوْا عَنْ اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَهَلْ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ أَوْ يَجِبُ وَأَيُّمَا كَانَ فَمِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ جَوَازُهُ أَوْ وُجُوبُهُ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ الْتِزَامِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ مِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَهُ وَإِنْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ نَاطِقِينَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُلْتَزِمِينَ بَعْضَ شَرَائِعِهِ كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَانِعِي الزَّكَاةَ. وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَهُمْ بَعْدَ سَابِقَةِ مُنَاظَرَةِ عُمَرَ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْقِتَالِ عَلَى حُقُوقِ الإِسْلامِ عَمَلا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ الْحَدِيثُ عَنْ الْخَوَارِجِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ مَعَ قَوْلِهِ: {تُحَقِّرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ} فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الاعْتِصَامِ بِالإِسْلامِ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ شَرَائِعِهِ لَيْسَ بِمُسْقِطِ لِلْقِتَالِ. فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَحَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. فَمَتَى كَانَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ
فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ. فَأَيُّمَا طَائِفَةٍ امْتَنَعَتْ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ عَنْ الْتِزَامِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْمَيْسِرِ أَوْ عَنْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ عَنْ الْتِزَامِ جِهَادِ الْكُفَّارِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَاجِبَاتِ الدِّينِ وَمُحَرَّمَاتِهِ - الَّتِي لا عُذْرَ لأَحَدِ فِي جُحُودِهَا وَتَرْكِهَا - الَّتِي يَكْفُرُ الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا. فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ تُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةٌ بِهَا. وَهَذَا مَا لا أَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ إذَا أَصَرَّتْ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ السُّنَنِ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالأَذَانِ وَالإِقَامَةِ - عِنْدَ مَنْ لا يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَائِرِ. هَلْ تُقَاتَلُ الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ عَلَى تَرْكِهَا أَمْ لا؟ فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَنَحْوُهَا فَلا خِلافَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا. وَهَؤُلاءِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَى الإِمَامِ أَوْ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ؛ كَأَهْلِ الشَّامِ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَإِنَّ أُولَئِكَ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ خَارِجُونَ عَلَيْهِ لإِزَالَةِ وِلايَتِهِ. وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ فَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ الإِسْلامِ؛ بِمَنْزِلَةِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَبِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلِهَذَا افْتَرَقَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِتَالِهِ لأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَفِي قِتَالِهِ لأَهْلِ النهروان: فَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِيِّينَ سِيرَةَ الأَخِ مَعَ أَخِيهِ وَمَعَ الْخَوَارِجِ بِخِلافِ ذَلِكَ. وَثَبَتَتْ النُّصُوصُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِنْ قِتَالِ الصِّدِّيقِ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ؛ بِخِلافِ الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ فِيهَا بِمَا دَلَّتْ وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ اخْتَلَفُوا فِيهَا. عَلَى أَنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ الأَئِمَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ الَّذِينَ يَجِبُ قِتَالُهُمْ هُمْ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِمَامِ بِتَأْوِيلِ سَائِغٍ؛ لا الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ. وَآخَرُونَ يَجْعَلُونَ الْقِسْمَيْنِ بُغَاةً وَبَيْنَ الْبُغَاةِ وَالتَّتَارِ فَرْقٌ بَيِّنٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ لا يَلْتَزِمُونَ شَرَائِعَ الإِسْلامِ الظَّاهِرَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ؛ فَلا أَعْلَمُ فِي وُجُوبِ قِتَالِهِمْ خِلافًا. فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَهَؤُلاءِ الْقَوْمُ الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ عَسْكَرُهُمْ مُشْتَمِلٌ عَلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ مِنْ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَعَلَى قَوْمٍ مُنْتَسِبِينَ إلَى الإِسْلامِ - وَهُمْ جُمْهُورُ الْعَسْكَرِ - يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ إذَا طُلِبَتْ مِنْهُمْ وَيُعَظِّمُونَ الرَّسُولَ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي إلا قَلِيلا جِدًّا وَصَوْمُ رَمَضَانَ أَكْثَرُ فِيهِمْ مِنْ الصَّلاةِ وَالْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهِ.

