موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

السبت، 31 مارس، 2012

حمير الهيكل(3)


حمير الهيكل(3)
رضوان محمود نموس
أخذت اللغة العبرية باعتبارها لغة التوراة تحتل مكانها بجانب اللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية. وصارت المعرفة بالعبرية جزءا معترفا به في الثقافة الأوربية، وأخذ الإصلاحيون يعتبرونها ضرورية لفهم محتوى التوراة. ومع نهاية القرن السادس عشر كانت قد دخلت العبرية حروف الطباعة. ولم يقتصر هذا الدعم للظاهرة العبرية على رجال وأتباع الكنيسة البروتستانتية، بل تعداه إلى أوساط المثقفين وأهم من ذلك إلى أوساط الهيئات القضائية ذات التأثير الكبير في المجتمع. وتبع ذلك دخول دراسات عبرية في الجامعات البريطانية ودول أوربية غربية أخرى، مما أدى إلى توافر العديد من الدارسين للعبرية ممن اعتمد عليهم الملك جيمس الأول 1603-1625م في ترجمة العهد القديم.
لقد أدى انتشار العبرية والدراسات اليهودية في الجامعات والثقافة الأوربية إلى إحداث التأثيرات التالية:
1.                إمكانية قبول التفسير اليهودي للعهد القديم، ولا سيما التفسير المتعلق بمستقبل استعادة اليهود لفلسطين.
2.                اقتناع طلبة الجامعات والباحثين بأن كلمة إسرائيل الواردة في العهد القديم تعني كل الجماعات اليهودية في العالم.
3.                قبول التفسير بارتباط زمن نهاية العالم بعودة المسيح الثانية، وإن هذه العودة مرتبطة بمقدمة تشير إلى عودة اليهود إلى فلسطين.
ومن الملفت في هذا المجال أن البيوريتانيين أوالتطهريين صنفوا أنفسهم أبناء إسرائيل.
واستخدم بعضهم العبرية في صلواته، وذهب بعضهم إلى حد اعتناق اليهودية وبشكل عام كان التعاطف مع اليهود يترسخ يوما بعد يوم وبخاصة مع الفكرة المعروفة " شعب الله القديم ".
وما إن حل القرن السابع عشر حتى أخذت ظاهرة "إحياء السامية" كما أسماها المؤرخ اليهودي سيسيل روث تفرض نفسها وتكتسب الاعتراف بها في الأوساط الرسمية والشعبية.
اتصفت هذه الظاهرة بمظاهر ثلاثة: الأول منها التعاطف مع اليهود، الثاني الخجل مما عانوه في الماضي، والثالث الأمل في تحقيق نبوءة عودة اليهود إلى فلسطين. وصارت فلسطين بالنسبة إلى إنكلترا " الوعد بإيفاء النبوءة بإعادة اليهود إليها وذلك ليس حبا باليهود بل من أجل الوعد الذي أعطي لهم ".
وصارت هذه الفكرة شائعة وشعبية بعد أن كانت فلسطين في الفكر الشعبي معروفة بأنها الأرض المقدسة المسيحية والتي من أجلها أعلنت الحروب الصليبية ضد العرب والإسلام وتبع ذلك أيضا صدور منشورات وعرائض وكتب ومؤلفات تتحدث مع شعب الله القديم وإسرائيل والقدس واستعادة مملكة إسرائيل، من أجل أن تظهر مملكة المسيح حين يتحول عندها كل اليهود إلى المسيحية. ومن بين هذه الكتابات التي كانت نتاجا طبيعيا للثقافة والمناخ الديني السائدين في ذلك الوقت البحث الذي وضعه السير هنري فنش، المستشار القانوني لملك إنجلترا ونشره عام 1621، بعنوان الاستعادة العظمى العالمية، واعتبر أول المشروعات الإنجليزية لاستعادة فلسطين لليهود " حيث طالب الأمراء المسيحيين بجمع قواهم لاستعادة إمبراطورية الأمة اليهودية ".
 (وفي منتصف القرن السابع عشر قدم العديد من الالتماسات والعرائض، ومن بينها عريضة قدمت إلى الحكومة الإنجليزية في عام 1649م تحث إنكلترا وهولندا لتكون الأسرع في نقل أبناء إسرائيل وبناتها على مراكبهم إلى الأرض التي وعد بها آباؤهم الأولون) .
