موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الجمعة، 9 مارس، 2012

الجماعة (3)


الجماعة (3)
رضوان محمود نموس
كان الحديث في العدد الأول والثاني عن الجماعة لغة وشرعاً واصطلاحاً والأدلة على وجوب الالتزام بالجماعة، وترك ونبذ التفرق، في هذا العدد نستمر في سوق الأدلة على ذلك.
9 - وقال ابن حيان في البحر المحيط: ) وَاعتَصِموا بِحَبلِ الله جَميعا ( أي استمسكوا وتحصنوا. وحبل الله العهد أو القرآن، أو إخلاص التوبة، أو الجماعة، أو إخلاص التوحيد، أو الإسلام. أقوال للسلف يقرب بعضها بعضاً.
وبمثل هذا قال السمين الحلبي في الدر المصون.
10 - وقال السيوطي في الدر المنثور بعد أن ساق عدة أقوال ، الروايات التي تقول ذلك، قال: اخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق الشعبي عن ابن مسعود   ) وَاعتَصِموا بِحَبلِ الله جَميعا ( قال: حبل الله الجماعة.
واخرج ابن جرير وابن أبي حاتم الشعبي عن ثابت بن فطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: "  أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به "
وعن سماك بن الوليد الحنفي أنه لقي ابن عباس فقال ابن عباس له: " الجماعة الجماعة إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها "

11 - وقال أحمد شاكر في عمد التفاسير ) ولا تفرقوا ( أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرق وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع.
12 - وقال محمد رشيد رضا في المنار: وإنما الاجتماع هو نفس الاعتصام فهو يوجب علينا أن نجعل اجتماعنا ووحدتنا بكتابه، عليه نجتمع وبه نتحد لا بجنسيات نتبعها ولا بمذاهب نبتدعها ولا بمواضعات نضعها ولا بسياسات نخترعها، ثم نهانا عن التفرق والانفصام بعد هذا الاجتماع والاعتصام لما في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العزة والقوة، وبالعزة يعتز الحق فيعلو في العالمين وبالقوة يُحفَظ هو وأهله من هجمات المواثبين وكيد الكائدين، ولا تتفرقوا باتباع السبل غير سبيل الله الذي هو كتابه، فمن تلك السبل المفرقة إحداث المذاهب والشيع في الدين ) إن الذين فَرقوا دينَهُم وَكَانوا شيعاً لستَ مِنهُم في شيء ( ومنها عصبية الجنسية الجاهلية... وقد اعتصم في هذا العصر أهل أوربا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب في الجاهلية فسرى ذلك إلى كثير من متفرنجة المسلمين فحاول بعضهم أن يجعلها في المسلمين جنسيات وطنية.
13 - ويقول الشهيد سيد قطب: إن الإسلام منهج وهو منهج ذو خصائص متميزة، فمن ناحية التصور الاعتقادي ومن ناحية الشريعة المُنَظِمة لارتباطات الحياة كلها ومن ناحية القواعد الأخلاقية التي تقوم عليها هذه الارتباطات ولا تفارقها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها، فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية، ومما يتناقض مع طبيعة القيادة أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي.
ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتهما ومنهجهما واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها وأخرجها للوجود من أجلها، هاتان القاعدتان المتلازمتان هما: الإيمان والأخوة.
الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة، والأخوة في الله تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة.
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ولم يكن هناك دور لها تؤديه.
وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع: الاستسلام، الاستسلام لله طاعة له واتباعاً لمنهجه واحتكاماً إلى كتابه.
هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها، إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعاً جاهلياً ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة، إنما تكون هناك مناهج جاهلية، ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية، إنما تكون القيادة للجاهلية.
فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة.الأخوة في الله على منهج الله، لتحقيق منهج الله. فهي إذن تنبثق من التقوى والإسلام من الركيزة الأولى، أساسها الاعتصام بحبل الله، أي عهده ونهجه ودينه، وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ولا على أي هدف آخر ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة   ) وَلتَكن منكم أُمةٌ يَدعُونَ إلى الخَير ( فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لابد من سلطة  في الأرض، تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان، فمنهج الله ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان، فهذا شطر، أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة المميزة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرئ برأيه وبتصوره زاعماً أن هذا هو الخير والمعروف والصواب.
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان بالله والأخوة في الله، لتقوم على هذا الأمر وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة، وكلفها به هذا التكليف، وجعل القيام به شرط الفلاح.
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته، فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، ومن ثم هذا الوسط يتمثل في الجماعة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة، الإيمان كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص وترجع إلى ميزان واحد تقوّم به كل ما يعرض لها في الحياة وتتحاكم إلى شريعة من عند الله وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض، والأخوة في الله كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح.... ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا فنزع الله الراية منهم وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية.
وللبحث صلة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.