الأحد، 22 أبريل 2012


في رحاب العلماء (33)
أثر الذنوب للعلامة ابن القيم([1])
رضوان محمود نموس
فَصْلٌ الذُّنُوبُ تُحْدِثُ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ
وَمِنْ آثَارِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي: أَنَّهَا تُحْدِثُ فِي الأَرْضِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْمِيَاهِ وَالْهَوَاءِ، وَالزَّرْعِ، وَالثِّمَارِ، وَالْمَسَاكِنِ، قَالَ تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سُورَةُ الرُّومِ: 41] .
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا وَلِيَ الظَّالِمُ سَعَى بِالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ، فَيَهْلِكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، ثُمَّ قَرَأَ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سُورَةُ الرُّومِ: 41] ... وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} قَالَ: الذُّنُوبُ.

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

في رحاب العلماء (32) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي


في رحاب العلماء (32)
عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي([1])
رضوان محمود نموس
[فصل في الجهاد وتوابعه]
قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] لمنعهم من دينهم، وإخراجهم من ديارهم، ومطاردتهم لهم في كل مكان، {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] وهذا مع أمره لهم بفعل الأسباب، ومقاومة الأعداء بكل مستطاع أمر لهم بالتوكل عليه، واستنصاره، والطلب منه. ثم ذكر صفة عدوانهم، فقال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [الحج: 40] بالأذية والفتنة بغير حق إلا أن ذنبهم إيمانهم بالله، واعترافهم بأنه ربهم وإلههم، وأنهم أخلصوا له الدين، وتبرؤوا من عبادة المخلوقين، وهذا كما قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8]
وهذا ظاهر في حكمة الجهاد، وعظم مصلحته، وأنه من الضروريات في الدين؛ فإن المقصود به إقامة دين الله، والدعوة إلى عبادته التي خلق الله المكلفين لها، وأوجبها عليهم، ودفع كل من قاوم الأمر الضروري، ومقاومة الظالمين المعتدين على دين الله وعلى المؤمنين من عباده كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]
ولهذا قال: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] فلولا مدافعة الله الناس بعضهم ببعض بأسباب متعددة، وطرق متنوعة قدرية وشرعية، وأعظمها وأجلها وأزكاها الجهاد في سبيله لاستولى الكفار الظالمون، ومحقوا أديان الرسل، فقتلوا المؤمنين بهم، وهدموا معابدهم، ولكن ألطاف الله عظيمة، وأياديه جسيمة، وبهذا وشبهه يعرف حكمة الجهاد الديني، وأنه من الضروريات لا كقتال الظلمة المبني على العداوات والجشع والظلم والاستعباد للخلق، بل الجهاد الإسلامي مرماه وغرضه الوحيد إقامة العدل، وحصول الرحمة، واستعباد الخلق لخالقهم، وأداء الحقوق كلها، ونصر المظلومين، وقمع الظالمين، ونشر الصلاح والإصلاح المطلق بكل وجه واعتبار، وهو من أعظم محاسن دين الإسلام.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 45 - 47]

