التعليقات
التوضيحية على الباكورة السليمانية
في كشف أسرار
الديانة النصيرية (18)
رضوان محمود
نموس
الخاتمة في الرد على النصيرية
ان الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان
من تراب ونفخ في انفه نسمة الحيوة فصار الإنسان ذا نفس حية فالروح دائمة إلى الأبد
وأما الجسد فهو فان وأيامه كالظل المائل أو كالحشيش الذي ينمى وبعد قليل يجف وييبس
وأكثر ما تكون أيامه سبعين سنة وان زادت عن ذلك فثمانين وأكثرها تعب وشقاء مثله
مثل الظامي إذا نام وحلم في منامه انه ارتوى وبعد ما ينتبه يرى نفسه ظامية أو
كالجوعان الذي يحلم بأنه أكل واكتفى وبعد انتباهه يرى نفسه فارغة هكذا الإنسان
المغرور في هذا العالم المائل المتعلق بعبادة الآلهة الباطلة فانه بعد قليل يسقط
في الهلاك الأبدي فماذا يقدم فداء عن نفسه إذ ليس تنفع الأموال في يوم الانتقام،
ومع هذا فليس له حجة أمام الله لكونه تعالى قد خصصه بالحواس الكاملة والعقل النطقي
الذي هو اكبر موهبة منه تعالى لبني البشر، ثم لو كانت حياته طويلة لكان له شبه سبب
للتواني على الأرض وهو يجتهد باغتنام الأملاك والأرزاق ليذخرها لحيوةٍ فانية التي
هي كهجعة في الليل، مع تأكده انه سريعاً سيتركها فكيف يلتبك بها وينسى الحيوة الأبدية
التي لا تنتهي أبدا، فان كان الإنسان يجتهد بهذا المقدار على اكتساب الخيرات
الدنيوية المائلة سريعاً كالظل ليحصل بها على عيشة طيبة فكم بالحري يجب عليه أن
يجتهد لأجل اكتساب خيرات لحيوة نفسه الخالدة، وكما أن الإنسان يفتكر في ذاته
قائلاً إن لم اجتهد وأدبر مالاً فأكون مرذولاً عند الناس وجائعاً ولابساً
ثياباً بالية، فكم بالحري يجب أن يعمل كل
اجتهاده لأجل حفظ نفسه الخالدة لكي لا ترذل أمام ملائكة الله والناس أجمعين، وكما انه
يحفظ ذاته ويداري نفسه ممن هو أقوى منه ليحتفظ من شره، فكم بكم بالحري يجب أن يحفظ
نفسه لكي لا يقع تحت غضب الله الديَّان العالم بخفايا القلوب الذي يهلك النفس
والجسد في جهنم الأبدية، وإذا وقع احد تحت غضب الحاكم ولو ساعة واحدة فيرتعد
مرتجفاً مع علمه انه سريعاً يخلص من يده، وأما الوقوع تحت غضب الله فلا خلاص منه
ابدا ما دام الله موجوداً ثم انه محقق لالإنسان زوال نعيم الدنيا وان حياته فيها
عابرة كالمنام كما قيل وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور فان كانت حيوة الدنيا زائلة
هكذا وكما نعلم أن جماهير كثيرة من الناس قد سقطت قبلنا وفي أيامنا مما لا يعلم
عدها إلا الله وحده وقد فارقوا حيوة هذه الدنيا وأموالهم وأرزاقهم تركوها لغيرهم
وبعد الذهاب من هذا العالم ليس للإنسان إلا مكان من المكانين إما الحيوة الأبدية وإما
انتظار دينونة رهيبة وعذاب أبدي فان كان قد علم الإنسان بذلك فيجب عليه أن يجتهد
في البحث عن معرفة الإله الحقيقي الذي تجب له العبادة وحفظ أوامرهِ ووصاياه ليخلص
نفسهُ من ذلك العذاب الهائل، وتكون له حينئذ الحيوة الأبدية، وبعد هذا اعلمي أيتها
الطائفة النصيرية المتعلقة بعبادة السماء والشمس والقمر والهوا والكلب والبقرة
والناقة والبشر بأن هذه العبادة وثنية باطلة ليس لها منفعة وفضلاً عن عدم منفعتها فإنكم
تسقطون بسببها في عذاب جهنم فاتركوها ولا تحاموا عنها لأني أنا لما كنت في الظلمة
كنت أحامي عنها نظيركم ولكن بعد اطلاعي على كتاب الله والنبوات قد تحقق عندي كذبها
واعلموا أن ديانات الأمم قد تشابهت بالمعشوقات ومعتنقوها كالعشاق وأن كل منهم يمدح
معشوقه كما يهديه عقله ويظن أن معشوقه الأجود ويحكم على معشوق غيره بأنه ردي ولا
يلتفت إلى عيوب معشوقه بل يشمئزُ كثيراً ممن يعيره ولأجل أنهم نشؤوا على تلك
الخرافات فيتمكن عندهم صدقها ولكن من أراد منكم الوقوف على الحق وهو إذا اعتبر
