موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الجمعة، 24 فبراير، 2012

الولاء والبراء (2)


الولاء والبراء (2)
رضوان محمود نموس
الأدلة من القرآن والسنة وأقوال العلماء على كفر أولئك الذين يوالون أعداء الله:
الدليل الأول: قال الله تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } ([1]).
قال ابن كثير في تفسير الآية [ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير: فيه تهديد, ووعيد شديد للأمة, عن اتباع طرائق اليهود, والنصارى, بعد ما علموا من القرآن والسنة عياذا بالله من ذلك, فإن الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ,والأمر لأمته, وقد استدل كثير من الفقهاء, بقوله حتى تتبع ملتهم: حيث أفراد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة, كقوله تعالى لكم دينكم ولي دين]([2]).
قال السمرقندي: [وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ ولا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، ...فأخبره الله تعالى أنهم لا يسلمون، ولن يرضوا عنه، حتى يتبع ملتهم فنهاه الله عن الركون إلى شيء مما يدعونه إليه. فقال تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، يعني دين الله هو دين الإسلام. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته، أي لئن اتبعت دينهم بعد ما جاءك من العلم، أي بعد ما ظهر أن دين الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ، أي من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ، أي مانع يمنعك منه]([3]).

وقال القشيري: [ {وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} لا تبال برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فأعلن التبري منهم، وأظهر الخلاف معهم، وانصب العداوة لهم، وأعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك ببالك، وادع إلى البراءة عنهم وعن طريقتهم  أمّتك، وكن بنا لنا، متبرّيا عمن سوانا، واثقا بنصرتنا، فإنّك بنا ولنا]([4]).
وقال الرازي: [{وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ }
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا صَبَّرَ رَسُولَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ وَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدِ انْزَاحَتْ مِنْ قِبَلِهِ لا مِنْ قِبَلِهِمْ وَأَنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ فِي الثَّبَاتِ عَلَى التَّكْذِيبِ بِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَوْمَ بَلَغَ حَالُهُمْ فِي تَشَدُّدِهِمْ فِي بَاطِلِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ولا يَرْضَوْنَ مِنْهُ بِالْكِتَابِ، بَلْ يُرِيدُونَ مِنْهُ الْمُوَافَقَةَ لَهُمْ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ شِدَّةَ عَدَاوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ وَشَرَحَ مَا يُوجِبُ الْيَأْسَ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَالْمِلَّةُ هِيَ الدِّينُ ثُمَّ قَالَ: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى بِمَعْنَى أَنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الإسْلامِ وَهُوَ الْهُدَى الْحَقُّ وَالَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى هُدًى وَهُوَ الْهُدَى كُلُّهُ لَيْسَ وَرَاءَهُ هُدًى، وَمَا يَدْعُونَ إِلَى اتِّبَاعِهِ مَا هُوَ بِهُدًى إِنَّمَا هُوَ هَوًى، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أَيْ أَقْوَالَهُمُ الَّتِي هِيَ أَهْوَاءٌ وَبِدَعٌ، بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ مِنَ الدِّينِ الْمَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالدَّلائِلِ الْقَاطِعَةِ. مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أَيْ مُعِينٍ يَعْصِمُكَ وَيَذُبُّ عَنْكَ، بَلِ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِذَا أَقَمْتَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ قَالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ يَجُوزُ مِنْهُ أَنْ يَتَوَعَّدَهُ عَلَى فِعْلِهِ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لا يَتَّبِعُ أَهْوَاءَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزُّمَرِ: 65] وَإِنَّمَا حَسُنَ هَذَا الْوَعِيدُ لاحْتِمَالِ أَنَّ الصَّارِفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ هُوَ هَذَا الْوَعِيدُ أَوْ هَذَا الْوَعِيدُ أَحَدُ صَوَارِفِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الْوَعِيدُ إِلا بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وَثَالِثُهَا: فِيهَا دلالَةٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى لا يَكُونُ إِلا بَاطِلا، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. وَرَابِعُهَا: ... لأنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ إِذَا اتَّبَعَ هَوَاهُ لَوْ كَانَ يَجِدُ شَفِيعًا وَنَصِيرًا لَكَانَ الرَّسُولُ أَحَقَّ بِذَلِكَ لأنَّ اتِّبَاعَ أَهْوَائِهِمْ كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر]([5]).
