موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الخميس، 20 سبتمبر، 2012

أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (64) من ضلالات محمد عبده



أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (64)
من ضلالات محمد عبده
رضوان محمود نموس
نتكلم في هذه الحلقة عن محاولة محمد عمارة تحديد الأسوة والقدوة والرواد للصحوة الإسلامية بل والأمة ويقدم هؤلاء على أنهم هم الرواد في الوقت الذي يحاول إهالة النسيان والجحود على جهود العلماء والرواد الحقيقيين ويصر على تشويه حقائق الإسلام بالباطل, والرائد الرابع من الناحية التاريخية وهو الثاني والأهم من ناحية التأثير هو محمد عبده. عمارة هذا الذي وصفه القرضاوي:[بأنه أحد مجددي هذا القرن وأحد الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية.] حسب ما نشر موقع الجزيرة وغيره من المواقع المصدر:  (الجزيرة نت) 3/11/2010

تابع المبحث العاشر العلمانية والوطنية عند محمد عبده

ويقول في رسالة لأحد أتباعه: [ أيها المؤمن حقاً هل أخاطبك بالأخ الصالح أو بالابن البار ولكن أعلم أنك مؤمن ببلادك... تلقيت بيميني يمينك وضممت إلى يقني يقينك ]([1]). أي أن الإيمان بالبلاد عنده من الإيمان الحق.
بل يخرج علينا بنغم لم يسبق إليه أحد وهو تفسير الإجماع (اتفاق الحكومة) فيقول:
[أولي الأمر معصومون بهذا الأمر الإجماعي: فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع, ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرك مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية, وذلك كالديوان الذي أنشأنه عمر باستشارة أهل الرأي رضي الله عنهم, وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.
فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها صلى الله عليه وسلم بالعمل هما الأصل الذي لا يرد, وما لا يوجد فيه نص ينظر فيه أولو الأمر, إذا كان من المصالح, لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم, فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به, فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه]([2])
وقال في مقال له بعنوان [خطأ العقلاء... إننا نستحسن حالة الحكومة الجمهورية في أمريكا, واعتدال أحكامها, والحرية التامة في الانتخابات العمومية في رؤساء جمهورياتها, وأعضاء نوابها, ومجالسها, وما شاكل ذلك, ونعز مقدار السعادة التي نالها الأهالي من تلك الحالة, ونعلم أن هذه السعادة إنما أتت لهم من كون أفراد الأمة هم الحاكمين في مصالحهم بأنفسهم, لأنهم أرباب الانتخابات, وإنما رؤساء الجمهوريات وأعضاء المجالس نواب عنهم في حفظ تلك المصالح والحقوق التي رأوها لأنفسهم, وتتشوق النفوس الحرة أن تكون على مثل هذه الحالة الجليلة. ... وهكذا حال الأمم التي تعودت على أن يكون زمامها بيد ملك أو أمير أو وزير يدير أعمالها العامة وإلا فسدت, فإذا أردنا إبلاغ الأفغان مثلاً إلى درجة أمريكا, فلا بد من قرون تبث فيها العلوم, وتهذب فيها العقول, وتذلل فيها الشهوات الخصوصية, وتوسع الأفكار الكلية, حتى ينشأ في البلاد ما يسمى بالرأي العمومي, فعند ذلك يحسن لها ما يحسن لأمريكا.
