موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الخميس، 20 سبتمبر، 2012

رسائل إلى أهل الثغر(4) نقاء الصف


رسائل إلى أهل الثغر(4)
نقاء الصف
رضوان محمود نموس
إخوتي أهل الثغر؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم أن يلهمكم السداد ويوفقكم للرشاد، اعلموا رحمكم الله أن الله يراكم ويرى صفكم ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فاحرصوا أن يكون صفكم طاهراً نظيفاً لا يرى فيه شركاً ولا عوجاً، واعلموا أن الله ينصركم بطاعتكم له، فإن تساويتم مع عدوكم بالمعصية فله الفضل عليكم بالعدد والعدة، واسمعوا قصة هذا الفتى الأنصاري.
نقل الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ... وقال تعالى {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74] تلك كلمة: نزلت في الجلاس ابن سويد ابن الصامت قال: (إن كان ما جاء به محمد حق لنحن أشر من الحمر) فقال له ابن امرأته: والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت ، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته، قلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء ، فقال كذا وكذا ، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئته أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال له: يا جلاس أقلت الذي قال؟ قال: فحلف. فأنزل الله تبارك وتعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم).
هذا الفتى اليتيم في حجر الجلاس استشعر عظمة وهول الكلمة؛ فخاف أن تنزل قارعة على قائلها فتصيبه لأنه يمشي معه.
فأبى أن يجالسه ويظله معه سقف، بل تركه وهو ولي نعمته؛ وخاف أن تصيبه قارعة لو بقي بجواره.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصاً منه على نقاء الصف رفض الاستعانة بالمشركين في أحرج المواقف.
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ  وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: «فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، صحيح مسلم (3/ 1449) 150 - (1817).

