موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجماعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجماعة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 أغسطس 2012


الجماعة 21
رضوان محمود نموس
وإن تقديم العقل على النقل أوصل أهل المدرسة العقلية الجدد أو قل المعتزلة الجهمية الجدد إلى نتائج لا يحسدون عليه نذكر أمثلة منها:
رأيهم في آدم وأصل الإنسان:
قال الشيخ محمد عبدة في تفسير قوله تعالى:{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء }.
قال:[ ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر... فمن الناس لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلا هو مأخوذ عن العبرانيين فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخا متصلا بآدم والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين... وقد أبهم الله تعالى هاهنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها فإذا ثبت ما يقوله الباحثون في الإفرنج أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير وارد على كتابنا.
ثم نقل كلاما عن ابن بابويه قال فيه: لعلك ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم، بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين.... قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم.... وذكر الشيخ الأكبر في فتوحاته أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره، ثم قال محمد عبدة: إن ظاهر هذه الآية يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم، أي سواء كان هو الأب لجميع البشر أم لا لما ذكره من معارضة المباحث العلمية والتاريخية له، وأنه ليس في القرآن نص أصولي قاطع على أن جميع البشر من ذرية آدم]([1]).
وقال رشيد رضا يدافع عن أستاذه:[ أن ثبوت ما يقوله الباحثون في العلوم وآثار البشر وعاداتهم والحيوانات من أن للبشر عدة أصول ومن كون آدم ليس أبا لهم كلهم في جميع الأرض قديما وحديثا كل هذا لا ينافي القرآن ولا يناقضه.
ثم يقول: هذا وإن المتبادر من لفظ النفس بصرف عن الروايات والتقاليد المسلمات إنها هي الماهية أو الحقيقة التي كان بها الإنسان هو هذا الكائن الممتاز على غيره من     الكائنات أي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة ولا فرق في هذا بن أن تكون هذه الحقيقة بآدم كما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين أو بدأت بغيره وانقرضوا كما قال بعض الشيعة والصوفية أو بدأت بعدة أصول انبث منها عدة أصناف كما عليه بعض الباحثين ولا بين أن تكون هذه الأصول أو الأصل مما ارتقى عن بعض الحيوانات أو خلقا مستقلا على ما عليه الخلاف بين الناس في هذا العصر، والله تعالى يقول في سورة المؤمنون:{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وسنبين في تفسيرها أو تفسير سورة الحجر ما يفيده مجموع الآيات في خلق الإنسان من كيفية تكوينه على كل حال، وكل قول يصح، إن جميع الناس هم من نفس واحدة هي الإنسانية التي كانوا بها ناسا وهي التي يتفق الذين يدعون إلى خير الناس وبرهم ودفع الأذى عنهم على كونها الحقيقة الجامعة لهم فتراهم على اختلافهم في أصل الإنسان يقولون عن جميع الأجناس والأصناف أنهم اخوتنا في الإنسانية فيعدون الإنسانية مناط الوحدة وداعية الألفة والتعاطف بين البشر سواء اعتقدوا أن أباهم آدم عليه السلام أو القرد أو غير ذلك ]([2]).
الوحي في رأي عبدة العقول:

الجماعة 20


الجماعة 20
رضوان محمود نموس

قال محمد عبدة الذي كان شيخاً للأزهر:[ الأصل الأول للإسلام: النظر العقلي لتحصيل الإيمان، فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل. ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى صلته فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه ]([1]).
ثم قال:[ الأصل الثاني تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، أُسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أنتقل إلى غيره. إتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل ]([2]).
وقال:[ للإسلام في الحقيقة دعوتان، دعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده ودعوة إلى التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. فأما الدعوة الأولى فلم يعول فيها على تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في الكون واستعمال القياس الصحيح والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب و المسببات ليصل بذلك إلى أن للكون صانعا واجب الوجود عالما حكيما قادرا وأن ذلك الصانع واحده لوحدة النظام في الأكوان وأطلق للعقل البشري أن يجري في سبيله ]([3]).
وقال:[ فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري " وهو ما نسميه بالنظام الطبيعي " فلا يدهشك تجارف للعادة ولا يغشي بصرك بأطوار غير معتادة ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون إلا قليلا ممن لا يعتد برأيهم على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة ]([4]).