ويا عجباً!! هل الشخص الذي توارث العوائد على آبائه وأجداده, ومرن عليها من مهده إلى كهولته, وتعود تفويض مصلحته إلى إدارة غيره, يصح أن يطلب في زمان واحد خلع جميع ذلك؟! ويلقى إليه زمام مصلحته, وهو في جميع عمره لم يفكر فيها؟! إن هذا الخطأ ظاهر.]([3])

ويتابع في العدد الثاني فيقول: [كلام في خطأ العقلاء: ويا ليت العقلاء منا في الزمن السابق اقتدوا بالبلاد المتمدنة في الأزمان السابقة, عند إرادتهم تأييد الاستقلال حقيقة, حيث بدؤوا بالمجالس البلدية, فكان يمكنهم أن يصنعوا لأهل البلاد قانونا بسيطاً ينطبق على عوائدهم وأحوالهم, ويقرب فهمه من إدراكاتهم, ثم يفوض إلى أهل كل بلد أن تنتخب منها عدداً معيناً ليقوم بالفصل بينهم على مقتضى هذا القانون, ثم يصنعوا مثل ذلك في المدن على حسبها, ويذهب أشخاص من العارفين على القرى والمدن ليفهموا أولئك مواد القانون السهل البسيط, ويدربوهم على كيفية العمل به, ثم لا يزالوا على المراقبة أزماناً, فلا تمضي مدة حتى يكون جميع الأهالي عالمين بما يجب عليهم, فتنموا فيهم القوة, وتحيا فيهم روح الاختيار, كما كانت عليه الجمعيات ببلاد "إيطاليا" و "فرنسا" وغيرها في مبدأ تمدنها, ثم يتدرجوا في القوانين إلى أرقى مما وضعوا أولاً, مع تفهيمه وتعليمه لجمهور الأهالي, ليعلموه فيقفوا عند حده... فعلى من يريد بنا خيراً أن يذهب بنا طريقاً قويماً, ولا أراه إلا نشر القوانين _( وإن كانت طويلة صعبة المنال في وقتنا هذا وما لا يدرك كله لا يترك كله)_.]([4])
ثم يردف بمقال يطالب فيه باحترام القوانين فيقول: [احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة إنما تسعد البلاد, وتستقيم حالها, إذا ارتفع فيها شأن القانون, وعلا قدره, واحترمه الحاكمون قبل المحكومين, واستعملوا غاية الدقة في فهم فصوله وحدوده, والوقوف على حقائق مغزاه, وسهروا لتطبيق أعمالهم جزئية وكلية على منطوقه الحقيقي ومفهومه. عند ذلك تحيا البلاد حياة حقيقية, وتسري فيها روح السعادة, وتهطل سحائب الرحمة, فتخصب بها الأرض الثروة, لكون جميع الأعمال مع اختلافها حينئذ متجهة إلى غاية واحدة, هي النفع العمومي المنقسم على كل فرد من أفراد الرعية على التساوي, كل بمقدار عمله, وصاحب الحظ الأوفر من السعادة هم العمال والمأمورون وأركان الدولة, لأنهم مصدر الأعمال الكلية التي عليها يدور نظام البلاد, فينالون من الثمرة على مقدار ما لهم من الفضل.
وليس يكفي في راحة العباد, وانتظام الملكية, أن توضع القوانين حاوية لكليات الأمور وجزئياتها, ثم تهمل من النظر, وتطرح ع الفكر, ويستمر كل ذي عمل في عمله, يتبع فيه رأي نفسه إن خطأ وإن صواباَ, فإن هذه الحالة يستوي معها وضع القانون وعدم وضعه, ولا فائدة من إبراز فصوله وأبوابه من عالم الفكر إلى عالم اللفظ والكتابة, بل يكون هو والعدم سواء, وتتساوى بلاد ارتقى فيها الفكر الشرعي إلى أعلى درجة مع بلاد بلغت أقصى غاية من الهمجية والتوحش, فإن نهاية أمر الجهتين هو الاختلال والشقاء وطالما افتخرت حكومة مصر في الزمن السابق بإصدار اللوائح, ووضع القوانين, وتجديد النظامات, وتنقيح الأصول السياسية, وسجلت ذلك في الدفاتر وخلدته في بطون الأوراق, حتى كان الناظر في ذلك يظن أن بلاداً هذا نظامها وذاك قانونها لفي غاية من السعادة والراحة, لكنها كانت تحنو أعناقها خجلاً عندما كان يظهر من أعمالها وأعمال عمالها ما يضاد القانون الذي وضعته, ويؤدي إلى شقاء البلاد التي حكمتها, ولا تؤاخذ على ذلك, وهذه خصلة لا يرضاها العاقل لنفسه, أعني أن يعمل على خلاف ما يرسم ويحدد.