كثرة عيوب ديانته وامتحنها بعقل فيظهر له منها الفساد إن ترك التعصب والعناد لأنكم
قد أحببتم شريعة الحسين ابن حمدان الخصيبي ورفقائه وظننتم أنهم من الملايكة وحكمتم
على مخالفي شريعتهم بالمسوخية وانه لم يوجد ولا أمة من شركائكم الوثنيين إلا ولهم
رؤساء ديانة يعظمونهم كتعظيمكم رؤسائكم وهم يحكمون أيضا على مخالفي شريعتهم بهلاك
ابدي فهل يجوز لنا أن نحكم بتلك الشرائع أنها صحيحة مع أنها مشحونة بالكفر
والخرافات ولا يمكنكم أن تستحجوا بآية واحدة من التوراة أو الزبور أو الانجيل أو
القران لأن الكل ينهى عن مثل عبادتكم وعقائدكم وقد أعطاكم الله عقولاً وحواس كاملة
لتعبدوه وتحفظوا أوامره وأما انتم فقد عدلتم عنها واتقيتم المخلوقات وعبدتموها دون
خالقها كالشمس والقمر والسماء والبشر والكلب والناقة والبقر تلك التي لا عقل لها
ويا ليتكم تكتفون بعبادتكم لها بل قد أطلقتم اللعن والشتم ضد الذين لا يوافقونكم
على عبادتها وأنكم تقدسون كل مكان مرتفع تحت كل شجرة مظلة جميلة وتصفُّون حجارة
وتقدمون لها الذبايح والبخور وتسجدون له كآلهة وتدعون بأن لها مفاعيل عجيبة نظير
سلفائكم الوثنيين والكتب المنزلة تنهى عن هذه الأفعال الردية مراراً كثيرة وتحكم بأنها
أعمال رجسة خبيثة ثم كلما رأيتم نجماً سقط قرب مزار احد شرفائكم تحكمون بأنه قد
نزل ملاك ليزوره أو نفس ذلك المزار عينها نزلت لزيارة مقامها وتقولون إن هذه هي
العلامة التي بها نستدل على تشريف ذلك المزار الطاهر وانه لم يوجد عندكم برهان أوضح
أو أعظم من هذا لتثبيت شريعتكم وتشريف موتاكم، وبعض مضليكم يغشّونكم بأحلامهم الكاذبة
بقولهم قد حلمنا أن المزار الفلاني قصد مكاناً كذا لأجل التشريف وقد أمرنا بان
نبني له مقاماً ولكن لماذا تسقط تلك الأنوار في المواضع التي لا يوجد فيها قبور
البتة فيا ترى على مزار من تسقط حينما تنزل فوق الجبال والبحار والبلدان التي لا
يوجد فيها أحد من طائفتكم النصيرية وقد تأكدت أضحوكة عملها بعض الناس وهي أنهم
ضربوا سواريخ ليلاً كالسواريخ التي تضرب في شهر رمضان بقرب مزار أحد النصيرية فلما
شعر النصيرية بذلك ظنوا أنها أنوار سقطت على ذلك المزار فأدلجوا باكراً وعمَّروا
المزار المذكور وحسبوه من جملة أوليائهم وقدَّموا له البخور كغيره فمن يسمع بهذه
السخرية ولا يضحك عليها وان اعتقادكم بالمزارات والأشجار شائعة عند كل من يعرفكم
من الطوائف ولا تقدرون أن تنكروها والعيب الواضح في ديانتكم هو اعتقادكم بان ربكم
هو علي ابن أبي طالب وانه منزه عن الآباء والأمهات والأزواج والأولاد وتقولون أيضا
بأن أباه عمران وأمه فاطمة بنت أسد وطالب وعقيل وجعفر الطيار أخوته وأن الحسن
والحسين كانا ابنيه وتقولون أنهما في الظاهر ابناه وأما في الباطن غير ذلك فكنت افتكر
أنه لم ينتج من هذا الباطن غير أن امرأته حملت بهما من غيرهِ ولا ينتج من ذلك إلا أنها
زانية فحاشا هذا الإمام الفاضل من تلك التهمة ولكن بالحقيقة هذا هو افتراؤكم على ألهكم
وامرأته ولو كان بعدُ حياً لكان ينتقم منكم على هذه التهمة، والعيب الأكبر في
مذهبكم الوثني هو اعتقادكم بان إلهكم قد ظهر بصورة البقرة المذكورة في القران الذي
أمر موسى بني إسرائيل بذبحها وفي ناقة صالح، وعند الشماليين في كلب أصحاب الكهف أيضا
فان سلفاءكم الوثنيين لم يبلغوا إلى هذه الدرجة من الفساد في عبادتهم، نعم إن جدكم
نبوخذ نصر ملك بابل عمل آلهة من الذهب الذي هو أعز الأشياء وكذلك شركاؤكم كانوا
يعملونها من معادن حجر ونقش عجيب وأما انتم فعبدتم الحيوانات العديمة العقل التي
في حياتها لم تقدر أن تعمل خيراً أو شراً فكم بالأقل بعد موتها، نعم إن الكلب ينبح
والبقرة تنطح والناقة تنهش وأما إذا كان مع الإنسان عصاً فلا يخاف شرها.
