موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

السبت، 9 يناير، 2016

الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشرائع

الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشرائع
رضوان محمود نموس (أبو فراس)

مر معنا في البحث السابق؛ أن الطائفة الممتنعة هي طائفة من الناس, لها منعة وشوكة ويحمي بعضها البعض, والطائفة الممتنعة عن تطبيق الشرائع؛ هي طائفة خاصّة من الطوائف الممتنعة, أضافت وصفًا جديدًا, هو الامتناع عن تطبيق بعض شرائع الإسلام, كعدم فرض الجزية على أهل الكتاب, أو عدم إقامة الحدود, أو عدم صلاة الوتر, وشرائع الإسلام كثيرة, فأيما طائفة امتنعت عن تطبيق بعض شرائع الإسلام فهي طائفة ممتنعة عن تطبيق الشرائع.
  قال الإمام ابن تيمية: [ الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ الْتِزَامِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَهُ وَإِنْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ نَاطِقِينَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُلْتَزِمِينَ بَعْضَ شَرَائِعِهِ كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَانِعِي الزَّكَاةَ. وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَهُمْ بَعْدَ سَابِقَةِ مُنَاظَرَةِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْقِتَالِ عَلَى حُقُوقِ الْإِسْلَامِ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ الْحَدِيثُ عَنْ الْخَوَارِجِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ مَعَ قَوْلِهِ: {تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ} فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِصَامِ بِالْإِسْلَامِ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ شَرَائِعِهِ لَيْسَ بِمُسْقِطِ لِلْقِتَالِ. فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَحَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ. فَمَتَى كَانَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ. فَأَيُّمَا طَائِفَةٍ امْتَنَعَتْ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ عَنْ الْتِزَامِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْمَيْسِرِ أَوْ عَنْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ عَنْ الْتِزَامِ جِهَادِ الْكُفَّارِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَاجِبَاتِ الدِّينِ وَمُحَرَّمَاتِهِ - الَّتِي لَا عُذْرَ لِأَحَدِ فِي جُحُودِهَا وَتَرْكِهَا - الَّتِي يَكْفُرُ الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا. فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ تُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةٌ بِهَا. وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ إذَا أَصَرَّتْ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ السُّنَنِ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَائِرِ. هَلْ تُقَاتَلُ الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ عَلَى تَرْكِهَا أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَنَحْوُهَا فَلَا خِلَافَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا. وَهَؤُلَاءِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ؛ كَأَهْلِ الشَّامِ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَإِنَّ أُولَئِكَ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ خَارِجُونَ عَلَيْهِ لِإِزَالَةِ وِلَايَتِهِ. وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ فَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ بِمَنْزِلَةِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَبِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلِهَذَا افْتَرَقَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِتَالِهِ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَفِي قِتَالِهِ لِأَهْلِ النهروان: فَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِيِّينَ سِيرَةَ الْأَخِ مَعَ أَخِيهِ وَمَعَ الْخَوَارِجِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَثَبَتَتْ النُّصُوصُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِنْ قِتَالِ الصِّدِّيقِ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ؛ بِخِلَافِ الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ]([1]).
ثم بين الإمام رحمه الله أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن تطبيق بعض الشرائع تقاتل قتال المرتدين فقال:
[فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين.
وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة؛ كركعتي الفجر, هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة؛ فيقاتل عليها بالاتفاق, حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات, ويؤدوا الزكاة, ويصوموا شهر رمضان, ويحجوا البيت, ويلتزموا ترك المحرمات, من نكاح الأخوات, وأكل الخبائث, والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال, ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بما يقاتلون عليه, فأما إذا بدؤوا المسلمين فيتأكد قتالهم كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم يجب ابتداء ودفعا فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل لمن قام به كما قال الله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما قال الله تعالى وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب]([2]).