 (وهكذا ساعدت هذه الدعوات المناخ العام على إعادة اليهود إلى إنكلترا كخطوة أولى لاستخدامهم في أغراضها التجارية من ناحية، وجمع شتاتهم ونقلهم إلى فلسطين من ناحية أخرى تقريبا لموعد القدوم الثاني للمسيح) .
 (تكمن أهمية حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في كونها طليعية ورائدة في مجال استكشاف الأفكار الصهيونية المتعلقة باستعادة ما يسمى الأمة اليهودية، واستعادة فلسطين كوطن لليهود) .
 (بدأ منذ القرن السادس عشر ما يمكن وصفه بـ" الاتحاد في الغرب بين سياسة الإمبراطورية الإنجليزية ونوع من الصهيونية المسيحية الأبوية التي اتضحت في السياسة الإنجليزية في الأجيال اللاحقة ". وتذكر المؤرخة اليهودية تشمان أن اهتمامات إنكلترا البيوريتانية في استعادة إسرائيل كانت دينية الأصل ونابعة من العهد القديم الذي سيطر على عقل القوى الحاكمة في القرن السابع عشر وقلبها، وساعدتها في ذلك عدة عوامل أخرى تدخلت فيما بعد، منها العوامل السياسية والتجارية والعسكرية والإمبريالة.
قويت في القرن الثامن عشر الاتجاهات الصهيونية وزاد التعاطف مع اليهود في أوربا البروتستانتية. وساعدت على ذلك عوامل عدة، منها أن هذا القرن قد شهد انتصار الثورة الأمريكية وبداية الثورة الفرنسية وتصاعد الثورة الصناعية بما في ذلك من انتشار لأفكار الاستنارة والفكر الحر والنشاط المكثف للتجارة الخارجية والرحالة وعلماء الآثار والحجاج الأوربيين إلى الأراضي المقدسة في فلسطين وانتشار كتب الرحلات التي تتحدث عن زيارات الأرض المقدسة وعن قصص بني إسرائيل القديمة في فلسطين مثل كتاب رحلتان  إلى القدس الذي أصدره ناثانيال كروش عام 1704م.
وتتحدث ريجينا شريف عن تأثير المقولات الصهيونية المسيحية على الأدب الأوربي في القرنين السابع عشر والثامن عشر سواء في إنكلترا أو فرنسا أو ألمانيا، وكذلك على أعمال عدد من الفلاسفة من أمثال باسكال وكنط، وكذلك تأثيرها على العلماء من أمثال إسحاق نيوتن إذ تشير إلى كتاب له نشر بعد وفاته يتحدث عن عودة  اليهود إلى وطنهم في فلسطين، وعن توقعه تدخل قوة أرضية نيابة عن اليهود المضطهدين للتأثير على عودتهم إلى فلسطين. وهي تشير كذلك إلى كتاب روسو المسمى إميل والصادر عام 1762م، حيث ورد فيه حديث عن اليوم الذي يملك فيه اليهود دولتهم الحرة في فلسطين وتصبح لهم مدارسهم وجامعاتهم) .
 (وظهرت في القرن التاسع عشر دعوات سياسية ودينية جديدة ساهمت في تهيئة الظروف والمناخ المناسبين لولادة الصهيونية اليهودية السياسية، ولعبت دورا أساسيا في تشجيع توطين اليهود في فلسطين. ويعتبر اللورد بالمرستون 1784-1865م وزير خارجية إنكلترا، ورئيس وزرائها فيما بعد، من أشد المتحمسين لتوطين اليهود في فلسطين. وكان يعتقد أن بعث الأمة اليهودية سيعطي القوة للسياسة الإنكليزية. وقد بعث برسالة في 11آب/ أغسطس 1840م إلى سفير إنكلترا في الأستانة، يدعوه فيها إلى حث السلطان والحكومة العثمانية على مساعدة اليهود وتشجيعهم للتوطن في فلسطين، وقال في رسالته:" إن الثروات التي سيحضرها اليهود معهم ستزيد بالتأكيد من موارد السلطان، كما أن عودة الشعب اليهودي بحماية وتشجيع ودعوة من السلطان، ستحول دون قيام أية مشروعات مستقبلية يقوم بها محمد علي أو خلفاؤه، وإنني أطلب منكم بقوة أن تقنعوا الحكومة العثمانية بتقديم كل التشجيع اللازم ليهود أوربا للعودة إلى فلسطين ".