أما حكومتنا اليوم فلم تسمح بوضع اللوائح تحت المساند, ولا في مستودعات الدفاتر, ولا تحت تراب الإهمال والإغفال, بل لا تزال همة رجالها متوجهة إلى جعل القانون عنوان العمل, فلا تصدر حركة من آمر أو مأمور إلا على طبق ما رسمته في أوامرها العالية, فإن بقي من تلك العادة السيئة (أعني إهمال الأوامر) شيء في نفوس البعض من ذوي المناصب, وبلغ ذلك مسامع رئيسه الأعلى, وجّه إليه اللوم والعتاب, وأنذره إنذار من يؤاخذ بالذنب, ويعاقب على الجرم, وأخذته الغيرة على قانونه الذي سنه, خوفاً عليه من الضياع, وعلى ثمرته من الفقدان, فإن تكررت منه المخالفة أنزله من منصبه, بعد إحالة النظر في مخالفته على المجالس القضائية, وذلك كله لحسن مقاصد الحضرة الخديوية, وعنايتها بإصلاح بلادها, وبهمة دولتلو (رياض باشا) رئيس النظار, وغيرته على الحق, وتيقظه وسهره على تنفيذ لوائح الحكومة ومنشوراتها, علماً منه أن أسعد البلاد ما نفذ فيها حكم القانون, خصوصاً إذا كان ذلك القانون عادلاً يوافق مصلحة البلاد...]([5])
ثم قال في مقال:[القوة والقانون قبل الكلام عن خصائص هذين الركنين لهيئة الوجود الإنساني, نريد أن نبين حقيقة كل منهما, ليكون القارئ على علم بما يلقى إليه بعد, فلا يخطئ الغرض, ولا يجاوز المرمى, ولا تلحقه شبهة توقعه في ظلام الحيرة وغيهب التردد.
أما القوة فلا نعني بها إلا ما يستعمل لجلب الملائم, ودفع المكروه, سواء كان من شخص واحد أو من جماعة متآلفة أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم, وسواء كانت آلة تحصيل الملائم ودفع المعاند هي القوة البدنية, مجردة عن سواها, كما تراه في السباع الضارية والحيوانات الكاسرة, أو هي منضمة إلى السيوف القاطعة والآلات المحرقة, وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في مواطن الغلبة والصيال.
أما القانون فهو الناموس الحق الذي ترجع إليه الأمم في معاملاتها العمومية, وأحوالها الخصوصية, وهيئاتها النفسية, أعَمُّ من أن يكون متعلقاً بروابط الممالك وعلائقها, أو منوطاً بالسياسة الداخلية, كالإدارة المدنية, والتدابير المنزلية, أو باحثاً عن الأخلاق الفاضلة, وما ينبغي أن يتحلى به الإنسان منها, وما يجب أن يبتعد عنه من أضدادها, وساء كان في أمة واحدة أو أمم متعددة. ....
أما الإنسان الذي ساعده التوفيق بالانقياد لأحكام القانون, فإنه حفظه باطناً وظاهراً, وتمسك به غائباً وحاضراً, حتى صار ركناً من لوازم حياته, وعدة لمقاصده وغاياته, وملهج لسانه في بكره وعشياته, إلى أن عرف به واجباته الحقوقية, وفرائض معيشته العمومية والخصوصية, وأمن به من مصائب الظلم ونوازله, والجور وغوائله, واطمأن به على نفسه وعرضه وماله, فسكن قلبه بعد الاضطراب, وقرت عينه برياض الأمن والأمان, وتولد في أملٌ حَمَلَهُ على إدمان العمل, فأعمل فكرته الخامدة, وأجرى حركته الراكدة, ولا زال يرتاد مواطن العلم ومعاهده, ويقتنص بحبالة الاستكشاف كل فائدة, ويستعمل قواه في حل المبهمات, ويستطلع ببصيرته ما خفي من مجهول الكائنات, إلى أن حداه العلم إلى معرض الاختراع والإبداع, فطار على جناح البخار بدل الشراع, واستخدم النُّضار لقضاء الأوطار, واستعمل البرق _على بعد الديار_ رسول الأخبار, وجعل المدافع والقنابل ليبيد بها مضاديه ومعانديه, وانغمس في النعيم مطعماً ومشرباً وملبساً ومسكناً, إلى غير ذلك مما أتيح له من محاسن الحضارة, ولطائف الرفاهة والنضارة, ولا زال يضرب في تخوم البلاد, ويذلل بقوة عزمه أخلاق العباد, إلى أن أصبحت البسيطة في قبضة زمامه, ولا غرو فإن قائده الاتحاد والائتلاف, وباعثه الوفاق لا الاختلاف, وهو الآن كما بدأ يحافظ على القانون بإنسان مقلته, ويصرف في حراسته ما يدخل تحت قوته, فإنه ملاك سعده, وأساس مجده, ومنتهى جده.