الجماعة 19


الجماعة 19

رضوان محمود نموس

أما المرحلة الخامسة للقانون فهي مرحلة القاضي ابن العربي المالكي.
 فقال في كتابه " قانون التأويل ":[ ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي ؟ هذا محال عقلاً وعلى هذا الأصل إنبنت مسائل الدور([1]) أما إنه قد تأتي آيات متشابهات وأحاديث مشكلات يعارض بعضها بعضا ويناقض بعضها دليل الشرع، وهاهنا علم عقلي يستضاء به في هذه السرية، ودليل شرعي يرشد في هذه المضلة.
إن العقل والشرع إذا تعارضا فإنما ذلك في الظاهر لتقصير الناظر وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل، وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيرد الشرع إليه، وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلا لنفسه.
فالناظر الذي قدم  المعقول سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع ولا سبيل إليه والذي يجعل العقل أصلاً والشرع تبعاً إن أخذه كذلك مطلقا ورد ما ينكره القلب ببادي الرأي في مورد الشرع مما يستحيل في العقل فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب وإن قال بما في الشرع فهو متناقض وإن توسط فهو الناظر العدل يجعل كل واحد منهما أصلاً عقلاً ونقلاً، وينظم سلك المعرفة من دررهما ولا يعتقد أحد منكم أنه يأتي موضع يعسر فيه التأويل([2]).
المرحلة السادسة جاءت على أيدي الفخر الرازي، والذي وضع القانون بشكله الحالي، فلقد قال في كتابه أساس التقديس:[ إعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذ قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.

الخميس، 2 أغسطس 2012

الجماعة 19‏


الجماعة 19
رضوان محمود نموس
أما المرحلة الخامسة للقانون فهي مرحلة القاضي ابن العربي المالكي.
 فقال في كتابه " قانون التأويل ":[ ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول فكيف يأتي الشاهد بتكذيب المزكي ؟ هذا محال عقلاً وعلى هذا الأصل إنبنت مسائل الدور([1]) أما إنه قد تأتي آيات متشابهات وأحاديث مشكلات يعارض بعضها بعضا ويناقض بعضها دليل الشرع، وهاهنا علم عقلي يستضاء به في هذه السرية، ودليل شرعي يرشد في هذه المضلة.
إن العقل والشرع إذا تعارضا فإنما ذلك في الظاهر لتقصير الناظر وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل، وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيرد الشرع إليه، وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلا لنفسه.
فالناظر الذي قدم  المعقول سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع ولا سبيل إليه والذي يجعل العقل أصلاً والشرع تبعاً إن أخذه كذلك مطلقا ورد ما ينكره القلب ببادي الرأي في مورد الشرع مما يستحيل في العقل فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب وإن قال بما في الشرع فهو متناقض وإن توسط فهو الناظر العدل يجعل كل واحد منهما أصلاً عقلاً ونقلاً، وينظم سلك المعرفة من دررهما ولا يعتقد أحد منكم أنه يأتي موضع يعسر فيه التأويل([2]).
المرحلة السادسة جاءت على أيدي الفخر الرازي، والذي وضع القانون بشكله الحالي، فلقد قال في كتابه أساس التقديس:[ إعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذ قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل. لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معه وأنه باطل، ولمّا بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها، ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق ([3]).
وبهذا أصبح وفق قانون إبليس بالتعديل السادس: كل نص من آية أو حديث خالف عقول الناس مرفوض وإنّ الشغل به لتأويله فهو على سبيل التبرع.
فهل يريد إبليس أكثر من ذلك، وهذا الذي عليه الأشاعرة إلى الآن.