لقد نشرت جريدة التايمز اللندنية في 17آب / أغسطس من العام 1840م نفسه خطة لزرع الشعب اليهودي في أرض فلسطين. ولم يكن صاحب هذا المشروع سوى اللورد شافتسبري وهو لودر آشلي نفسه سابقا1801-1885م وكان أحد أبرز العناصر الإنجليزية تحمسا وتشجيعا لهذه الفكرة الصهيونية. وقد عقد آمالا كبيرة على " التنقيب عن آثار فلسطين للتدليل على صدق الكتاب المقدس وصحة ما ورد فيه ". وكان يصلي كل يوم لسلام القدس، على حد قول المؤرخة اليهودية تشمان. وقد تقدم أثناء انعقاد مؤتمر لندن عام 1840م بمشروع إلى بالمرستون لتوطين اليهود في فلسطين لأنها في رأيه " أرض بغير شعب لشعب بلا أرض " ولم تكن مبادرة بالمرستون وما نشرته الجريدة الإنجليزية ودعوات اللورد شافتسبري خلال أسبوع واحد مجرد صدفة، فقد جمعت هذه الاتجاهات الصهيونية ما بين السياسي (السلطة والقوة) والمنبر الإعلامي (الرأي العام) والتوراة التي كان يمثلها اللورد، واعتبرته تشمان " أهم شخصية غير سياسية في العصر الفكتوري ".
وكان شافتسبري يطلق على اليهود دائما تعبير " شعب الله القديم " وقد عمل جاهدا لإعادة اليهود إلى فلسطين... لأنهم مفتاح الخطة الإلهية لمجيء المسيح ثانية، والأداة التي من خلالها تتحقق النبوءة التوراتية. وقد احتل شافتسبري مكانا بارزا في تاريخ الحركة الصهيونية المسيحية، ورأى في اليهود شيئا حيويا بالنسبة إلى أمل المسيحيين في الخلاص. وتحولت عودة اليهود إلى فلسطين في الوقت الملائم سياسيا واستيطان اليهود في فلسطين إلى أمنية سياسية بالنسبة إلى إنكلترا.
وهكذا صار توطين اليهود في فلسطين مسألة تداخلت فيها المعتقدات التوراتية والطموحات الإمبريالية السياسية والاستراتيجية. وقد امتد هذا التداخل والمزج حتى إلى داخل التجمعات اليهودية نفسها. فقد تخوفت البرجوازية اليهودية في أوربا الغربية من إمكانية انضمام الفقراء من المهاجرين اليهود من روسيا، بعد حادثة اغتيال القيصر الروسي إسكندر الثاني عام 1881م، إلى الأحزاب الأوربية المناهضة للأنظمة القائمة كما خشيت أن يؤثر بقاء هؤلاء المهاجرين في أوربا الغربية على الامتيازات التي كانت تتمتع بها هذه البرجوازية اليهودية. وقد ساعد على ذلك أيضا بروز الحركات القومية الأوربية مما شجع البرجوازية اليهودية على استخدام المنطق القومي المطروح في دعوتها إلى توطين اليهود في فلسطين.
تعاونت البرجوازية اليهودية الأوربية مع الكنيسة البروتستانتية في عرقلة الهجرات المتدفقة من اليهود الروس صوب أوربا الغربية وتوجيهها نحو مكان بديل هو فلسطين. وبدأت بذلك إقامة دعائم النزعة الاستيطانية للعمل الصهيوني اليهودي السياسي في أواخر القرن التاسع عشر الذي توج في المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في مدينة بال في سويسرا عام 1897م. وفي تلك المرحلة لعبت أسرة روتشيلد اليهودية والثرية في أوربا الغربية وأسرة روكفيلر المسيحية الأمريكية أدوارا هامة في دعم أوائل المستوطنات اليهودية في فلسطين.