وقال أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة: [وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى أبدا بمجرد المؤانسة وإظهار المحبة وإرخاء العنان إياهم حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ التي ادعوا أحقيتها بل قد حصروا الأحقية والهداية عليها قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما على وجه التذكير وإمحاض النصح إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي يهدى به عباده هُوَ الْهُدى النازل من عنده ألا وهو دين الإسلام فاتبعوه لتهتدوا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ يا أكمل الرسل أنت ومن تبعك بعد ما أيستم أنتم عن اتباعهم بكم أَهْواءَهُمْ الباطلة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من لدنا على هدايتك وإهداء من تبعك ما لَكَ وقت تعلق مشية الله بمقتك وهلاكك مِنَ غضب اللَّهِ الهادي للكل إلى سواء السبيل مِنْ وَلِيٍّ يحفظك من الضلال وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك النكال]([6]).
وقال في البحر المديد: [وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الباطلة فرضاً وتقديراً بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بالله وبأحكامه على المنهاج القويم، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يمنعك منا، وَلا نَصِيرٍ ينصرك من غيرنا، أي: لا ولي ولا نصير لك إلا نحن حيث واليتنا، وأحببتنا، وأظهرت ملتنا، فنحن لك على ما تحب وترضى.
الإشارة: التماس رضى الناس من علامة الإفلاس، ولن يرضى عنك الناس حتى تتبع أهواءهم، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما تحققت ما هم فيه، إنك إذاً لمن الظالمين، فمن التمس رضى الناس وقع في سخط الله، ومن التمس رضى الله قطع يأسه من الناس.]([7]).
وقال القاسمي: [وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أي لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق. وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه، عليه السلام قُلْ لا يتبع رسول إلا الهدى، إِنَّ هُدَى اللَّهِ أي الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى أي فليس وراءه هدى. وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى. كما يعرب عنه قوله وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أمرك وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك عقابه. وإنما أوثر خطابه صلّى الله عليه وسلّم ليدخل دخولا أوليّا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، وطمعا في نصرتهم.
قال الإمام الرازيّ: وفي الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد. انتهى.
وفي فتح البيان ما نصه: وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه- ترك الدهان لتاركي العلم بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما. انتهى]([8]).
وقال السعدي: [ يخبر تعالى رسوله، أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى، إلا باتباعه دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ} الذي أرسلت به {هُوَ الْهُدَى}.
وأما ما أنتم عليه، فهو الهوى بدليل قوله {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}.
فهذا فيه النهي العظيم، عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب]([9]).
وقال سيد قطب: [«وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» .. فتلك هي العلة الأصيلة. ليس الذي ينقصهم هو البرهان وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت.. لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق.
إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان.. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة.. إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها. ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاماً شتى، في خبث ومكر وتورية. إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة. ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة.. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة- على حقيقتها- خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها. إنما أعلنوها باسم الأرض، والاقتصاد، والسياسة، والمراكز العسكرية.. وما إليها. وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها. فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها.. بينما هم في قرارة نفوسهم: الصهيونية العالمية والصليبية العالمية- بإضافة الشيوعية العالمية- جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً، فأدمتهم جميعاً!!! إنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا الغلة. ولا المراكز العسكرية. ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين. ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومنَّ إلا أنفسنا. ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- ولأمته، وهو- سبحانه- أصدق القائلين: «وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ»
فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه. وما سواه فمرفوض ومردود! ولكن الأمر الحازم، والتوجيه الصادق:
«قُلْ: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» ..
على سبيل القصر والحصر. هدى الله هو الهدى. وما عداه ليس بهدى. فلا براح منه، ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه، ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق.
«وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» ..
بهذا التهديد المفزع، وبهذا القطع الجازم، وبهذا الوعيد الرعيب.. ولمن؟ لنبي الله ورسوله وحبيبه الكريم! إنها الأهواء.. إن أنت ملت عن الهدى.. هدى الله الذي لا هدى سواه.. وهي الأهواء التي تقفهم منك هذا الموقف وليس نقص الحجة ولا ضعف الدليل]([10]).
وقال أبو زهرة [لذا قال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) أكد الله سبحانه وتعالى نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - باللام الدالة على القسم مع إن، وهما أشد ألفاظ التوكيد في بيان عاقبة الاتباع، وأنه إذا كان الاتباع المنهي عنه نهيا مؤكدا، فالعاقبة ألا يكون لمن اتبع أهواءه إلا أن ينزل عليه عقاب الله تعالى، ولا يكون له ولي محب يدفع عنه، ولا نصير ينصره من غير الله.
فمعنى النص السامي أنك أيها الرسول إن اتبعت أهواءهم فإنه من المؤكد أن العذاب نازل، ولا ينجيك منه ولي ولا نصير.
