موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأحد، 16 ديسمبر، 2012

الأجوبة الشرعية على الأسئلة الشامية(38)


الأجوبة الشرعية على الأسئلة الشامية(38)
رضوان محمود نموس
وردنا السؤال التالي السلام عليكم ورحمة الله
[ما صحة الطرح بالقول أن التعايش بين الأديان والتسامح أصل أصيل ومبدأ ثابت من المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية , له جذور تاريخية ودينية ومرتبط بعالمية رسالة الإسلام التي تؤكد عليها الكثير من الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى :( وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس بشيراً ونذيرا ) وقوله تعالى: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)...؟]
فهذا كلام عام فيه حق وباطل وليس بهذه العمومية تقرر قضايا الدين والتعايش وما شابه
 فالكفار أنواع والبلاد أشكال
فالبلاد مثلاً لجزيرة العرب حكم خاص ولبقية بلاد المسلمين حكم آخر.
والكفار أنواع فأهل الذمة لهم أحكام, والمرتدين لهم أحكام, والكفار من غير أهل الكتاب والمجوس له أحكام, والمستأمنين لهم أحكام, ولا يوضعوا كلهم في سلة واحدة.
وإليك شيئاً من التفصيل
أحكام جزيرة العرب:
فالإسلام لا يقبل في جزيرة العرب إلا المسلمين ولا مكان لدين آخر.
فلقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بإخراج الكفار من جزيرة العرب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الحديث المتفق عليه: { عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ قَالَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقَالَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ وَقَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ }([1])
وجاء في الموطأ [وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ،؛ أَنَّ رَسُولَ الله قَالا: «لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ». قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذٰلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَاليَقِينُ، أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: «لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ» فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ. فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلاَ مِنَ الأَرْضِ شَيءٌ. وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الأَرْضِ. لأنَّ رَسُولَ الله كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْف الأَرْضِ. فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الأَرْضِ. قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرَقٍ وَإبْلِ وَحِبَالِ وَأَقْتَابٍ. ثُمَّ أعْطَاهُمْ القِيمَةَ وَأَجْلاَهُمْ مِنْهَا.]([2]).
وعن عمر:«أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لاَ أَدَعَ فِيهَا إِلاَّ مُسْلِماً» رواه مسلم وأحمد والترمذي.
وعن عائشة قالت: «آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ: لاَ يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ».
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» رواهما أحمد.
وقال ابن عرفة: [لا يقر كافر ولو بجزية في جزيرة العرب لإجلاء عمر منها كل كافر اللخمي: اختلف في مسمى جزيرة العرب قال مالك: مكة والمدينة واليمن وأرض العرب. قال عيسى: ويخرج العبيد كما يخرج الأحرار.]([3]).

 وقال الصنعاني في سبل السلام:[ لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».
قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله أنه قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب فأجلى يهود خيبر» قال مالك: وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضاً.
والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما عرفت.
وأما حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أَبْين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدّة إلى أطراف ريف العراق عرضاً؛ انتهى.
وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم.
قوله: «مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من أطراف الشام عرضاً،وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها يعني بحر الهند وبحر فارس والحبشة. وأضيفت إلى العرب؛ لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم. قال في القاموس: وجزيرة العرب ما أحاط بها بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى ريف العراق عرضاً انتهى. وظاهر حديث ابن عباس أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً. ويؤيد هذا ما في حديث عائشة المذكور بلفظ: «لاَ يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وكذلك حديث عمر وأبي عبيدة بن الجراح لتصريحهما بإخراج اليهود والنصارى، وبهذا يعرف أن ما وقع في بعض ألفاظ الحديث من الاقتصار على الأمر بإخراج اليهود لا ينافي الأمر العام، لما تقرر في الأصول أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون مخصصاً للعام المصرَّح به في لفظ آخر وما نحن فيه من ذلك]([4]).
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وقد منع الله سبحانه المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم من سكني جزيرة العرب مبالغة في نفيهم عن مجاورة البيت ]([5]).
وقال في عون المعبود: [ باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب في النهاية الجزيرة اسم موضع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض قاله أبو عبيدة وقال الأصمعي من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جده وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا قال الأزهري سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات انتهى.
وفي القاموس جزيرة العرب من أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات      أخرجوا المشركين ظاهره أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا.]([6]).  
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه فقال أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم]([7]).