وإلى جانب الرموز الصهيونية المسيحية السابق ذكرها، شهد القرن التاسع عشر العديد من الحركات واللجان والدعوات الصهيونية المسيحية الأخرى. ومن الأمثلة على ذلك النداء الذي أصدره القس برادشو عام 1844م واقترح فيه على البرلمان الإنجليزي منح أربعة ملايين جنيه إضافة إلى مليون جنيه آخر من الكنائس للمساهمة في استعادة فلسطين لليهود. وتشكلت في العام نفسه لجنة في لندن بهدف إعادة أمة اليهود إلى فلسطين. ويلفت النظر ما قاله رئيس البرلمان الإنجليزي الذي كان قسا يدعى تولي كرايباك في البرلمان وهو:" على إنكلترا أن تؤمن لليهود كل فلسطين من الفرات إلى النيل ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء " وقد ردد عدد من الأدباء الإنجليز مثل الشاعر لورد بايرون والقاص وولتر سكوت والأديبة جورج إليوت هذه الدعوة، وتحدثوا في أدبهم عن استعادة اليهود لفلسطين.
كان من أبرز الدعاة لتوطين اليهود في فلسطين وإقامة دولة أو وطن لهم فيها لورنس أوليفانت1888,1829م رجل الدين وعضو البرلمان الإنجليزي والصحفي وقد أصدر كتابا عام 1880م سماه أرض جلعاد، ضمنه آراءه وأفكاره بخصوص توطين اليهود في فلسطين وفي الضفة الشرقية في الأردن ودعا إلى طرد العرب مثلما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة لأنهم على حد قوله، "غير جديرين بأي معاملة إنسانية".
هناك أيضا القس وليام هشلر 1931,1845م الذي أيد المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين بقوة وجمع الأموال لمساعدة اليهود على الاستيطان في فلسطين وقد أوفدته الحكومة الإنجليزية عام 1882م إلى الأستانة لمقابلة السلطان العثماني عبد الحميد وإقناعة بمسألة توطين اليهود في فلسطين، وعقد في أيار/مايو 1882م مؤتمرا لرجال الدين المسيحيين لإيجاد حل للمسألة اليهودية كما زار في العام نفسه فلسطين وتفقد أحوال المستوطنات اليهودية فيها، وأصدر في عام 1894م دراسة سماها (استعادة اليهود لفلسطين) تحدث فيه عن الحاجة إلى إعادة اليهود إلى فلسطين وفقا لنبوءات العهد القديم. وقد وصفته المؤلفات الصهيونية بأنه المسيحي حبيب صهيون، لأنه القائل بأن إسرائيل توجد في فلسطين قبل العودة الثانية لمخلصنا ملكها المجيد والذي سيتربع على عرش القدس ويحكم من هناك كملك للملوك طيلة ألف عام. وحينما كان هشلر قسيسا لدى السفارة البريطانية في النمسا في أوائل عام 1886م تعرف على هرتزل ونشأت بينهما صلات عميقة. وعن طريق هذه الصداقة تعرف هرتزل على الكثيرين من القادة الأوربيين وبخاصة دوق بادن الأكبر فريدريك الأول إذ كان هشلر معلما خاصا لابنه.. وقد ساعد ذلك على إقامة صلات بين هرتزل والقيصر الألماني كما كان هشلر أول من قدم إلى هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية السياسية، خريطة فلسطين بحدودها من الفرات إلى النيل. كما جاء إلى مؤتمر بال عام 1897م بصحبة هرتزل معتبرا نفسه سكرتيرا للمسيح المنتظر وهاتفا يحيا الملك (أي هرتزل) ، وطالب اليهود بأن استفيقوا يا أبناء إبراهيم، فالله ذاته يدعوكم للرجوع إلى وطنكم القديم.
وهكذا لم يتوقف هؤلاء القادة الكنسيون الذين آمنوا بهذه الاتجاهات والأفكار الصهيونية، والتي تبلورت حول دعم وتشجيع توطين اليهود في فلسطين، واعتبارهم شعبا مختارا، وفلسطين هي أرضهم الموعودة عند حدود المواعظ الدينية والإيمان، بل تعدوا ذلك إلى الحركة المباشرة ونشر هذه الدعاوى وبذل الجهد لدعمها ماليا وسياسيا وفكريا.
ومن الأمثلة على ذلك أن القس السياسي والصحفي لورنس إيلفانت سافر عدة مرات إلى الأستانة وتحدث إلى رجال أعمال وصناعين يهود وغير يهود مثل الممول البريطاني الثري فكتور كازاليت الذي تعاون معه في تقديم مشروع يقضي بإعطاء اليهود مقاطعة في وادي الفرات ومد خط لسكة الحديد هناك.