الأربعاء، 11 يوليو 2012

الجماعة 18


الجماعة 18
رضوان محمود نموس
ولما اشتهرت دراسة الفلسفة عند علماء أهل الكلام وهم الأشاعرة والماتريدية، تأثر هؤلاء تأثرا بالغا بالفلاسفة، بل لقد قالوا نفس مقالتهم.
وهذا هو القاضي محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي يقول عن الغزالي:[ شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر ] وقالوا عنه أيضا:[ بلع الفلسفة ثم أراد أن يتقيأها فلم يستطع ] وقال عنه آخرون [ أمرضه الشفاء] أي كتاب الشفاء لابن سينا.
فتلقفَ هؤلاء كلام الفلاسفة وصاغوه على أسلوبهم وهذه المرحلة الثالثة للقانون، فقال الجويني في كتابه الإرشاد:[ إعلموا وفقكم الله أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلا ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعا، وإلى ما يدرك سمعا ولا يتقدر إدراكه عقلا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعا وعقلاً.... فإذا ثبتت هذه المقدمة فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير مستحيل بالعقل وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به، وأن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة ولم يكن مضمونها مستحيلا في العقل وتثبت أصولها قطعا ولكن طريق التأويل يجول فيه فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه بثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعا، وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا، لأن الشرع لا يخالف العقل ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع ولا خفاء به ]([1]).

الجماعة 17


الجماعة 17
رضوان محمود نموس
قانون إبليس:
لقد عمل إبليس جاهداً للتوصل إلى قانون يحرّف فيه كلام الله ويبدّله عن مواضعه، ولقد حذرنا الله هذا الكيد وهذا التحريف والتبديل. قال تعالى:{ فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذي ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون }([1]) وقال تعالى:{ فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون }([2]) وقال تعالى:{ يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلك قال الله من قبل }([3]) وقال تعالى:{ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا}([4]) وقال تعالى:{ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه }([5]) وقال تعالى:{ يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تأتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا }([6]) وقال تعالى:{ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون }([7]).
ولكن الواقع يشير أن إبليس نجح في مساعيه وتمكن من إغواء البشر، ووضعوا قانونا كما يريد لتحريف كلام الله عن مواضعه هذا القانون اشترك في وضعه رجال كثير ومرّ بمراحل عديدة حتى أخذ شكله الذي عليه الآن، وسنحاول إلقاء نظرة عابرة على المراحل التي مر بها القانون.
حسب استطلاعنا فإن أول من حاول وضع هذا القانون هو ابن سينا الذي قال في كتابه، " رسالة أضحويه في أمر المعاد " [ أمّا ما أمر به الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يراد فيها خطاب الجمهور كافة.
ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع والتغيير حتى لا يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع أو يكون لها جزء وجودي كمّي أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخله ولا بحيث تصح الإشارة إليه أنها هناك ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العاربة أو العبرانيين والأجلاف لتسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمانٌ معدوم أصلا ولهذا ورد التوحيد تشبيها كله ثم لم يرد في القرآن من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه من التوحيد ببيان مفصل بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له.
وأما أخبار التشبيه فأكثر من أن تحصى ولكن القوم لا يقبلونها وإذا كان الأمر في التوحيد هكذا فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية، ولبعض الناس أن يقولوا إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وأن ألفاظ التشبيه مثل اليد والوجه والإتيان في ظل الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياة والغضب صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل على استعمالها استعارة ومجازا ويدل على استعمالها غير مجاز ولا مستعارة بل محققة... ثم هب أن هذا كله مأخوذ عن الاستعارة فأين النصوص المشيرة إلى التصريح بالتوحيد المحض وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المستندة إلى علم التوحيد، مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم، فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه والتمثيل، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة وكيف يكون ظاهر الشرع حجة في هذا الباب ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة بعيدة عن إدراك بداية الأذهان لحقيقتها لم يكن سبيل الشرائع في الدعوة إليها والتحذير عنها مبهما بالدلالة عليها بل بالتعبير عنها بوجوده من التمثيلات المقربة إلى الأفهام، فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن خاصا من الناس لا عاما وأن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب ]([8]).
ومؤدى هذا الكلام أن الأنبياء قرّروا الشرائع بقدر أفهام العوام وخاطبوهم على قدر عقولهم وشبهوا ومثلوا لهم، وبالتالي فكلام الشارع أي القرآن والسنة ليس هو حقيقة التوحيد والشرع بل الحقيقة شيء آخر يفهمه الفلاسفة ولكن الأنبياء قالوا هذا الكلام ليناسب عقول العوام وجاء التطوير الأول لقانون إبليس الذي وضعه إبليس أولا على لسان بن سينا، جاء هذا التطوير على لسان الفيلسوف ابن رشد ليجعله أكثر قبولا فقال:[ إن الشريعة قسمان ظاهر ومأوّل وإن الظاهر منها هو فرض الجمهور وإن المأوّل هو فرض العلماء وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله وإنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور ]([9]).
ثم وضع القانون بشكله الصريح عنده فقال في كتابه:" فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال "[ فإن أدّى النظر البرهاني إلى نحو مّا من المعرفة بوجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان أو مخالفا فإن كان موافقا فلا قول هناك، وإن كان مخالفا طلب هناك تأويل، ونحن نقطع أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي]([10]).



