موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الثلاثاء، 20 مارس، 2012

حمير الهيكل 2


حمير الهيكل (2)
رضوان محمود نموس
بعد انفصال الملك هنري الثامن عن روما، اقتحمت حركة الإصلاح الديني (اللوثرية الكالفنية الماسونية حمير الهيكل) بريطانيا وتمركزت فيها. وهناك ظهرت أول دعوة لانبعاث اليهود كأمة الله المفضلة في فلسطين، على يد عالم اللاهوت اليهودي البريطاني توماس برايتمان 1562, 1607م فقد نشر كتاب (Apocalypsis Apocalypscos) وهو الكتاب الذي قال فيه: إن الله يريد عودة اليهود إلى فلسطين ليعبدوه من هناك حيث يفضل الله أن تتم عبادته على أي مكان آخر... تحلق حول هذه الدعوة عدد من الشخصيات البريطانية الأدبية والفكرية والسياسية، أحد هؤلاء هنري فنش الذي قال في كتاب له صدر في عام 1621م: (ليس اليهود قلة مبعثرة بل إنهم أمة. ستعود أمة اليهود إلى وطنها، وستعمر كل زوايا الأرض.. وسيعيش اليهود بسلام في وطنهم إلى الأبد) !
منذ القرن السادس عشر تجاوزت اليهودية حدود العقيدة الدينية، وأصبحت أمة ورمزا للقومية، حتى الكتاب المقدس-العهد القديم- تحول منذ ذلك الوقت المبكر من كتاب دين إلى كتاب سياسي يقوم على قاعدة العهد الإلهي للأرض المقدسة للشعب اليهودي المختار. هذه المعتقدات الدينية المسيحية أصبحت جزءا من عقيدة الكنيسة البروتستانتية الجديدة ومن جوهر طقوسها، ومن خلالها تحولت إلى قاعدة عامة للتربية الدينية، خرّجت أتباعًا لها ومؤمنين بها من رجال السياسة والأدب والفكر، وشهدت المرحلة البيوريتانية في القرن السابع عشر العصر الذهبي لهذه المعتقدات بعد تراجعها الكبير في العهد الإلزابيثي في هذه المرحلة ظهرت الطبعة الأولى لنسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس، وبموجبها أصبح العهد القديم المصدر الأساسي إن لم يكن المصدر الوحيد للاجتهاد، ولاستنباط الأحكام والفلسفة الدينيتين اللتين فتحتا أبوابهما بعد أن أبيح حق التأويل الشخصي على حساب إسقاط احتكار هذا الحق بالكنيسة عموما وبالبابوية خصوصا.
لعل أبرز مظاهر التطرف في هذا العهد هي:
1.                استعمال العبرية لغة الصلاة في الكنائس وفي أثناء تلاوة الكتاب المقدس.
2.                تعميد الأطفال في الكنائس بأسماء عبرية بعد أن كان يتم تعميدهم بأسماء القديسين المسيحيين.
3.                نقل يوم الاحتفال الديني ببعث المسيح إلى يوم السبت اليهودي.
أما على الصعيد السياسي فإن مجموعة لفلرز، وهي مجموع بيوريتارنية جمهورية، طالبت الحكومة بأن تعلن التوراة دستورا لبريطانيا.

وفي العام 1649م وجه من هولندا عالما اللاهوت البيوريتيان (التطهيريان) الإنجليزيان جوانا وألينزر كارترايت مذكرة إلى الحكومة البريطانية طالبا فيها: (بأن يكون للشعب الإنجليزي ولشعب الأرض المنخفضة شرف حمل أولاد وبنات إسرائيل على متن سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومنحهم إياها إرثا أبديا) .
تكمن أهمية هذه المذكرة في أمرين:
الأمر الأول: أنها تعبر عن مدى التحول في النظرة إلى فلسطين (والقدس) من كونها أرض المسيح المقدسة (التي قامت الحروب الصليبية بحجتها) إلى كونها وطنًا لليهود.