  وقال:[ - عندما ألزم الصوفية بالشرائع - فقالوا نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق؟ نحن نخلعها فقلت الأطواق وغير الأطواق, ليس المقصود شيئا معينا, وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله. فقال الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس, لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاما عاما, ومن خرج عنه ضربت عنقه, وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان, وكان المقصود أن يكون هذا حكما عاما في حق جميع الناس, فان هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه. فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه]([3]).
وقال: [فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله, ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادا, ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة, حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد اخذ الأموال, وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادا؛ وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله, فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض فسادا من هؤلاء. كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك. وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله وسنته, واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق, وإن اتخذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله, كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينا تتقرب به إلى الله. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب, وبذلك مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة, وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم, وشهد لبعض المصرين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله, ونهى عن لعنته, وأخبر عن ذي الخويصرة وأصحابه مع عبادتهم وورعهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, وقد قال تعالى في كتابه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة. وبذلك جاءت سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين.]([4]).
وقال: [مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه أو عن صيام شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة وكما قاتل علي ابن أبى طالب وأصحاب النبي الخوارج الذين قال فيهم النبي يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة وذلك بقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وبقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله والربا آخر ما حرمه الله ورسوله فكيف بما هو أعظم تحريما ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإن التزموها استوثق منهم ولم يكتف منهم بمجرد الكلام كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد أن أذلهم وقال اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية فقالوا هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية قال تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزع منكم الكراع يعني الخيل والسلاح حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أمرا بعد فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام ويقيم بهم الصلوات وما ينتفعون به من شرائع الإسلام وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين ويجعلهم في جماعة المسلمين وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به ويمنعون من ركوب الخيل وإما أنهم يضعوه حتى يستقيموا وإما أن يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة وهذه متفق عليه بين علماء المسلمين والله أعلم]([5]).  
وقال: [وهذا لأن الطوائف الممتنعة التي يعين بعضها بعضا في القتال ثم يكون الضمان فيها على الذي يباشر القتال والأخذ و الإتلاف وعلى الردء  الذي يعينه عند جمهور العلماء ولهذا كان في مذهب الجمهور أن قطاع الطريق يقتل منهم الردء والمباشر, وعمر بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين وهو الناظر الذي ينظر لهم الطريق. فالمتعاونون على الظلم والعدوان تجب عليهم العقوبة بالضمان وغيره]([6]).
و[سئل رحمه الله عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون أن فيهم من يخرج مكرها معهم وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا الجواب الحمد لله رب العالمين  قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب بالكتاب والسنة فإن الله يقول في القرآن {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] والدين هو الطاعة فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله ولهذا قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [البقرة: 278، 279] وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام لكن امتنعوا من ترك الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا والربا هو آخر ما حرمه الله وهو مال يؤخذ برضا صاحبه فإذا كان في هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم فكيف بمن يترك كثيرا من شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع الإسلام فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله ]([7]).
وجاء في فتاوى الأزهر:[وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض الواجبات الإسلامية الظاهرة فانه يجب قتالهم إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم أو استحلال ذوات النفوس والأموال بغير الحق أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع الإسلام فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله .
وقد ثبت فى الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر في مانعي الزكاة .
قال له أبو بكر: كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التي أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم كالزكاة؟ وقال له: فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها .
قال عمر: فما هو إلا أن رأيت قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وقد ثبت في الصحيح غير مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد.
وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء وأول من قاتلهم علي بن أبى طالب رضي الله عنه ومازال المسلمون في صدر خلافة بني أمية وبني العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونه فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم والتتار وأشباههم (أمثال حكام اليوم) أعظم خروجا عن شريعة الإسلام من مانعي الزكاة والخوارج من أهل الطائف الذين امتنعوا عن ترك الربا فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام وحيث وجبت قتالهم قوتلوا وأن كان فيهم المكره .. ]([8]).