[1] - سورة البقرة   59.
[2] - سورة الأعراف   162.
[3] - سورة الفتح    15.
[4] - سورة النساء   46.
[5] - سورة المائدة   13.
[6] - سورة المائدة   41.
[7] - سورة البقرة   75.
[8] - رسالة أضحويه في أمر المعاد لابن سينا. تحقيق سليمان دنيا، ص  44 - 51.
[9] - مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد. تحقيق د. محمد قاسم، ص  132 - 133.
[10] - فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال   ص 15 - 16.

الخميس، 21 يونيو 2012

الجماعة 16


الجماعة 16
رضوان محمود نموس
الأشاعرة والماتريدية:
برز بعد المعتزلة فرقتان ما زالتا ممتدتين إلى الآن عبر تاريخ الإسلام وكلتا الفرقتين قالت بتقديم العقل على النقل.
الأشاعرة:
فرقة تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري، وهو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ولد سنة 260هـ، وتوفي 324 هـ. أقام على مذهب الاعتزال أربعين سنة وكان مع أبي علي الجبائي حتى أصبح من أئمتهم، ثم ترك الاعتزال ولكن بقي فيه كثيرٌ من لوثة تقديم العقل على النقل وكان يعمد إلى تأويل النصوص والصفات مع ما يتناسب مع عقيدة عبد الله بن سعيد بن كلاّب، ثم انتقل أخيرا إلى طريقة أهل السنة والجماعة وصنف كتابه "الإبانة" وبقيت الفرقة تنسب إليه، وأهم ما يميز الأشاعرة تأويل النصوص بما يتناسب مع معتقداتهم القائمة على تقديم العقل على النقل مع تصوف غير يسير وتأثر بالطريقة الفلسفية وأبرز أئمتهم القاضي أبي بكر الباقلاني وإبراهيم بن علي المشهور بأبي إسحاق الشيرازي وأبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي وأبو بكر بن العربي والفخر الرازي وابن فورك والآمدي.
وسنتعرض لنقطة واحدة عندهم وهي تقديم العقل على النقل الذي من بسببه تأتي بقية الانحرافات من التأويل إلى رد الأحاديث وما شابه ذلك، فمصدر التلقي عند الأشاعرة هو العقل وقد صرح الجويني والغزالي وأبو بكر بن العربي والآمدي والإيجي والرازي والبغدادي وابن فورك والسنوسي وشرّاح الجوهرة وسائر أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وسنأتي ببعض الأمثلة من كتبهم لإثبات ذلك.
أقوال أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي:[ العلوم الأولية - أي اليقينيات - الضرورية المستفادة إما من الحس أو التجربة أو غريزة العقل ]([1]). [ الوصية الثانية أن لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع إذ به عرفنا الشرع ]([2]).
ويقول الغزالي في المنخول:[ فصل في ما يستدرك بمحض العقل دون السمع، والقول الضابط في ذلك أن كل ما يمكن إثباته دون إثبات كلام الباري كمعرفة الله تعالى وصفاته وترك استحالة المستحيلات وجواز الجائزات ووجوب الواجبات الفعلية دون التكليفية بأسرها فيستحيل دركه من السمع ]([3]).
[ كل ما يشير إلى إثبات صفة للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نظر. إن تطرق إليه التأويل قُبِل وأُوّل وإن لم يندرج فيه احتمال التأويل تبين على القطع كذب الناقل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسدد أرباب الألباب ومرشدهم فلا يظن أن يأتي بما يستحيل في العقل.
وقوله عليه السلام { يضع الجبار قدمه في النار } مقبول مؤوّل محمول على الكافر المعتل.... وقد علم الرب تعالى متسع النار وما يملأها فكيف افتقر إلى وضع القدم وهلا جعل الحجارة حشوها ومحله على الظاهر نسبة جهل إلى الله تعالى عن قول الظالمين أو الفجرة عن أن يملأ النار... والقول الوجيز إن كل ما لا تأويل له فهو مردود وما صح وتطرق إليه التأويل قبل ]([4]).
وقسّم الغزالي الأنوار إلى أقسام فقال:[ الرابع: نور شريف هو نور محض قائم بنفسه يدرك الأشياء على حقائقها ويدرك نتائجها وهو العقل ]([5]).