الأمر الثاني: أنها كانت أول تعبير عن التحول من الإيمان بأن عودة المسيح تحتم أن تسبقها عودة اليهود إلى فلسطين، وأن العودتين لن تتحققا إلا بتدخل إلهي، إلى الإيمان بأن هاتين العودتين (عودة اليهود وعودة المسيح) يمكن أن تتحققا بعمل البشر.
كان أوليفر كرومويل أو أهم سياسي بريطاني يتبنى مضمون هذه المذكرة، ذلك أنه كان على مدى عشر سنوات 1649-1658م رئيسا للمحفل البيوريتاني. وهو الذي دعا إلى عقد مؤتمر 1655م في الهوايت هول للتشريع لعودة  اليهود إلى بريطانيا (أي إلغاء قانون النفي الذي اتخذه الملك إدوارد) .
حضر المؤتمر إلى جانب كرومويل العالم اليهودي مناسح بن إسرائيل الذي ربط الصهيونية المسيحية بالمصالح الإستراتيجية لبريطانيا، ومن خلال عملية الربط تلك تحمس كرومويل لمشروع التوطين اليهودي في فلسطين منذ ذلك الوقت المبكر.
اعتمد هذا الربط فيما بعد، حاييم وايزمان مع لويد جورج (بعد عشرة أجيال) إن توظيف الدافع الديني لتحقيق مكاسب سياسية ذات بعد إستراتيجي أسس القاعدة الثابتة للصهيونية المسيحية، أولا في بريطانيا وأوربا وبعد ذلك في الولايات المتحدة.
في تلك الفترة المبكرة راجت أفكار دينية تقول إن المعاناة التي واجهتها بريطانيا في الحرب الأهلية التي سبقت ظهور الحركة البيوريتانية مردها إلى غضب الله بسبب سوء معاملة اليهود.
ألف ذلك الركيزة الدينية-السياسية- الفكرية الأولى للصهيونية المسيحية في بريطانيا، أما في أوربا فقد قامت الركيزة في هولندا التي تكونت بعد الحرب الدينية بين الكاثوليكية الأسبانية والبروتستنتية الألمانية في العام 1565م بهزيمة القوات الكاثوليكية في العام 1609م تكونت جمهورية هولندا على أساس المبادئ البروتستانتية الكالفينية (حمير الهيكل) (نسبة إلى اللاهوتي كالفن) . هذا الانتصار البروتستنتي أدى إلى انتشار تيار المسيحية الصهيونية في أوربا، حتى إنه صدر في فرنسا كتاب للعالم الفرنسي فيليب جنتل ديلانجلير 1656, 1717م دعا فيه إلى مقايضة السلطان العثماني مدينة القدس بمدينة روما تسهيلا لتوطين اليهود في فلسطين، وصدرت كتب مماثلة في ألمانيا والدول الإسكندنافية وخاصة في السويد والدانمارك.
لم تقف أدبيات الصهيونية المسيحية عند حدود الكنيسة فمن أجل تأصيل هذه الأدبيات وتعميمها في جميع شرائح المجتمع، كان لا بد من بناء هيكل أدبي فوق قواعدها الفكرية، عكس ذلك ميلتون في قصيدته الفردوس المفقود حيث يقول: (إن الله سيشق لليهود طريق البحر ليعودوا فرحين مسرورين إلى وطنهم، كما شق لهم طريق البحر الأحمر ونهر الأردن عندما عاد آباؤهم إلى أرض الميعاد، إنني أتركهم لعناية الله، وللوقت الذي يختاره من أجل عودتهم) .
وبالإضافة إلى ميلتون، ترددت أفكار مشابهة في قصائد وأعمال أدبية للورد بايرون وكولر يدج والكسندر بوب ووليم بليك، كما ترددت في كتابات جان راسين وجاك بوسيه. وتعتبر روايات جورج آليوت دانيال ديروندا من الأدبيات التوراتية التي تنبأت بقيام إسرائيل جمهورية تسود فيها العدالة والحرية والرخاء.
هذه التوجهات فلسفها فلاسفة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا الكبار في القرن السابع عشر حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من القناعات التي تفرض نفسها في عملية اتخاذ القرار السياسي في الدوائر الحكومية في كل الدول الأوربية.
من هذه التربية الفكرية نبتت (جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود) وفي العام 1807م، وكان اللورد أنطوني إشلي كوبر (إيرلشا فتسبري) أحد أبرز أركانها.