   [بل قد دلّ الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقرّوا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك. بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي. وصرحوا أيضًا بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يُقاتلون. وكذلك لو تركوا صلاة العيد. وعلماء الحرم الشريف ...وكلام الله وكلام رسول وكلام أئمة المذاهب، يُصرحون بأن من ترك الصلاة قُتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله، ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحين بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل قرية إذا تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد أنهم يقاتلون]([9]).
 [ واختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها.
وقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه فرض كفاية في الجملة. ويعني بقوله في الجملة أنها فرض كفاية على أهل المصر ولو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.
وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة أجبروا عليها. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.
فانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافرًا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد أنهم يقاتلون]([10]).
[وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم قال: فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء.
قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنْزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام بمنْزلة مانعي الزكاة.]([11]).
قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: [فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو ... أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها والتي يكفر الواحد بجحودها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وإنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها]([12]).
قال أبو بطين: (فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب فأيما طائفة ممتنعة امتنعت من بعض الصلوات المفروضة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء]([13]).
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن: [فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات، أو .... أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها؛ وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء]([14]).
قال: سليمان بن سحمان: [بل قد دلّ الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقروا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك، بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما يأتي، وصرحوا أيضًا بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يقاتلون، وكذلك لو تركوا صلاة العيد]([15]).
قال الشيخ سفر الحوالي: [ قتال الردة: وهو قتال الطائفة الممتنعة عن الالتزام بشعيرة من شعائر الإسلام أو حكم من أحكام الشريعة الثابتة، مثل مانعي الزكاة، وكالتتار الذين أصدر فيه شيخ الإسلام فتواه المشهورة التي جمع الله بها الأمة، أما تارك الصلاة فردا أو جماعة، فليس من أهل القبلة أصلا، وقتالهم أولى وأوجب، وكونه قتال ردة لا يجوز الخلاف عليه.
قتال الخوارج وهو كما ذكرنا أعلاه، وهو في الحقيقة أصل في قتال أهل البدع كافة. وهذان النوعان خارجان عن الجماعة بمفهومهما العام والخاص.
قتال البغاة: وهم الخارجون عن الجماعة بمفهومها الخاص - بتأويل واجتهاد، وهم أصحاب شبهة لا أصحاب بدعة.
قتال المحاربين: وهم من جنس البغاة، إلا أنهم أصحاب شهوة لا شبه فهم ليسوا خارجين على الجماعة بإطلاق، بل على أمن الجماعة، مثل قطاع الطريق وعصابات الفساد]([16]).
وقال الشيخ البراك: [وكذلك إذا تواطأت جماعة على ترك شعيرة من شعائر الإسلام؛ فإنها تقاتل، فلو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان؛ فإنهم يقاتلون لتعطيلهم شعيرة من شعائر الإسلام، وقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار» وكذا الطائفة الممتنعة المانعة للزكاة يجب قتالها حتى تؤدي الزكاة،]([17]).
وقال الغنيم: [كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم]([18]).
وجاء في الموسوعة العقدية:[ومن التطبيقات العملية لتكفير المعين إذا قامت عليه الحجة إجماع السلف على قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، استنادًا لقتال الصحابة لمانعي الزكاة رغم إقرارهم بها]([19]).
وجاء في جامع العلوم والحكم:[ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْحَجَّ لَقَاتَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. فَهَذَا الْكَلَامُ فِي قِتَالِ الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ. وَأَمَّا قَتْلُ الْوَاحِدِ الْمُمْتَنِعِ عَنْهَا، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَغَيْرِهِمْ، ]([20]).
فالطائفة الممتنعة عن تطبيق الشرائع؛ هي طائفة ممتنعة أيٍّ كان شكلها, حزب, أو دولة, أو جماعة, أو إمارة ...الخ, وهي ممتنعة عن تطبيق شريعة أو عدة شرائع من شرائع الإسلام, وهذا في الناس الذين تدينوا بالإسلام, ولا يشمل الكفار الأصليين؛ لأن مثل هؤلاء الأصل مخاطبتهم بأصل دعوة التوحيد, والرأي الراجح أنهم غير مخاطبين بالفروع, فلا نقول أن الروس مثلا ممتنعين عن الآذان أو عن صلاة الجمعة, فأصل الروس كفار ويدعون إلى الإسلام, فإن أسلموا يدعون إلى تطبيق الشرائع.
[عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: " إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَقُلْ لَهُمْ: أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنْ أَجَابُوكَ بِذَلِكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ "]([21]).
والطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن تطبيق بعض الشرائع؛ تقاتل قتال المرتدين, وهناك فرق بين الحركة والحزب والجمعية من جهة, وبين الحكومات من جهة ثانية. فالرضا والتوافق في الأحزاب والحركات والجمعيات أوضح, ويمكن للمرء عند عدم موافقته على منهج أو طرح أو سياسة الحزب أو الجماعة الانسحاب دون أدنى تكلّف.
فمثلًا عندما تقوم جماعة أو حزب بالإعلان أنهم يرضون برئيس كافر, أو منهج كفري, أو يدعون إلى الدولة المدنية أو الديمقراطية, والتعددية, والمواطنة, وما شابه من الدعوات الكفرية, أو الموافقة على أن يضع دستور الدولة أبناء الوطن بغض النظر عن دينهم, فهي دعوة واضحة للتحاكم لمواضعات بين الناس, وعدم الحكم بما أنزل الله, فهذا يلزم جميع أفراد الجماعة بالتأكيد, ولا عذر لمن يبقى في هكذا جماعة, والتعذر بأن القول يلزم الأمير فقط, أو الناطق الرسمي فقط, أو القيادة فقط, فهذا نوع من السفاهة والتضليل والخداع والتلاعب بالقول وما يسمى في الاصطلاح (سفسطة), فهذا أمر تبنته الجماعة, فإن كان الإنسان يراه كفرًا ومنكرًا, فعليه في أقل الأحوال الإنكار بلسانه, وإذا لم يستطع فالإنكار بقلبه والانسحاب من هذه الجماعة إذا أصرت على ما تقول, وأخشى أن يشمل من يبقى في مثل هكذا جماعة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»([22]).
لأن بقاء الفرد في هذه الجماعة دليل على موافقته؛ وبالتالي يلزمه الحكم المترتب على هذه الأقوال.
أما في حال الدول فلا شك أن كون فلان من الموظفين في الدولة لا يعني موافقته على جميع قرارات الدولة, فمثلًا موظف النظافة أو الطبيب في المستشفى مع أنه آثم؛ ولكن لا يلزم من كونه موظفًا في دولة تحكم بغير ما أنزل الله موافقته على الكفر, فربما يكون مضطرًا أو مكرهًا, وهنا تأتي قاعدة تكفير الطائفة لا يلزم منها تكفير كل معين بشخصه. ولكنه يأثم كونه من المعاونين البعيدين جدًا أما ولو كان بهذا العمل وهو يرى أن الامتناع عن بعض الشرائع لا بأس به؛ فهو من الطائفة الممتنعة, وله حكمها, هذا بخلاف أصحاب القرار كالوزراء والنواب والأجهزة والهيئات الملحقة والمفتي والشؤون الدينية ووزير الأوقاف وهيئة كبار العلماء والأمن والجيش وعمال الضرائب والجمارك والبلديات وكل الأجهزة التي تجبي المال للدولة وما شابه فهؤلاء من الطائفة الممتنعة بالأصالة, وهم القيادة السياسية والقيادة التشريعية البرلمان وأصحاب التوجيه الإعلامي والإفتاء الشرعي وواضعي المناهج الضالة ومدرسيها...الخ,  وتوابعه والقضاء والمحاماة الذين يعملون وفق قوانين الدولة, وحماة هذه الطائفة وهم الجيش وأجهزة الأمن, وممولون هذه الطائفة ماليًا كأجهزة الضرائب والبلديات والجمارك والمصانع التابعة للدولة وأي مورد مالي للدولة تتقوى به, وأجهزة الإعلام والتعليم التي تنشر مبادئ الدولة, والتي تشكل الطائفة الممتنعة فهذه الأجهزة متكاتفة فيما بينها، هي التي شكلت الدولة الممتنعة, أو الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشرائع, وحكمهم واحد حتى وإن كان الرضا ليس جليًا, كما هو في الأحزاب والجماعات.