السبت، 7 أبريل 2012

في رحاب العلماء (31) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية


في رحاب العلماء (31)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية
رضوان محمود نموس
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَرْغِيبٌ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ سَمَاعُ كَلامِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالنَّظَرُ فِي كُتُبِهِمْ لِمَنْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَيَدْعُوهُ إلَى سَبِيلِهِمْ وَإِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهَذَا الْبَابُ تَجْتَمِعُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَمَّ هَؤُلاءِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} الآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} وَقَوْلِهِ: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآيَةُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ فَأَهْلُ الْمَعَاصِي كَثِيرُونَ فِي الْعَالَمِ؛ بَلْ هُمْ أَكْثَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآيَةُ. وَفِي النُّفُوسِ مِنْ الشُّبُهَاتِ الْمَذْمُومَةِ وَالشَّهَوَاتِ قَوْلا وَعَمَلا مَا لا يَعْلَمُهُ إلا اللَّهُ وَأَهْلُهَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهَا وَيَقْهَرُونَ مَنْ يَعْصِيهِمْ وَيُزَيِّنُونَهَا لِمَنْ يُطِيعُهُمْ. فَهُمْ أَعْدَاءُ الرُّسُلِ وَأَنْدَادُهُمْ فَرُسُلُ اللَّهِ يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَيُجَاهِدُونَ عَلَيْهَا وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَيُحَذِّرُونَهُمْ مِنْهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَيُجَاهِدُونَ مَنْ يَفْعَلُهَا. وَهَؤُلاءِ يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ قَوْلا وَفِعْلا وَيُجَاهِدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثُمَّ قَالَ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَمَرَنَا بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ فَمَنْ لا يَعْلَمُ الْمَعْرُوفَ لَا يُمْكِنُهُ الأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ فَمَنْ لا يَعْلَمُهُ لا يُمْكِنُهُ النَّهْيُ عَنْهُ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِعْلَ الْمَعْرُوفِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرِ فَإِنَّ حُبَّ الشَّيْءِ وَفِعْلَهُ وَبُغْضَ ذَلِكَ وَتَرْكَهُ لا يَكُونُ إلا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِمَا حَتَّى يَصِحَّ الْقَصْدُ إلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِعِلْمِهِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّيْءَ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ حُبٌّ لَهُ وَلا بُغْضٌ وَلا فِعْلٌ وَلا تَرْكٌ؛ لَكِنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ وَالأَمْرَ بِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُعْلَمَ عِلْمًا مُفَصَّلا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُهُ وَالأَمْرُ بِهِ إذَا أُمِرَ بِهِ مُفَصَّلا. وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَةَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ: مِثْلَ صِفَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا أَمَرَ بِأَوْصَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا فَكَمَا أَنَّا لا نَكُونُ مُطِيعِينَ إذَا عَلِمْنَا عَدَمَ الطَّاعَةِ فَلا نَكُونُ مُطِيعِينَ إذَا لَمْ نَعْلَمْ وُجُودَهَا؛ بَلْ الْجَهْلُ بِوُجُودِهَا كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهَا وَكَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْصِيَةً فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ الأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بَعْضِهَا بِجِنْسِهِ؛ فَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ الْمُمَاثَلَةَ كَانَ كَمَا لَوْ عَلِمْنَا الْمُفَاضَلَةَ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مَا يَتْرُكُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ فَقَدْ يُكْتَفَى بِمَعْرِفَتِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُجْمَلا فَالإِنْسَانُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُنْكَرِ وَإِنْكَارِهِ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْحُجَجِ الْمُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ وَإِلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُعَارِضُ بِهِ أَصْحَابَهَا مِنْ الْحُجَجِ وَإِلَى دَفْعِ أَهْوَائِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى إرَادَةٍ جَازِمَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ لا يَكُونُ إلا بِالصَّبْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

في رحاب العلماء 30 وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى


في رحاب العلماء 30
وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى([1])
رضوان محمود نموس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فالواجب على المؤمن: رد ما تنازع فيه الناس، إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فيكون الله إلهه ومعبوده، والرسول إمامه ومتبوعه، وأن يرغب في الحق ويلزمه، ويعض عليه بالنواجذ، وإن رغب عنه الأكثرون، ويحذر الباطل ويجتنبه، وإن رغب فيه الأكثرون؛ فمن عرف الحق وقبله وعمل به سعد، ومن اغتر بالكثير غوى وبعد.
ومن أعظم الواجبات على المؤمن: محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، وكذلك ما يحبه من الأشخاص، كالملائكة، وصالح بني آدم، وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، وبغض من فعل ذلك. فإذا رسخ هذا الأصل في قلب المؤمن، لم يطمئن إلى عدو الله، ولم يجالسه ولم يساكنه، وساءه النظر إليه.