ففي العام 1839م نشر مقالا يقع في ثلاثين صفحة أكد فيه أن اليهود سيبقون غرباء حتى يعودوا إلى فلسطين، وأن الإنسان قادر على تحقيق إرادة الله بتسهيل هذه العودة، وأن اليهود هم الأمل في تجدد المسيحية وعودة المسيح، وفي هذا المقال أيضا يرفع أنطوني كوبر، ولأول مرة شعار (وطن بلا شعب لشعب بلا وطن) ]([1]) .
وقال عبد الله التل: [ ولقد مرت الماسونية بمراحل عديدة تهمنا منها مرحلة القرن الثامن عشر الذي شهد مع القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين تطور النفوذ اليهودي وتغلغل سلطانهم عن طريق الماسونية في جميع الحكومات الأوربية والأمريكية. ففي سنة 1717م أعاد اليهود النظر في تعاليم الماسونية ورموزها وغيروا فيها لتناسب الجو البروتستانتي في بريطانيا والولايات المتحدة وأسسوا في ذلك محفل بريطانيا الأعظم وأطلقوا على أنفسهم اسم البنائين الأحرار بعد أن كانوا فيما سبق يحملون (القوة المستورة) وجعلوا من أهداف الماسونية الخادعة (الحرية -الإخاء – المساواة) وهي أهداف زائفة لأن الماسونية لا هدف لها إلا خدمة اليهودية العالمية وتأمين سيطرتها على العالم. ثم ما لبث المحفل الماسوني الأعظم في بريطانيا أن كشف عن بعض نواياه حين جعل من أهداف الماسونية:
1.                المحافظة على اليهودية.
2.                محاربة الأديان بصورة عامة والكثلكة بصورة خاصة.
3.                بث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب.
ومن بريطانيا انتشر أخطبوط الماسونية بشكله الجديد فتأسس بإشراف محفل بريطانيا الأعظم أول محفل ماسوني في باريس عام 1732م وفي جبل طارق 1728م وفي ألمانيا 1733م والبرتغال 1735م وهولندا 1745م والدانمارك 1745م وسويسرا 1740م وإيطاليا 1763م والبلجيك 1765م وروسيا 1771م والسويد 1773م والهند 1752م وفي أمريكا 1733م ]([2]) .
وبعد احتلال مصر انتشرت الماسونية فيها عن طريق الإنجليز وعملائهم مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول ولطفي السيد وكثير من هؤلاء العملاء ومن مصر انتشرت في بقية العالم الإسلامي والعربي.
وجاء في كتاب البعد الديني في السياسة الأمريكية: [ (لم تكن أوربا الغربية تنظر إلى اليهود قبل حركة الإصلاح الديني فيها على أنهم شعب الله المختار. كما لم تكن تقول إن فلسطين هي أرضهم التي وعدهم الله بها، ولم تكن هناك أية فكرة تدور حول إسرائيل أكثر من كونها " اسما لدين سماوي وليست كيانا وطنيا ") .
 (وإذا ما تابعنا هذا السياق التاريخي، فإن تاريخ العلاقات المسيحية اليهودية يكون قد بدأ مرحلة جديدة مع هذه التغيرات الأساسية في المجتمعات الأوربية، وبخاصة مع بروز حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، حين تداخلت في هذه الحركة أساطير صهيونية، وتسربت إليها عبر التفسيرات الحرفية للتوراة، وساعد على تناميها دوافع سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة. وجاءت البروتستانتية لتسمح لأتباعها بحقهم المتساوي في فهم الكتب المقدسة وعارضت الكنائس الأخرى التي تعتبر فهم هذه الكتب وقفا على رجال الكنيسة. والبروتستانتية تعني لغويا الاحتجاج والاعتراض وتدعو إلى حرية القول والرأي. ومن هنا يمكن تفسير العدد الكبير من الفرق والمذاهب المنبثقة عن حركة الإصلاح الديني البروتستانتي.