ولكن واضح أيضًا أن هذه الأجهزة تطوعت في الدولة بإرادتها وليست مكرهة الكره الشرعي, إلا ما يمكن أن يقال في المجبرين وهو عذر ساقط لأنه بإمكانهم الفرار والسفر بل والمقاومة, وعلى كل حال فالحكم الظاهري واحد وإن كان هناك من هو مكره إكراه حقيقي فلنا ظاهره الموالي للطائفة ويبعث على نيته. إلا إن ثبت لنا في بعض الأعيان العذر المانع من التكفير حقيقة.
أما متى نقول أن الطائفة مرتدة ومتى تكون من جنس قطاع الطريق والخوارج. فبحسب الشريعة الممتنع عنها.
فالدول التي تحكم بغير ما أنزل الله وتشرع من دون الله كافرة بالإجماع وتقاتل قتال المرتدين.
وأما إن كان هناك أهل قرية مثلًا متواطئون على ترك الجماعات, فإنهم يقاتلون قتال ردة, ولكن في الواقع الحالي هذا غير ممكن؛ لسيطرة الدول على البلدان, ومنع إنكار المنكرات بقوة الدولة, ووجود شيء أهم من قتال هؤلاء وهو قتال الدولة المرتدة.
والواقع الحالي للمسلمين أن قتال الطوائف الممتنعة كله قتال دفع لأن الطوائف الممتنعة عن تطبيق الشرائع محتلة لبلاد المسلمين قاهرة لهم تفتنهم عن دينهم.
أما متى يكون قتال طلب فهو غير موجود الآن ومثاله أن تقوم للإسلام دولة ثم يجتمع أهل ناحية ما على التعامل بالربا فتجهز الدولة المسلمة لهم جيشًا وتقاتلهم إذا أصروا على تعاملهم الربوي.
ويظهر جليًا أن الموظفين بمهنة عالم عند هذه الطوائف الممتنعة لهم حكم هذه الطوائف؛ سيما وأنّا نراهم يبررون أفعال هذه الطوائف ويدافعون عنها فهم جزء لا يتجزأ من هذه الطوائف وربما يكونون أحيانًا أهم من أجهزة الأمن أو الإعلام.


[1] - مجموع الفتاوى (28/ 502 وما بعدها)
[2] - السياسة الشرعية ج: 1 ص: 107 وما بعدها
[3] - مجموع الفتاوى ج: 11 ص: 468
[4] - مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 470وما بعدها
[5] - مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 557
[6] - مجموع الفتاوى ج: 30 ص: 326
[7] - الفتاوى الكبرى ج: 4 ص: 353

[8] - فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 359)
[9] - الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب (ص: 76) لحمد بن ناصر الحنبلي
[10]- الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب (ص: 78)
[11] _ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: 118) المؤلف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
[12] - الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة (ص: 343) المؤلف: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
[13] - دحض شبهات على التوحيد (ص: 55) المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الملقب بـ"أبابطين"
[14] - مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام (1/ 166) المؤلف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
[15] - كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام (ص: 65) المؤلف : سليمان بن سحمان
[16] - ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (ص: 447) المؤلف : سفر بن عبد الرحمن الحوالي
[17] - شرح العقيدة الطحاوية للبراك (ص: 266) المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر البراك
[18] - شرح فتح المجيد للغنيمان (34/ 2،
[19] - الموسوعة العقدية - الدرر السنية (6/ 277،
[20] - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 234)
[21] - الإيمان لابن منده (1/ 252)
[22] - صحيح مسلم (1/ 69) 80 - (50)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.