ثم يقول:[ فنقول: العقل أولى بأن يسمى نورا، والعقل يدرك غيره ويدرك نفسه ويدرك صفات نفسه إذ يدرك نفسه عاقلا عالما قادرا ويدرك علم نفسه ويدرك علمه بعلمه بنفسه وعلمه بعلمه بعلمه بنفسه إلى غير نهاية... والعقل يعرج في طرقه إلى أعلى السماوات رقيا وينزل في لحظة إلى تخوم الأرض هويا، بل إذا حقت الحقائق انكشف أنه منزه عن أن يحوم بجناب قدسه القرب والبعد الذي يعرض بين الأجسام فإنه أنموذج من بحور الله تعالى ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة وإن كان لا يرقى إلاّ ذروة المساوقة.... والعقل يتصرف في العرش والكرسي وما وراء حجب السماوات وفي الملأ الأعلى والملكوت كتصرفه في عالمه الخاص به ومملكته القريبة أعني بها الخاصة به بل الحقائق كلها لا تحجب عن العقل وإنما حجاب العقل حيث يحجب من نفسه لنفسه... والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها ويستنبط علمها وحكمها وأنها مما حدثت وكيف خلقت ومن كم معنى جُمع الشيء وركب وعلى أي مرتبة في الوجود نزل وما نسبته إلى سائر مخلوقاته وإلى مباحث أخرى يطول شرحها، نرى الإيجاز فيها أولى... والعقل إذ يدرك هذه الموجودات التي عددناها وما لم نعده وهو الأكثر فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا صادقا فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ والحواس جواسيسه وهي من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ، ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه والعقل يدرك المعقولات والمعقولات لا تتصور أن تكون متناهية ]([6]).
وقال عبد الرحمن بن أحمد الإيجي في كتابه المواقف:
المقصد السابع:[ الدليل إما عقلي بجميع مقدماته أو نقلي بجميعها أو مركب منها والأول العقلي والثاني لا يتصور، إذ صدق المخبر لا بد منه وأنه لا يثبت إلا بالعقل، والثالث هو الذي نسميه بالنقلي ثم مقدماته قريبة قد تكون عقلية محضة وقد تكون نقلية محضة وقد يكون بعضها مأخوذ من العقل وبعضها من النقل، فلا بأس أن يسمى هذا القسم بالمركب والمطالب ثلاثة أقسام. ثم قال: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد فهذا لا يثبت إلا بالعقل إذ لو اثبت بالنقل للزم الدور.
المقصد الثامن الدلائل النقلية هل تفيد اليقين ؟ قيل لا لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف وأصولها تثبت برواية الآحاد وفروعها بالأقيسة وكلاهما ظنيان والثاني يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير والكل لجوازه لا يجزم بانتقائه بل غايته الظن، ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضا لنفسه فكان باطلا ]([7]).
ويقول السنوسي في شرح الكبرى:[ وأما من زعم أن الطريق إلى معرفة الحق الكتاب والسنة ويحرم ما سواهما فالراد عليه إن حجتيهما لا تعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضا فقد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة وابتدع عند أخرى.
ويقول: أصول الكفر ستة... سادسا: التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية الشرعية والقواطع الشرعية. وصرح متكلموهم أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشر عوارض، منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز... وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي، بل من احتمال المعارض العقلي ]([8]).
أقوال الرازي:[ الدليل اللفظي لا يفيد إلا عند تيقن الأمور العشرة، عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتأخير والتقديم والنسخ وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيا فما ظنك بالنتيجة ]([9]).
وقال:[ لو قدرنا قيام الدليل العقلي القاطع على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي فلا خلاف من أهل التحقيق أنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى دليل العقل فإما أن يكذب العقل أو يؤول النقل. فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا بالعقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه ]([10]).