ويبدو أن البروتستانتية ما كانت لتنمو من دون معرفة كتاب العهد القديم، وهو الكتاب المقدس لدى اليهود والمسيحيين على حد سواء. وهو في مجمله يضم الشعر والنثر والحكم والأمثال والقصص والأساطير والغزل والرثاء... والفحش والعهر والجريمة الخ.
وقد لحقه الكثير من التعديلات والإضافات طوال الأجيال. وتعددت فيه النصوص والترجمات والتصحيحات وهو تراث شعبي لا سند له إلا الذاكرة. فكانت مساهمات البشر فيه كثيرة على مدى تسعة قرون وبلغات مختلفة. وعموما، فإن العهد القديم هو تاريخ اليهود، ولم يكتسب شكله النهائي إلا في القرن الأول بعد الميلاد -ميلاد السيد المسيح عليه السلام- وقد اعتمدت المسيحية التوراة العبرية، لكنها أدخلت عليها بعض الإضافات والحذف. وحينما أمر الملك هنري الثامن ملك إنكلترا عام 1538م بترجمة التوراة للغة الإنجليزية ونشرها وإتاحتها للقراءة من قبل العامة، كان بذلك يضع اليهودية -تاريخا وعادات وقوانين- لتكون جزءا من الثقافة الإنجليزية، ولتصبح ذات تأثير هائل في هذه الثقافة على مدى القرون الثلاثة التالية.
تؤكد المؤرخة اليهودية تشمان أنه من دون هذا التراث التوراتي فإنه كان من المشكوك فيه صدور وعد بلفور باسم الحكومة الإنجليزية عام 1917م، أو انتدابها على فلسطين، رغم وجود العوامل الاستراتيجية التي برزت على المسرح فيما بعد وصار يطلق على التوراة المترجمة " التوراة الوطنية لإنكلترا " وكان لها من التأثير على روح الحياة الإنجليزية أكثر من أي كتاب آخر. وصارت قصص التاريخ اليهودي المادة الرئيسية في الثقافة الإنجليزية والمعرفة التاريخية للإنجليز. كما لوحظ أنه كلما ركزت البروتستانتية على الأصول (الفلسطينية) للمسيحية عملت على تقليص دعاوى وطموحات الكنيسة الكاثوليكية في روما.
وهكذا أخذت إنجلترا تتعرف على تاريخ اليهود من خلال هذه التوراة وأسفارها، التي تحوي أساطير وأشعارا وأمثالا ونبوءات وقصص أنبياء بني إسرائيل وملوكهم وأسباطهم وتعاليمهم وطقوسهم الاجتماعية والمدنية والدينية ونفيهم وخروجهم من مصر وفلسطين وحروبهم وأغانيهم ومراثيهم.
وأكثر من ذلك فقد أصبحت فلسطين في قراءات الكنائس ومواعظها وفي العقل المسيحي في أوربا البروتستانتية الأرض اليهودية، وصار اليهود " شعب فلسطين الغرباء في أوربا والغائبين عن وطنهم والعائدين إليه في الوقت المناسب ".
وتتحدث المؤرخة تشمان عن تأثير العهد القديم في الأدب الإنجليزي وبخاصة في الشعر والغناء. ويذكر مؤرخ يهودي آخر هو سيسيل روث عن صدور مطبوعات  تمجد اليهود وتطالب بإعادتهم إلى إنكلترا. وقد ترجمت إلى الأسبانية ليسهل تداولها بين يهود هولندا وإنكلترا المهاجرين من أسبانيا والبرتغال. وبذلك فتح الباب واسعا أمام الكنسية البروتستانتية والحكومة الإنجليزية للترحيب باليهود كعقيدة وتاريخ وفقا للتوراة، وكأفراد يتمتعون بمهارات تجارية فائقة وصلات مؤثرة في عدد من الدول الأوربية وبخاصة هولندا التي كانت إنجلترا تسعى إلى جرها للتحالف معها أو لمنافستها تجاريا بمساعدة اليهود.
وللبحث صلة



[1] - الأصولية الإنجيلية , محمد السماك, ص (/ 53,46).
[2]- خطر اليهودية العالمية, عبد الله التل (ص/ 143-144).وانظر الماسونية منشأة ملك إسرائيل لمحمد على الزعبي.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.