أما بلاد المسلمين الأخرى فيندب إلا يكون بها إلا مسلم وبعض العلماء منهم الطبري يرى أن حكم بلاد الإسلام كلها كحكم جزيرة العرب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب لم يكن الإسلام موجود إلا بها أما الجمهور فيرى الأمر خاص بجزيرة العرب وما سواها على الندب. للأحاديث التالية.
فعن بن عباس قال: [قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ثم لا تصلح قبلتان في أرض وليس على مسلم جزية]([8]). 
وفي رواية أخرى عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن بن عباس رضي الله عنهما قال [قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ثم لا يكون قبلتان في بلد واحد]([9]).
وقال الشافعي رحمه الله تعالى :[وكذلك أهل الحرب يُمنعون الإتْيَانَ إلى بلاد المسلمين بتجارة بكل حال، إلا بصلح، فما صالحوا عليه جاز لمن أخذه وإن دخلوا بِأَمَانٍ وغَيْرِ صُلْحٍ مُقِرِّينَ به لم يؤخذ منهم شيءٌ من أموالهم، وَرُدُّوا إلى مَأْمَنِهِمْ إلا أن يقولوا: إنما دخلنا على أن يؤخذ منا، فيؤخذ منهم وإن دخلوا بغير أمان غُنِمُوا، وإذا لم يكن لهم دعوى أمان ولا رسالة كانوا فَيْئاً وَقُتِلَ رِجَالُهُمْ، إلا أن يُسلمُوا أو يُؤَدّوا الجِزْيَةَ قبل أن نَظْفَرَ بهم، إن كانوا ممن يجوز أن تؤخذ منهم الجزية،]([10])
وقال رحمه الله تعالى : [ولا يترك أهل الحرب يدخلون بلاد المسلمين تجّاراً، فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غُنِمُوا]([11])
قال الشافعي رحمه الله تعالى [ : الحُكْمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجِزَيَة قال الشّافعي رحمه الله تعالى: قال الله عزَّ وجلَّ: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29].
قال الشّافعي رحمه الله تعالى: فكان الصَّغارُ والله تعالى أعلم أن يجريَ عليهم حُكْمُ الإسلامِ، وأَذِنَ اللَّهُ بِأَخْذِ الجزيةِ منهم عَلَى أنْ قد عَلِمَ شِرْكَهُمْ به واستحلالَهم لمحارِمِهِ، فلا يكشفوا عن شيءٍ ممَّا اسْتَحَلُّوا بينهم، ما لم يكن ضرراً على مسلمٍ أو معاهدٍ، أو مستأمَنٍ غَيْرِهم، وإن كان فيه ضررٌ على أحدٍ من أنفسِهم لم يَطْلُبْهُ، ولم يكشفوا عنه، فإذا أبى بعضُهم على بعضٍ ما فيه له عليه حقٌ، فأتى طالبُ الحقِّ إلى الإمامِ يَطْلُبُ حَقَّهُ، فحقٌّ لازمٌ للإمام والله تعالى أعلم أن يحكم له عَلَى مَنْ كان له عليه حقّ منهم، وإن لم يَأتِهِ المطلوبُ راضياً بحكمِهِ، وكذلك إنْ أَظْهَرَ السُّخْطَةَ لحكمِهِ، لما وصفتُ من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] ولا يجوز أن تكونَ دارُ الإسلامِ دارَ مقامٍ لمن يَمْتَنعُ من الحكمِ في حالٍ.