وعن خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَأَتَيْتُهُ أَنَا وَرَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَقَالَ: «أَسْلَمْتُمَا؟» قُلْنَا: لَا قَالَ: «فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ»، معرفة السنن والآثار (13/ 178) 17836.
بل رفض صلى الله عليه وسلم أن يكون قريباً منهم دابة لعنها صاحبها فتنزل اللعنة عليها وهي قريبة منهم .
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَعَنَتِ امْرَأَةٌ نَاقَةً لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهَا مَلْعُونَةٌ فَخَلُّوا عَنْهَا " قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا تَتْبَعُ الْمَنَازِلَ، مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ نَاقَةٌ وَرْقَاءُ مسند أحمد ط الرسالة (33/ 91) 19859
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرِهِ، إِذْ لَعَنَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسِرْ مَعَنَا عَلَى بَعِيرٍ مَلْعُونَةٍ» المعجم الأوسط (4/ 289) 4224.
وفي قصص القرآن عبرة ودروس؛ أن الأمر ليس بالكثرة وإنما هو بالتقوى، وليس بالكم إنما هو بالكيف، وليس بالمظهر إنما هو بالمخبر.
فالفوضى لا تجابه التنظيم، والشتات لا يواجه القوة، والبدع لا تصمد أمام الكفر، فبينها وبينه نسباً وصهراً. والجماعات المتفرقة المتناحرة ليس لها لسان يدعو إلى الحق، ولا تستطيع الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لأنها هي تتبع الأهواء، من أجل هذا طلب بنو إسرائيل ملكاً ينظمهم ويقودهم إلى الحرب، ويجمع شملهم، ويلم شعثهم، ويوحد كلمتهم، ويخلصهم من أمراضهم ليجابهوا  الكفر بعد ذلك بصف نظيف قال الله تعالى:  (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) البقرة: ٢٤٦  (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً) البقرة: ٢٤٧ ولكن هل يقاتل هذا القائد المؤمن أعداءه الكفرة بمن معه، أو بمن تأتى له جمعه، بغثه وسمينه، بصالحه وطالحه، بمؤمنه وضاله؛ أم لا بدَّ من تمييز الصف وضبطه وتنقيته من الشوائب وتصفيته من العكر، قدر الطاقة البشرية، والله يدعونا لذلك فيقول: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ) آل عمران: ١٧٩ وقال الله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] لذلك عمد الملك المؤمن طالوت إلى تنقية صفه (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) البقرة: ٢٤٩، قال ابن كثير في تفسيره: قال السدي كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً، وتبقى معه أربعة آلاف.
وقد روى ابن جرير بسنده عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه إلا مؤمن. وروى البخاري عن البراء بنحوه. ولهذا قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) البقرة: ٢٤٩ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العاملون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، وليس عن كثرة عدد ولا عدة، ولهذا قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: ٢٤٩.
نعم شجعهم علماؤهم العاملون الذين كانوا معهم في المعركة؛ ولم يثبطوهم ويصفوهم بالخوارج والتطرف، والإرهاب والتكفير، والتشدد والتزمت، وعدم مسايرة الحضارة والمشترك الإنساني، نعم كانوا معهم ولم تصدر فتاوى التخذيل والتجريم من مكاتب الإفتاء الحكومية، أو القنوات الفضائية، ولم يحرفوا كلام الله عن مواضعه ولم يكونوا سماعين للكذب. ولم يدعوا إلى طاعة الطواغيت والالتزام بقوانين الكفر، ولم يدعوا إلى التحالف مع دول الردة، ولم ينعتوهم بالغلاة والتعصب والماضوية، بل شجعوهم حتى سارت العصبة المؤمنة المتعلقة بالله عزَّ وجلَّ والتي عمر قلبها الإيمان فظنت بالله الظن اللائق، وعلمت أن النصر من عنده تبارك وتعالى، ودارت الدائرة على الذين كفروا، وانكشفت المعركة عن نصر المؤمنين قال تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) البقرة: ٢٥١ ولما لم يعد هناك أنبياءً ورسلاً فعلينا أن نبايع أميراً للجهاد، ونوحد صفوفنا ونسير على هدي كتاب ربنا جل جلاله، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فما بال أقوام دأبهم التحالف مع الكفار لا ينفرط عقد تحالف مشؤوم حتى يسارعوا لعقد ما هو أشأم منه، يتحالفون مع الكفار الذين يعلنون كفرهم ليقاتلوا معاً، أو ليشتركوا معهم في الحكم، بل ليكونوا تحت مظلتهم، لأنه لا يسمح للمظلة الإسلامية أن ترتفع عند من يظنونه متحكم بالأرض قال الله تعالى: (( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ))[التوبة:67] وآخرون يغيرون اسمهم لأن اسمهم يشير إلى الإسلام ولو من بعيد، وهذا يؤذي آذان القوى العالمية التي ينشدون ودها.
يجب أن نعلم علماً يقينياً راسخاً أن النصر من عند الله، وأن الله ينصر من ينصره، فمن أراد أن ينتصر فلينصر الله.
ولينقي صفه ويُقبلِ على الله ويواجه العدو بجنود عَمَرَ قلبهم الإيمان؛ همهم إعلاء كلمة الله، ودأبهم الحرص على طاعة الله، يكرهون المعاصي والكفر كما يكره الجبناء الموت، يسيرون على الأرض وقلوبهم متعلقة بالسماء، فإذا نظر إليهم ربهم باهى بهم ملائكته، ليس فيهم مشرك ولا جاهلي، ولقد علمت أن بين المقاتلين الآن من إذا غضب شتم الله فيا سبحان الله كيف ينصر الله جنداً وبينهم من يشتمه؟! كيف ينصر الله جنداً وبينهم من يقول أن لله ولدا ويكذب القرآن؟! والله قال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا  لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا  تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 88 - 90].
كيف ينصر الله جنداً بينهم من يزعم أن ذاك المخلوق إلهاً أو يتحكم بما يشاء أو يعلم الغيب أو ينصر من يستجير به؟!
فنقوا صفكم يرحمكم الله واحرصوا على المؤمن ولو خالفكم الرأي؛ ولا تقبلوا بمشرك ولو كان الطائع المبايع. واعلموا أن المتحالفين مع العلمانيين والشيوعيين والذين ينشدون رضا الكفر الغربي لا قيمة لهم ولا وزنا إلا أن يتوبوا ويؤوبوا إلى الله، ولقد حذر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أمثال هؤلاء فقال: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 55، 56].

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.