أما الذي ضرب عن القانون صفحاً, وطوى عنه كشحاً, فهو على رذلة أخلاقه, وبساط أفكاره, يصبح مضغة تحت أضراس الظلم, ويمسي كرة لصولجان البغي, فليحي صاحب القانون على بساط النعمة الهني.
فيا أيها الذين ينحرفون عن القوانين, ويعدلون عن طرق النظامات, لغرور وقتي ارفقوا بأنفسكم, واعتبروا بمن يماثلكم في الصورة الإنسانية, وانظروا إليهم كيف عظموا القوانين, ورفعوا شأن الحقوق, فأصبحوا في غاية من القوة والعزة, فانهضوا لمجاراتهم في الصدق إن كنتم تعقلون, .., فالقانون هو سر الحياة, وعماد سعادة الأمم, وأن القوة لا تأتي بثمرتها الحقيقية إلا إذا عُضِّدت باتباع الشرع والقانون العام الذي أقر العقلاء بوجوب اتباعه.]([6])
ثم قال في مقال آخر بعنوان: [اختلاف القوانين باختلاف أحوال الأمم .... ولما كانت القوانين مناط ضبط الأعمال, لتكون منتجة لجلال الفوائد, وهي ثمرة الأعمال النظرية, وخلاصة الأبحاث الفكرية, صارت قوانين كل أمة على نسبة درجتها في العرفان, واختلفت القوانين باختلاف الأمم في الجهالة والعلم.
فلا يجوز حينئذ وضع قانون طائفة من الناس لطائفة أخرى تباينها في درجة العرفان, وتزيد عليها فيه, لأنه لا يلائم حالة أفكارها, ولا ينطبق على عوائدها وأخلاقها, وإلا اختل نظامها, والتبس عليها سبيل الرشد, وانسد دونها طريق الفهم, وحسبت الصحيح فاسداً, والصواب خطأ, وحرفت الأوضاع, وبدلت وغيرت, فيقلب عليها دواء غيرها داء, وذلك لقصر نظرها, وعدم درايتها بوجوه تلك القوانين, وما هي الداعية لها, والحاجة إليها, فإن الحاجة هي الأستاذ المرشد, والمعلم الأول, متى علمها الإنسان حق العلم صار حريصاً عليها, مقيداً بها, فلا يخالف ما دعت إليه, وقضت به, وإذا كان وضع القوانين بين قوم داعيته حاجتهم إليها, فلا تسمح لهم ظروف الأحوال بمخالفتها, أما من لم تدعهم الحاجة إليها فلا يرونها من الضروريات, فلا لوم عليهم إذا نبذوها, ويكون تكليفهم بها من قبيل التكليف بالمحال, بل الأجدر بهم أن يعلموا أولاً: ما هي الحاجة, ليستووا مع غيرهم في العالمية, ويتحدوا معهم في ما يترتب عليها.