[1] - مجموعة رسائل الغزالي   3 / 11.
[2] - مجموعة رسائل الغزالي   7 / 127.
[3] - المنخول   62.
[4] - المنخول   286 - 287.
[5] - مجموعة رسائل الغزالي   1 / 96.
[6] - رسائل الغزالي   4 / 5 - 7  رسالة مشكاة الأنوار.
[7] - المواقف للإيجي   ص 39 - 40.
[8] - منهج الأشاعرة في العقيدة - د. سفر الحوالي   ص 14.
[9] - محصل أفكار المتقدمين والمناظرين للرازي   ص 31 - 32.
[10] - نهاية العقول للرازي  ورقة 13.

الاثنين، 11 يونيو 2012

الجماعة 15


الجماعة 15
رضوان محمود نموس
المعتزلة:
ويلقبون بالقدرية والجهمية والمعتزلة، وهم يعدون غيلان الدمشقي القدري من الطبقة الثالثة لهم، ونحن لسنا بصدد بحث اعتقاد وتاريخ وتراجم هذه الفرقة ولكن سنسلط الضوء على قضية تقديم العقل والنتائج الخطيرة التي وصلوا إليها تبعاً لهذا التقديم حيث أطلقوا للعقل العنان دون ضوابط وأصول وفوضوه الأمر كله دون مرجعية تحدد له المسير.
[ وهكذا كان العقل المسلمة الأولى في فكر الاعتزال... وأجازوا له البحث لا في الشؤون الإنسانية وحسب بل في الأمور الغيبية وقضايا الكون وفوضوه الأمر كله وساروا معه إلى النهاية القصوى ]([1]).
ولقد [ كانوا يعتمدون في الاستدلال لإثبات العقائد على القضايا العقلية... فكل مسألة من مسائلهم يعرضونها على العقل فما قبله أقروه وما لم يقبله رفضوه وقد سرى إليهم ذلك النحو من البحث العقلي من:

الخميس، 24 مايو 2012

الجماعة 14


الجماعة 14

رضوان محمود نموس

( نشرع في هذه الحلقة في تبيين أهم الأسباب التي تؤدي إلى الخلاف, وقد كنا بينا أن السبب الرئيس هو نسيان حظ مما ذكرنا به وعدم اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مما يجعل تاركي الاتباع يسيرون وراء الأهواء, وهي القسمة الثنائية التي تحدث عنها القرآن قال الله تعالى: ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) القصص:50 وهذه رؤوس الأهواء)
أولا: تقديم العقل على النقل.
ثانيا: التأويل المخترع وما يسمونه [صرف النص عن ظاهره].
ثالثا: رد السنة تحت عنوان: أحاديث الآحاد لا تفيد العلم.
رابعا: تقديم الكشف والذوق.
خامسا: المجاز.
سادسا: المصلحة.
سابعا: الضرورة.
ثامنا: اختراع الأسماء المبتدعة والألفاظ غير الشرعية.
تقديم العقل على النقل.
كانت أول معصية ارتكبت بسبب عدم امتثال العقل للشرع عندما رفض إمام الذين يقدمون العقل على الشرع "إبليس اللعين" السجود لآدم عليه السلام. فلقد قال الله تعالى له: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)} [الحجر: 28 - 35] وقال تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61)} [الإسراء: 61] وقال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) } [ص: 71 - 77] وقال الله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) } [الأعراف: 12 - 14]  وقد قال المفسرون في تفسير آية الأعراف:
[قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس فمن قاس الدين برأيه قرن مع إبليس] تفسير القرطبي لآية الأعراف 12. وقال الطبري في تفسيره: [ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان أول من قاس إبليس].