الخميس، 29 مارس 2012

في رحاب العلماء 29


في رحاب العلماء 29
شرح الآية العاشرة من سورة الشورى للشنقيطي([1])
رضوان محمود نموس
قال الله تعالى: [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] الشورى (10)
قَوْلُهُ تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.
مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الأَحْكَامِ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، لا إِلَى غَيْرِهِ - جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.ُُ
فَالإِشْرَاكُ بِاللَّهِ فِي حُكْمِهِ كَالإِشْرَاكِ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ، قَالَ فِي حُكْمِهِ: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18 \ 26]. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ وَلا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا بِصِيغَةِ النَّهْيِ.
وَقَالَ فِي الإِشْرَاكِ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [18 \ 110]، فَالأَمْرَانِ سَوَاءٌ كَمَا تَرَى إِيضَاحَهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَلالَ هُوَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَالْحَرَامَ هُوَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَالدِّينَ هُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ تَشْرِيعٍ مَنْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَالْعَمَلُ بِهِ بَدَلَ تَشْرِيعِ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ - كُفْرُ بَوَاحٍ لا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَى أَنَّهُ لا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ اتِّبَاعَ تَشْرِيعِ غَيْرِهِ كُفْرٌ بِهِ، فَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ قَوْلُهُ تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [12 \ 40]. وَقَوْلُهُ تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ الآيَةَ [12 \ 67]. وَقَوْلُهُ تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [6 \ 57]. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [5 \ 44]. وَقَوْلُهُ تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18 \ 26]. وَقَوْلُهُ تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [28 \ 88]. وَقَوْلُهُ تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [28 \ 70]. وَالآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهَا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» فِي الْكَلامِ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18 \ 26].
وَأَمَّا الآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ تَشْرِيعِ غَيْرِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ كُفْرٌ، فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [16 \ 100]. وَقَوْلِهِ تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [16 \ 121]. وَقَوْلِهِ تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ الآيَةَ [36 \ 60]. وَالآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي «الْكَهْفِ»
مَسْأَلَةٌ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلا - بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لَهُ، فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي سَنُوَضِّحُهَا الآنَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَيُقَابِلَهَا مَعَ صِفَاتِ الْبَشَرِ الْمُشَرِّعِينَ لِلْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، فَيَنْظُرُ هَلْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ مَنْ لَهُ التَّشْرِيعُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ - وَلَنْ تَكُونَ - فَلْيَتَّبِعْ تَشْرِيعَهُمْ.

الأربعاء، 21 مارس 2012

في رحاب العلماء (28) أقوال الشافعي في وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم


في رحاب العلماء (28)
أقوال الشافعي([1]) في وجوب
 طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
رضوان محمود نموس
بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه: قال الشافعي وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه انه جعله علما لدينه بما افترض من طاعته وحرم من معصيته وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به فقال تبارك وتعالى {فآمنوا بالله ورسوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}. 
وقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } فجعل كما ابتدأ الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ورسوله فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم الإيمان أبدا حتى يؤمن برسوله معه وهكذا سن رسوله في كل من امتحنه للإيمان أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول الله بجارية فقلت يا رسول على رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: أين الله فقالت في السماء فقال ومن أنا قالت أنت رسول الله قال: فأعتقها.
 قال الشافعي: معاوية بن الحكم وكذلك رواه غير مالك وأظن مالك لم يحفظ اسمه قال الشافعي ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وقال جل ثناؤه: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}

الأحد، 18 مارس 2012

في رحاب العلماء(27) الحكم بغير ما أنزل الله للشيخ عبد الرزاق العفيفي


في رحاب العلماء(27) الحكم بغير ما أنزل الله
للشيخ عبد الرزاق العفيفي([1])
رضوان محمود نموس
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) .
أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من الأمانة إلي أهلها، أياً كانت تلك الأمانة ، فعم سبحانه بأمره كل مكلف، وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحاً أم غير صحيح، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومه أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل، سواء كان محكماً أو ولي أمر عام أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة أسداه إلي عباده من الموعظة إغراء لهم بالقيام بحقها والوقوف عند حدودها، وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله من كمال السمع والبصر ترغيباً في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيراً من مخالفة شرعه خوف عقابه، ثم أمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم  مطلقاً، لأن الوحي كله حق، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك، فإن اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع في بيان الحق والفصل فيما اختلف فيه إلي الكتاب والسنة لقوله سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
وقوله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة فإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مالاً، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد، فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع وأخذ بأسباب الوصول إلي الحق، فهو مأجور، أجران إن أصاب حكم الله، ومعذور مأجور أجراً واحداً إن أخطأه، وله أن يعمل بذلك في نفسه وأن يحكم به بين الناس، ويعلمه الناس مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين بناء على قاعدة التيسير ورفع الحرج وعملاً بقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).

الجمعة، 16 مارس 2012

في رحاب العلماء(26) جيل قرآني فريد (سيد قطب)


في رحاب العلماء(26)
جيل قرآني فريد (سيد قطب)([1])
رضوان محمود نموس
هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان. وأن يقفوا أمامها طويلاً. ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها.
لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلاً من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى .. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة.
هذه ظاهرة واضحة واقعة، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامـه طويلاً، لعلنا نهتدي إلى سرِّه .
 إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي، وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أيدي ذلك الجبل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر؟
لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان ..

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.