والوجه الثاني تقريبكم هذه الذبائح
لأَسماءِ موتاكم وتوكلكم عليهم لينقذوكم مع أنهم أموات لا يشعرون بكم وانه لمن
المعلوم أن كان إنسان حياً في بلدة بعيدة ونودي إليه لا يسمع ولو أطلق ألف مدفع لا
يشعر بها، فكم بالحري بعد موته وذهاب آلة حواسه، ثم إن سلمنا أن المزار يسمع الإنسان المستغيث به فانه
ليس إنسان فقط يستغيث بذلك المزار، بل كل طوائف النصيرية فينتج من زعمكم هذا
الباطل أن ذلك المزار إله لأنه حسب زعمكم يكون حاضراً موجوداً في كل مكان، والثالث
اتهامكم إلهكم بأنه هو أمركم بان تعبدوه فهذا افتراءٌ منكم على هذا الإمام الفاضل لأننا
اطلعنا كثيراً على كتبه فإنه كان يعترف بالعبادة لله ثم ينتج من افترائكم أنه إله
غشاش (وأصل الغش من الشيطان لا من الآلهة حتى ولا من المؤمنين) لأنه كان يعلّم
تارة بأنه مخلوق كقوله على مئذنة جامع الكوفة أنا عبد الله أخو رسول الله، وحسب
زعمكم كان يعلم تارة بأنه إله فمن هذا ليس بعدل أن يعذب الذين لا يعبدونه وإن
عذبهم يكون إلهاً ظالماً ولم يوجد اظلم منه سوى اله أولاد عمكم...
وان قلتم إنه عمل ذلك ظاهراً
ليداري الناس فينتج من هذا أمرين أحدهما الغش والثاني الخوف وهذا لا يليق بخالق
الناس أن يخاف خليقته ولا أن يغشهم أو يظلمهم وكيف يمكن للباري تعالى الذي ينهى عبادهُ عن الغش والظلم أن يعاملهم بذلك،
وهذا هو الكفر الصريح وفي هذا الموضوع قد اتهمتم إلهكم بخمسة أشياء ردية، لا يجب
ذكرها ثم إنكم تتخذون شاهدا من القران لإثبات الربوبية لعليّ وهو من سورة يس بقوله
أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، فلفظة عَلَى تقراؤُونها
عَلِي بالياء لكي تنتجوا منها أن عليًّا قادرٌ على أن يخلق مثلهم وتدَّعون بان عثمان
بن عفان هو حرَّف هذه اللفظة ووضع على اللام فتحة فلو سلمنا لكم بهذه الكذبة فيكون
ذلك ضد اعتقادكم لأنكم تعتقدون أن عليًّا خلق السموات والأرض ومن هذه الآية بيان أن
الخالق آخر غيره وانه هو قادر أن يخلق مثلهم، ثم كنت افتكر باعتقادكم أن الشمس هي
محمد بذاته وكنت اسأل علماء طائفتكم لما كان محمد على الأرض هل كانت الشمس موجودة
في السماء، فكانوا يجيبوني نعم إن الذي في الأرض هو الذي في السماء بنفسه وجرمه لأنهم
يزعمون أن الشمس لها جرم ونفس فكنت أجيب عن هذا وأقول نعم لو أن الشمس عدم وجودها
من السماء في وقت ظهور محمد أو بعض الأنبياء في الأرض وبعد غيابهم ظهرت لكنت أصدق
اعتقادكم، وأما من حيث أنهما شخصان أحدهما في السماء والآخر في الأرض فهذا لا
يمكني تصديقه وهو ضد العقل والشريعة، ثم اعتقادكم بان القمر هو سلمان الفارسي وعند
الكلازيين هو علي ابن أبي طالب وكنت اسأل طائفتكم لما كان هذان في الأرض فهل كان
القمر في السماء فكانوا يجيبونني نعم فكنت أقول لهم مثل الأول، ثم اعتقادكم بان هابيل
بن آدم هو المعنى وواحد من الغرابين الذين علَّما قايين القتل والدفن والقربان
والنار كما قيل بديوان الشيخ إبراهيم الطوسي