الاثنين، 21 مايو 2012

الجماعة 13


الجماعة 13
رضوان محمود نموس
أسباب الخلاف:
يمكن أن ترد جميع الخلافات إلى سبب جوهري واحد وهو أصل الموضوع وعنه تتفرع الأسباب الأخرى. ذلك السبب هو ترك شيء مما أمر الله به والانحراف عن سبيله ولو شيئا قليلاً.
قال تعالى:{ فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } [ المائدة  14 ].
وقال تعالى:{ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } [ الأنعام  44 ].
وقال تعالى:{ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون } [ الأعراف  165 ].
وقال تعالى:{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [ النور  63 ].
فالسبب الرئيسي والمركزي للخلاف والشقاق والنزاع وانتشار العداوة والبغضاء وإنزال العذاب والعقاب وذهاب الريح والشتات والضياع هو نسيان حظ مما أمرنا به، إما بتأويله وفق الأهواء والبدع وإما بترك العمل به، بل إن أي مصيبة تأتي على الناس هي من ترك شيء مما أمروا به، فما هزم المسلمون يوم أحد إلا لأنهم لم ينفذوا أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء على الجبل، فقال تعالى:{ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّا هذا قل هو من عند أنفسكم } [ آل عمران  165 ].
وفي الطريق المقابل قال الله لنا:{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [ الأعراف  96 ].
فأسباب الخلاف والشتات هي ترك شيء مما أمر الله به، أو إتيان شيء نهى الله عنه، والآخر نفسه ينضوي تحت الأول.
فمرد الأمر كله إلى نسيان حظ مما أمرنا به، وهذه القاعدة هي سنة إلهية لا تتخلف، فاليهود والنصارى والأمم السابقة نسوا حظا مما ذكروا به فتفرقوا واختلفوا واقتتلوا، وسنن الله لا تحابي أحداً، والمسلمون عندما يفعلون أفعال الأمم السابقة ينالون نفس العقاب الذي ناله الأولون.
قال الإمام ابن تيمية: قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك.
قال تعالى:{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه }([1]).
أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا والذي أوحاه إلى محمد وما وصى به الثلاثة المذكورين وهؤلاء هم أولو العزم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله تعالى:{ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم }([2]).... ثم قال أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وهذا تفسير الوصية.... فأقيموا الدين مفسر للمشروع لنا والموصى به.
فإنه أمر المرسلين بإقامة الدين ونهاهم عن التفرق فيه. ثم قال تعالى:{ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم }([3]).
فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بين لهم ما يتقون { وما كان الله ليضل قوم بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون }([4]).
وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا بينهم، والبغي إما تضييع للحق وإما تعد للحد فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم، فَعُلِمَ أن موجب التفرق هو ذلك وهذا كما قال تعالى:{ فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة }.
فأخبر أن نسيانهم حظاً مما ذكروا به - وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به كان سبباً لإغراء العداوة والبغضاء بينهم وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها وكثير من فروعه من أهل الأصول والفروع ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد ممن يغلب عليه الموسوية والعيسوية حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين التين قالت كل واحدة ليست الأخرى على شيء.... وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد، إما تفريطا وتضييعا للحق وإما عدواناً وفعلاً للظلم، والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله.... فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به باطناً وظاهراً.
وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به والبغي بينهم.
ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه وصلاته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم ]([5]).
وهناك ثمة سبب هام آخر منضو تحت السبب الرئيسي السالف الذكر ولكن أردت التنويه عليه لكشف التلبيس المحتفّ بسالكيه وهو ترك العمل بالذكر [ أي نسيان حظ مما ذكروا به ] ولكن بشكل سري مموه خفي مبرقع وهو رد الآيات والسنن بأسباب يخترعونها ويعتبرونها مبرر لترك الذكر وأهمها التالي:



[1] - سورة الشورى   13.
[2] - سورة الأحزاب   7.
[3] - سورة الشورى   14.
[4] - سورة التوبة   115.
[5] -  مجموع الفتاوى   1 / 12 - 17.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.