وقد جرت عادة المشرعين في كل زمان, أن يراعوا في وضع القوانين درجة عقول الذين يراد وضعها لهم, حتى لا تكون مبهمة عليهم, فلا يتيسر لهم فهما, ولا معرفة الغرض منها, وأن يلاحظوا العوائد والأخلاق ملاحظة تامة,فلا يخرجون في تأسيسي القوانين عما تقتضيه من الشدة والتخفيف, فرب طائفة من الناس ينفع فيهم الزجر الخفيف, ويردعهم الوعيد بالجزاء الهين, إذا كانت طباعهم سهلة الانقياد, ونفوسهم شريفة, وحواسهم سريعة التأثير, فهؤلاء لا يسن لهم من القوانين إلا ما كان منطبقاً على أحوالهم, فلا يكلفون بالقوانين  الصارمة, لأنها تضر بهم, شأن من يتجاوز في استعمال الدواء الحد المخصوص. .. ولنا شاهد على ما ذكرناه حالة بلادنا من قبل, فقد مر على أهلها زمن كانوا فيه همجاً لا يعرفون صالح نفوسهم, لتمكن الجهل منها وقتئذ,....فقد تقرر في مدارك العلماء والسياسيين من سابق ولاحق, أن المشرعين وواضعي القوانين يضطرون دائماً على مراعاة العوائد والأخلاق, ليتمكنوا من تأسيسها على وجه عادل نافع, بل إن أحوال الأمم بنفسها هي المشرع الحقيقي, والمرشد الحكيم ؟؟؟؟ وأن القوة الحاكمة تابعة لقوة رعاياها, لا تخطو الأولى خطوة إلا إذا كان لها من الثانية سائق إلى ما خطت إليه نعم لا ننكر أن إعداد الوسائل والمعدات منوط بالقوة الحاكمة, فهي تلزم رعاياها, كرهاً أو اختياراً, لكن على قدر طاقة المحكومين, فاختلاف هيئات الحكومات, وتبدل قوانينها, تابع لما تقضي به حقوق الوطنية, التي هي في الحقيقة حقوق الرعية, فإن انتقال حكومة فرنسا مثلاً من الملكية المطلقة إلى المقيدة, ثم الجمهورية الحرة, لم يكن بإرادة أولي الحل والعقد فقط, بل المساعد الأقوى حالة الأهالي, وارتفاع أفكارهم, وتنبه إحساساتهم, لطلب الرقي إلى أعلى مما هم عليه, فتغلبوا على جميع القوى الغريبة التي كانت تحول بينهم وبين الوصول إلى مطلوبهم, من معرفة الواجبات الحقيقية, على أنه لم يصلوا إلى هذه الغاية الشريفة إلا بعد قطع العقبات التي هي دون الوصول إليها, إذ بدون ذلك لا يمكن أن تنال الغاية ولا يدرك المطلوب.
وحيث كانت تلك الوسائل وهذه المعدات من مزالق الأفهام والعقول, وكانت معرفتها والحصول عليها بذاتها في غاية الصعوبة, فربما يقع في وهم طائفة من الناس أنهم تهيئوا لأن ينتقلوا على خطة أرقى من المدنية والنظامات القانونية, وليس الأمر ما توهموه فيتقهقروا إلى الوراء, بأن يعمدوا إلى جعل التشريع حراً, والمشاركة في التأسيس مباحة, وليسوا آمنين من دسائس الأغراض, ولا متمكنين من الوسائل التي تهيئهم لهذا الأمر, فيفشوا فهيم داء الاختلاف, ويلحقهم دجل العناد, ...إن اختلاف قوانينها في معارج صعودها وندارك هبوطها لا ينفك عن هذه الملكات, مهما تغيرت أصنافها, وتبدلت شؤونها, وهذا ما جعل عقلاء الناس يجتهدون أولاً في تغيير الملكات وتبديل الأخلاق عندما يريدون أن يضعوا للهيئة الاجتماعية نظاماً محكماً, فيقدمون التربية الحقيقة على ما سواها, ليتسنى لهم أن يحصلوا على هذه الغاية, بل يجعلون في نفس القوانين  النظامية فصولاً وأبواباً تضبط الأخلاق, وتحفظ الملكات الفاضلة, وتكون حداً تقف عنده النفوس في أعمالها, وتلتزمه الأشخاص في سيرها, حتى تنتقل الأعمال من حالة التكليف إلى حالة العادة والملكة,]([7])