ويُقال: نزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] فكان ظاهرُ ما عرفنا أن يحكم بينهم، والله تعالى أعلم. قال الشّافعي رحمه الله تعالى: فإن جاءتِ امرأةُ رجلٍ منهم تَسْتَعْدِي عليه بأنه طلَّقها أو آلى منها، حَكَمْتُ عليه حُكْمِي على المسلمين، فألزمتُهُ الطلاقَ، وفَيْئِيَّةِ الإيلاء، فإن فاء وإلاَّ أخذتُهُ بأنْ يطلِّقَ، وإن قالتْ: تَظَاهَرَ منِّي، أمرتُهُ ألاَّ يقرَبها حتى يكفِّرَ، ولا يُجْزِئُهُ في كفارةِ الظهارِ إلاَّ رقبةٌ مؤمنةٌ، وكذلك لا يُجْزِئُهُ في القتلِ إلاَّ رقبةٌ مؤمنةٌ. ] ([12])
وقال رحمه الله تعالى: [ولا يجوزُ للإمامِ أن يُصالح أحداً من أهلِ الذِّمَّةِ عَلَى أن ينزله من بلادِ المسلمين منزلاً يظهر فيه جماعةً ولا كنيسةً ولا ناقوساً إنَّما يُصالحهم عَلَى ذَلِكَ في بلادِهم الَّتي وُجِدُوا فيها، فنفتحها عنوةً أو صلحاً، فأَمَّا بلادٌ لم تكنْ، فلا يجوزُ هذا له فيها، فإن فَعَلَ ذلك أحدٌ في بلادِ بملكِهِ مَنَعَهُ الإمامُ منه فيه.([13])
فصل وقال الخطيب الشربيني رحمه الله تعالى في الإقناع: [ (ويمنعون) أي الذكور المكلفون في بلاد المسلمين وجوباً. (من ركوب الخيل) لقوله تعالى: {ومِنْ رباطِ الخيلِ ترهبونَ به عدوَّ الله وعدوَّكم} فأمر أولياءه بإعدادها لأعدائه ولما في الصحيحين من حديث عروة البارقي: «الخيلُ معقودٌ في نواصِيها الخير إلى يومِ القيامِة].([14])
وقال في مغني المحتاج: [(ونمنعهم) وجوباً من (إحداث كنيسة) وبيعة وصومعة للرهبان وبيت نار للمجوس (في بلد أحدثناه) كبغداد والكوفة والبصرة والقاهرة، .... وروى البيهقي أن عمر رضي الله تعالى عنه لما صالح نصارى الشام كتب إليهم كتاباً «إنّهم لا يبنون في بلادهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا صومعة راهب» ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أيضاً ولا مخالف لهما من الصحابة، فإن بنوا ذلك هدم، سواء أشرط ذلك عليهم أم لا، ولو عاقدهم الإمام على التمكن من إحداثها فالعقد باطل.] ([15])
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى:[قلنا: ألا يترك أحد على غير دين الإسلام إلا من صح النص على إقراره، وأن النبي عليه السلام أقرهم، فأوجبنا ألا نقبل جزية ولا نقر على غير الإسلام من خرج من دين كتابي إلى دين كتابي آخر، ولا من دان آباؤه بعد مبعث النبي بدين كتابي انتقلوا إليه عن كفرهم، ولا من كان في أجداده أو جداته من أي جهة كان مسلم أو مسلمة وإن بعد وبعدت، ولا من سبي وهو بالغ، وسواء سبي مع أبويه أو مع أحدهما، ولا يترك كافر بتباعه أصلاً، ولا يقبل من كل من ذكرنا إلا الإسلام أو السيف، لأن الإسلام دين كل مولود، وقد قال عليه السلام: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } فحرم القبول من أحد غير الإِسلام إلا من جاء النص بتركه عليه، وأنه مخصوص من هذه الآية، والدلائل على هذا تكثر جدّاً. وقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } مخصوص بالنصوص الثابتة أن رسول الله أكره غير أهل الكتاب على الإسلام أو السيف، وأيضاً فإن الأمة كلها مجمعة على إكراه المرتد على الإسلام، والقوم الذين أخبر عز وجل أنهم أوتوا الكتاب، ثم أمر تعالى بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد، قد ماتوا وحدث غيرهم، والحس يشهد بأن هؤلاء الذين هم أبناء أولئك ليسوا الذين أوتوا التوراة والإنجيل والصحف والزبور، بل هم غيرهم بلا شك، فإنما أقروا بإقرار النبي لمن تناسل منهم، وأمر بذلك فيمن توالد منهم فقط، لا نص فيه فهو داخل في قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذا بين والله تعالى الموفق لا إله إلا هو، وقد نص تعالى على أنه لا يضيع عمل عامل منا من ذكر أو أنثى.] ([16])
وقال رحمه الله تعالى :[قلنا: قد صحّ أن الجهاد فرض علينا إلى ألا يبقى في الدنيا إلا مؤمن أو كتابي يغرم الجزية صاغراً بأمر الله تعالى لنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، ويؤمن المشركون كلهم، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويعطي أهل الكتاب الجزية وهم صاغرون. فالقتال ثابت علينا أبداً، حتى يكون ما ذكرنا، وحسبنا أنه فرض على الكفاية، وتركه للمطيق مكروه ما لم يقو للعدو، أو لم يستنفر الإمام، فأي ذلك كان، فالجهاد فرض على كل مطيق في ذات نفسه متعين عليه]([17])
قال المرداوي رحمه الله تعالى في الإنصاف: [باب أحكام أهل الذمة فائدة: لا يجوز عقد الذمة إلاّ بشرطين: بذل الجزية، والتزام أحكام الملة من جريان أحكام المسلمين عليهم.]([18])
وقال مرعي الكرمي رحمه الله تعالى:[باب عقد الذمة لا تعقد إلا لأهل الكتاب، أو لمن شبهة كتاب كالمجوس، ويجب على الإمام عقدها حيث أمن مكرهم، والتزموا لنا بأربعة أحكام: أحدها: أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، الثاني: أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بخير، الثالث: أن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين، الرابع: أن تجري عليهم أحكام الإسلام في نفس ومال وعرض وإقامة حد فيما يحرمونه كالزنا لا فيما يحلونه كالخمر.]([19])
أما المرتدين والزنادقة والكفار الوثنيين فلا يقرون بحال.
عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»([20]).
عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعِي رَجُلاَنِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، ... وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى اليَمَنِ " ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ،]([21]).
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «مَنْ تَرَكَ دِينَهُ أَوْ قَالَ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ، ]([22])
أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ , أَخْبَرَنَا مَالِكٌ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ , فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»([23])
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ , أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ , أَوْ نَفْسٍ بِنَفْسٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ]([24])
والأحاديث في قتل المرتد كثيرة وكذلك في كتب الفقه باب المرتد فليراجعها من شاء.
ثم أن الأمر بمقاتلة الناس حتى يؤمنوا أمر ثابت بالقرآن والسنة المتواترة فكيف يتم التعايش ويلغى أمر الله. قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } [البقرة: 193] وقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } [الأنفال: 39]
{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»([25]).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»([26]).
فالله تعالى قال قاتلوا ولم يقل تعايشوا والرسول صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل ولم يقل أمرت أن أتعايش وفق القوانين الدولية والمواطنة ....الخ
فالقتال مطلوب إلى أن نصل إلى ما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  ومختصر القول المطلوب قتال الكفار حتى يسلموا, ولأهل الكتاب أحكام قبول الجزية بشروطها من الصغار والرضى بأحكام الإسلام, فعن أي تعايش يتكلم دعاة التعايش مع الكفار هذا هو حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم والأصل بالمسلم الاستسلام لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما المستأمنين فلهم أحكامهم الخاصة كنت قد نشرتها في موقع أرض الرباط ومدونتي على أربع حلقات فليراجعها من شاء. كما أن هنالك كتب مستقلة في بحث هذه الأمور.
وأما الآيات التي استشهدتم بها فليست في مورد النزاع إنما هي تثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافة ولا مرية في هذا ولا يعني هذا التعايش إنما يعني أنه صلى الله عليه وسلم أرسل لكل الناس بل للإنس والجن فمن أسلم فهو أخونا له ما لنا وعليه ما علينا أخوة متحابين متناصرين ومن أبى فهو الكافر الذي له أحكام الكفار كل بحسبه ولقد خرج الإمام مسلم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام:
[عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»]([27]).
وهناك أقوال كثيرة للفقهاء وسقنا هذا كعينة وليس حصراً والله الهادي إلى سبيل الرشاد.


[1] - متفق عليه رواه البخاري برقم: 3053و رواه مسلم برقم 1637 والرواية للبخاري.
[2] - الموطأ برقم 1628
[3] - التاج والإكليل 1/599
[4] - نيل الأوطار كتاب الجهاد والسير.
[5] - شرح العمدة ج: 2 ص: 114
[6] - عون المعبود ج: 8 ص: 191
[7] - اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 277
 [8] - سنن الترمذي ج: 3 ص: 27 ومسند أحمد ج: 1 ص: 223برقم 1949 والأحاديث المختارة ج: 9 ص: 531 برقم 516 ومعتصر المختصر ج: 2 ص: 205
[9] - وفي رواية للبيهقي في سنن الكبرى ج: 9 ص: 208و أحمد مسند أحمد ج: 1 ص: 285
[10] - الأم 4/242
[11] - الأم 4/244
[12] - الأم 4/247
[13] - الأم 2/244
[14] - الإقناع 1/447
[15] - مغني المحتاج 4/307
[16] - الأحكام 2/106
[17] الأحكام1/262
[18] - الإنصاف 4/224
[19] - دليل الطالب 1/120
[20] - صحيح البخاري (4/ 61) 3017
[21] - صحيح البخاري (9/ 15) 6923
[22] - صحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 328) 4476
[23] - معرفة السنن والآثار (12/ 238) 16548, [ص:239]
[24] - معرفة السنن والآثار (12/ 239) 16552
 [25] - صحيح البخاري (1/ 14) 25
[26] - صحيح مسلم (1/ 52) 34 - (21)
 [27] - صحيح مسلم (1/ 134) 240 - (153)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.