لقد سجل لقاء أوليفانت مع الزعيم الصهيوني هرتزل، وكذلك لقاء القس هشلر أيضا أولى الصلات المباشرة في سلسلة التعاون الطويل بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية، إذ برزت الأخيرة اعتبارا من أول مؤتمر لها في بال 29-31/آب أغسطس 1897م كحركة سياسية بادئة بذلك المرحلة التنظيمية كقيادة عليا لليهودية العالمية. وقد أقر مؤتمروها البرنامج الصهيوني السياسي الذي لا يختلف في بعض بنوده عن دعوات واتجاهات الصهيونية المسيحية المتعلقة بتوطين اليهود في فلسطين وإبراز الهوية القومية لليهود بإنشاء وطن قومي لهم فيها يحظى باعتراف دول العالم وبذلك وفقت" الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية معا حتى اليوم للعمل على تحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية ".
لم يلبث أن قام دعاة الصهيونية المسيحية بإنشاء (صندوق استكشاف فلسطين) الذي أسس في لندن عام 1865م برعاية الملكة فكتوريا ورئاسة رئيس أساقفة كانتر بري. وقد أثار تأسيس هذا الصندوق المزيد من الاهتمام بمشروع توطين اليهود في فلسطين، إذ قدم العديد من الدراسات التفصيلية لهذا المشروع، الذي شارك فيه خبراء آثار وتاريخ وجيولوجيا ورجال دين، وكانت غالبية هذه الدراسات تشير إلى ضرورة (عودة اليهود إلى أرض الميعاد) وإقامة كيان لهم تحت الحماية الإنجليزية، ويمكن القول إن التأثير الثقافي والفكري والديني على مستقبل الموقف الإنجليزي السياسي نحو إقامة الدولة اليهودية في فلسطين كان كبيرا وبخاصة معتقدات البروتستانت المؤمنة بعودة المسيح الثانية وبناء مملكة الألف عام السعيد، وما تم من عبرنة أو تهويد للبروتستانتية، إذ شكلت مسألة إعادة تفسير العهد القديم محورا مركزيا في حركة الإصلاح الديني. وقد لعبت هذه التأثيرات دورا أٍساسيا في تحضير إنكلترا لقبول الصهيونية اليهودية السياسية.
إن من أبرز الأمثلة على صحة هذا القول، الدور الذي لعبه لورد بلفور في إخراج أهم أجزاء المشروع الصهيوني، وهو إنشاء دولة إسرائيل إلى النور، والاعتراف الدولي المبكر بهذا المشروع. فقد كان لثقافته وقناعاته الدينية دور مهم في بلورة موقفه السياسي من المشروع الصهيوني، وإصداره لوعده في 2تشرين نوفمبر 1917م. والأمر كذلك كان بالنسبة إلى ديفيد لويد جورج الذي أصبح رئيسا لوزرا إنكلترا عام 1916م، وقد أقر بأن معرفته بتاريخ اليهود وبأسماء الأماكن اليهودية في فلسطين أكثر من معرفته بتاريخ بلاده. ولم تكن هذه المعرفة إلا نتاج المناخ الديني الذي أفرزته حركة الإصلاح البروتستانتي على مدى قرون، وبخاصة انتشار قصص العهد القديم في الثقافة الإنجليزية. وفي اعتقاد المؤرخة اليهودي تشمان أن تبني بلفور ولويد جورج لإعلان بلفور كان قائما، في جزء كبير منه على تعاطفها التوراتي مع اليهود، أكثر منه كمكافأة للزعيم الصهيوني اليهودي وايزمان على ما قدمه إلى إنكلترا من خدمات علمية، أو بهدف كسب اليهود الروس للتأثير على تطور الأحداث الداخلية هناك في ذلك الوقت... إضافة إلى كسب اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية واستخدام نفوذهم لمصلحة إنكلترا الحربية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة الصهيونية اليهودية السياسية لم تكن في تلك المرحلة ذات تأثير كبير على يهود روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية, وتذكر المؤرخة اليهودية تشمان أن الحكومة الإنجليزية كانت إما ساذجة أو جاهلة بالنسبة إلى معرفة نفوذ اليهود هناك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.