وقال في مقال بعنوان: [السلطة للصفوة المستنيرة:  إن أول ما يجب أن يبدأ به: التربية والعليم, لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية على بصيرة مؤيدة بالعزيمة, وحمل الحكومة على العدل والإصلاح, ومنه تعويدها الأهالي على البحث في المصالح العامة واستشارتها إياهم في الأمر بمجالس خاصة تنشأ في المديريات والمحافظات, وليس من المحكمة أن تعطي الرعية ما لم تستعد له, فذلك بمثابة تمكين القاصر من التصرف بماله قبل بلوغ سن الرشد, وكمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد]([8])
وقال في مقال بعنوان:[مصر والمحاكم الأهلية: رأينا بين عدة من الجرائد المصرية منافسة في هذا الموضوع أتت جريدة على ذكر ما يشاع من الخلل في المحاكم الأهلية بمصر, وتذرعت بذلك إلى الكلام في وكيل الحقانية, وأناطت جميع الخلل بأثرته وتطرفه في الميل إلى أبناء طائفته (القبط), حيث أقام منهم في مناصب القضاء وما يتعلق به من لا أهلية فيه لإجادة العمل, واسترسلت في ذلك إلى دعوى أن المسلمين قد نظروا إلى هذا التصرف بعين الناقم, فعارضتها جريدة أخرى, ودفعت ما ادعته من وقوع الضغائن بين المسلمين وبين إخوانهم في الوطنية من الأقباط,... ولهذا لا نرى للقبط في مصر مسألة سياسية تعني بها دول أوروبا كما نرى لغيرهم في غير مصر مسائل.
 أما بطرس باشا غالي فهو رجل ذكي حاذق في عمله, بصير بأمره, تقلب في وظائف الحكومة من عنفوان شبيبته, ورقي به اجتهاده إلى ما وصل إليه من سامي وظيفته, وكان "باشكاتب" الحقانية زمناً طويلاً, ثم صار وكيل الحقانية من نحو ست سنوات,]([9])
ومختصر أقوال محمد عبده في العلمانية والوطنية هو التالي:
1.              أصل من أصول الإسلام .. قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها.
2.              ليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة.
3.              ومن هذا الموقع الفكري, ومن هذا الموقف العملي رفض الرجل "المقاطعة" لسلطات الاحتلال, أو إشهار الحرب عليها .. ولقد كانت بالمجتمع المصري يومئذ فئات من المتطلعين إلى ثقافة أوربا وحضارتها يدخلون مع رجالات الإنجليز في علاقات متشعبة طلباً لهذه الثقافة والتماساً لهذه الحضارة, وقف الأستاذ الإمام فأحل لهم أخذ هذا اللون النافع من "الأفكار".
4.              إن الكلام في الإمامة مثار فتنة يخشى ضره ولا يرجى نفعه الآن.
5.    يتألف الإنسان ويجتمع فيصير مدنياً, ثم يتقدم في هذه المرتبة فينظر في شؤون نفسه ويهتم بأحوال جنسه, فيصير سياسياً, وهو الإنسان المدني الكامل الحقوق.
6.    لا بد لنا من مرب حكيم يأخذ بيدنا فيما نعانيه, فلا نسقط ونحن في أول الدرجات, ومن دليل راشد يهدينا الصواب, فلا نضل ونجن في أول الطريق.-ويقصد بهذا المربي (الإنجليز)
7.    فله – للمواطن- حينئذ (حينئذ فقط) ما لسائر أهل الحياة السياسية, وهي حقوق كريمة مقدسة لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون من درء الدنيئات: حرية رأي, وحرية قول, وحرية انتخاب.
8.    فالجدير بأهل الحياة السياسية من أي الناس كانوا, أن يجعلوا الوطن وحدتهم, لامتناع الخلاف فيه بين ذويه.
9.              أولي الأمر معصومون بهذا الأمر الإجماعي – اعتبر إجماع الحكومة أو البرلمان إجماعاً شرعياً-.
10.       تتشوق النفوس الحرة أن تكون على مثل حالة أمريكا في طريقة الحكم.
11.  يا ليت العقلاء منا في الزمن السابق اقتدوا بالبلاد المتمدنة مثلبريطانيا وفرنسا وإيطاليا  في الأزمان السابقة.
12.       على من يريد خيراً أن يذهب بالبلاد إلى نشر القوانين الوضعية.