وهنا ملاحظتان بيانيتان: أولاهما - أن تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد به شخصه أولا وبالذات، إنما يقصد به أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن عليهم أن يحرصوا على مجانبتهم، وألا يغتروا بهم، وإنه في وقت ضعف النفوس المؤمنة يكون كيد هؤلاء مستمرا، دائمًا ومذهبا يصلون به إلى قلوب ضعاف الإيمان، فقد يميلون - وإن لم يكفروا - فيستحسنوا ما عندهم، وإنا نرى من ضعفاء الإيمان في عصرنا من يستحسنون كل ما عند النصارى واليهود، فإذا ذكرت أحوالهم استحسنوها، وإذا ذكرت مكارم المسلمين استهجنوها، حتى طمع أولئك الفجرة الفسقة في بعض المسلمين، فأخذوا يستهوونهم بكل الأساليب، وقَى الله أهل الإيمان منهم]([11]).
وقال الشوكاني في تفسير الآية: [وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب, وتتصدع منه الأفئدة, ما يوجب على أهل العلم؛ الحاملين لحجج الله سبحانه, والقائمين ببيان شرائعه, ترك الدهان لأهل البدع, المتمذهبين بمذاهب السوء, التاركين للعمل بالكتاب والسنة, المؤثرين لمحض الرأي عليهما, فإن غالب هؤلاء؛ وإن أظهر قبولا وأبان من أخلاقه لينا؛ لا يرضيه إلا اتباع بدعته, والدخول في مداخله, والوقوع في حبائله, فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله, لا ما هم عليه من تلك البدع؛ التي هي ضلالة محضة, وجهالة بينة, ورأي منهار, وتقليد على شفا جرف هار, فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي ولا نصير, ومن كان كذلك, فهو مخذول لا محالة, وهالك بلا شك ولا شبهة]([12]).
إذا كان هذا الوعيد برأي الشوكاني لمن يحاول إرضاء أهل البدع, فكيف بمن يتبع اليهود والنصارى في تشريعاتهم مثل الحكومات الخاضعة لتشريع الأمم المتحدة واليونيسكو واليونسيف والمحكمة الدولية ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة, وكل تشريعات هذه المؤسسات يهودية نصرانية؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
وكيف بمن ينادي أن الديمقراطية التي تؤله الشعب هي خياره الوحيد والنهائي ثم يزعم بعد ذلك أنه داعية نعم هو داعية ولكن ليس إلى الله ولكن على باب من أبواب جهنم فعن عُبَيْدِ اللّهِ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللّهِ عَنِ الْخَيْرِ. وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرَ. فَجَاءَنَا اللّهُ بِهَـذَا الْخَيْرِ. فَهَلْ بَعْدَ هَـذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ. وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي. تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: «نَعَمْ. دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ. مَنْ أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: «نَعَمْ. قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا. وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»([13]).
إن الله عز وجل يخبرنا في هذه الآية على جهة التأكيد والدوام، أن اليهود والنصارى لن يصطلحوا معنا، ولن يسالمونا أو يرضوا عنا، حتى نتبع نظامهم، ونسير في طريقهم ونترك حقنا إلى باطلهم ونترك الهدى الذي جاءنا من الله إلى أهوائهم وكفرهم وانحلالهم، فمن الغباء والجهل، بل من الكفر، أن يشك الإنسان في أخبار الله عز وجل عن نظرة الكفار للمؤمنين وإنه لا يتصور من المؤمنين أن يظنوا أن الكفار يتركون عداوتهم إن مثل هذا التصور هو عين الضلال والمشاقة لله ورسوله بل يتضمن عدم التصديق بإخبار الله عن الكافرين  
إن المعركة مع الكافرين معركة أبدية كما أخبر الله عز وجل ونحن نرى الدليل عليها في كل زمان ومكان، والكفار اليوم لن يرضوا عنا إلا باتباع مناهجهم وملتهم وملتهم الآن هي الديمقراطية والدولة المدنية والتعددية والمواطنة هذه هي ملتهم ومنهجهم فالداعي لهذه المبادئ هو ليس موالي للكفار فقط بل هو من دعاتهم ومن أتباعهم في أهوائهم ومن الذين تركوا هدى الله لهذه الأهواء كائن هذا الداعي من كان كبر اسمه أو صغر لبس بنطالاً أو جلباباً اسمه الدكتور أو الشيخ أو غير ذلك فالعبرة بالمعاني وليست بالمباني ويعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.
يتبع


[1] - البقرة(120)
[2] - تفسير ابن كثير 1/164
[3] - تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 89)
[4] - تفسير القشيري
[5] - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (4/ 29)
[6] - الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية (1/ 50)
[7] - البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (1/ 160)
[8] - تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 387)
[9] - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 65)
[10] - في ظلال القرآن (1/ 108)
[11] - زهرة التفاسير (1/ 388) محمد أبو زهرة
[12]  فتح القدير للشوكاني 1/135
[13] - مسلم برقم: (4740) ـ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.