13.  احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة وعند احترتم القوانين تحيا البلاد حياة حقيقية, وتسري فيها روح السعادة, وتهطل سحائب الرحمة, فتخصب بها الأرض الثروة.
14.       لا تصدر حركة من آمر أو مأمور إلا على طبق ما رسمته في أوامرها العالية.
15.  القانون هو الناموس الحق الذي ترجع إليه الأمم في معاملاتها العمومية, وأحوالها الخصوصية, وهيئاتها النفسية.
16.  أما الإنسان الذي ساعده التوفيق بالانقياد لأحكام القانون, فإن حفظه باطناً وظاهراً, وتمسك به غائباً وحاضراً, حتى صار ركناً من لوازم حياته, وعدة لمقاصده وغاياته, وملهج لسانه في بكره وعشياته, إلى أن عرف به واجباته الحقوقية, وفرائض معيشته العمومية والخصوصية, وأمن به من مصائب الظلم ونوازله, والجور وغوائله, واطمأن به على نفسه وعرضه وماله, فسكن قلبه بعد الاضطراب, وقرت عينه برياض الأمن والأمان, وتولد في أملٌ حَمَلَهُ على إدمان العمل, فأعمل فكرته الخامدة, وأجرى حركته الراكدة, ولا زال يرتاد مواطن العلم ومعاهده, ويقتنص بحبالة الاستكشاف كل فائدة.
17.       القانون هو سر الحياة, وعماد سعادة الأمم.
18.  قد مر على أهل مصر زمن كانوا فيه همجاً لا يعرفون صالح نفوسهم, لتمكن الجهل منها وقتئذ لعدم عملهم بالقوانين.
19.       أحوال الأمم بنفسها هي المشرع الحقيقي, والمرشد الحكيم.
20.       لا بد أولاً من تغيير الملكات وتبديل الأخلاق عندما لتهيئة الجمهور لقبول القانون.
21.  السلطة للصفوة المستنيرة: -الظلام العلماني-  إن أول ما يجب أن يبدأ به: التربية والعليم, لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية.
22.       العمل على نشر الأخوة الوطنية بين المسلمين والأقباط.
23.       يقول في الأصل السادس من الأصول التي ابتدعها للإسلام بأن الدين معاملة بين العبد وربه.
24.  قال في برنامج الحزب الوطني: الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني, فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب, وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه, لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات, ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية.
وتدور هذه النقاط على المحاور التالية:
1.              عمل محمد عبده قائم على اللادين وإحلال رابطة المواطنة مكان رابطة العقيدة.
2.              هدم السلطة الدينية والإتيان عليها من الأساس.
3.    الدين هو بين الله والعبد أي لا دخل له في السياسة والدولة والوطن والتشريع.والأمة هي التي تشرع لنفسها التشريع الحكيم
4.              لا سعادة ولا فلاح ولا رقي إلا بالقوانين الوضعية.
5.              يجب أن تكون قيادة البلاد بيد المستغربين.
6.              لا بد للأمة من يأخذ بيدها في هذه المرحلة ولا يوجد أحد أولى بهذه المهمة من الإنجليز.
وتعتبر هذه الطروح مرحلة متقدمة جداً في الوقاحة العلمانية اللادينية؛ والآن وبعد أكثر من مئة سنة لا تطمح العلمانية اللادينية إلى أكثر من ذلك, بل ربما ترضى ببعضه.
فمحمد عبده إذن هو رائد من رواد اللادينية والضلال والإفساد والتدمير والتخريب والعمالة للغرب ورأس جسر متقدم للكفر يعبر على أفكاره الأعداء, ولقد مر معنا كيف أن أعمدة الضلال العلماني اللاديني يعتبرون محمد عبده رائداً وسلفاً لهم بئس السلف والخلف.


[1]- الأعمال الكاملة, (1/ 674).
[2]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده 5/229-230-
[3]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/325- 326.
[4]- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/332-335
[5] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/303-304
[6] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/307-311
[7] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/337-342
[8] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/343
[9] - الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: 1/747-750

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.