موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

السبت، 24 نوفمبر، 2012

وإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً رضوان محمود نموس


وإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً
رضوان محمود نموس
كثيرون هم الذين يتخذون طريق الغي سبيلاً، ويعرضون عن طريق الرشد، وأسوأ هؤلاء الذين يذهبون إلى الغي بعد معرفتهم لطريق الرشد زهداً به، أو إعراضاً عنه، أو خوفاً من تحمل الحق، أو ضعفاً عن القيام بالواجب، أو إشفاقاً من مخالفتهم لأهل الغي، الذين يظنون بهم القوة! بعد أن عميت أبصارهم عن قوة الله وقدرته.
يبحثون عن طرق للتلفيق بين الحق والباطل، وعن تلمس الهدى حيث مواطن الضلالة، أعرضوا عن هداية الله لعجزهم عن فهمها، أو لعدم قدرتهم على تحمل مشاق الطريق، فاختاروا ما يظنونه هيناً وهو الهلاك والضياع، ضياع في الدنيا وضياع في الآخرة، فلا الحق نصروا ولا الهداية التزموا.
كتاب الله بين أيديهم ويروِّجون لدين أمريكا الديمقراطي، ويسوقونه ويحسَّنونه ويحسبون أنهم مهتدون {اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف: 30]
هؤلاء الذين يأمرون بالمنكر، ويدعون إليه، ويحاربون الحق ويثبطون عنه، قد قال الله في أمثالهم: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } [التوبة: 67، 68]
تخلوا عن هدى الله وساروا وراء الشيطان، لم يرفعوا بهدى الله رأساً ولم يتخذوه هادياً.
قال الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * } [البقرة: 1 - 2]
إن هذا القرآن هدى للمتقين، الموقنين به المصدقين له، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يتبعون إلا هدى الله، قال الله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]
وإذا لم يضل فهو متبع مهتد، وإذا لم يَشْقَ فهو مرحوم. وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين. فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوباً عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالين، فتبين أن أهل رهبة الله يكونون متقين لله، متبعين لكتابه ولسنة رسوله، لا يقدمون أهواءهم أو أهواء سادتهم على كتاب الله، ولا يردون كلام الله إرضاء لقوى الكفر كما فعل سلفهم عندما قالوا كما أخبرنا تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] بل شعار المؤمنين {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13] وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب.
ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] ، والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كل من خشي الله فهو عالم، وكل من خشي غير الله فهو إما جاهل أو منافق.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [آل عمران: 101]
وأما الذين يخشون أن تصيبهم دائرة، ويرون من أنفسهم الضعة والذلة والهوان، فلا يستفيدون من آيات الله قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]
وقال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً} [الإسراء:82] الظالم الذي ترك الاهتداء به تزيده آيات الله وبيناته بعداً وإعراضاً وتعلقاً بالطواغيت، والتجاءً إلى قوى الكفر العالمية، وسيراً بركابها، فيزداد بذلك ضلالاً على ضلاله، وقد قال جل وعلا في صفة هؤلاء {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146]
فمهما كانت الأدلة واضحة والبينات ساطعة، لا يهتدون ولا يتحملون تبعة الهداية وتوحيد الله، حتى لا تغضب عليهم طواغيت الأرض وفراعينها، وقالوا كما قال سلفهم عندما أخبرنا الله بهم : {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } [القصص: 57]
يَرَى الْجُبَنَاءُ أَنَّ الْجُبْنَ حَزْمٌ ... وَتِلْكَ خَدِيعَةُ الطَّبْعِ اللَّئِيمِ

فَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَالصَّلَاحُ وَالْفَسَادُ، وَالْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، وَالْفَضِيلَةُ وَالرَّذِيلَةُ، كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى عِنْدَ الْأَشْرَارِ، ولكن عدم الثقة بالله والتمسك بالأعراض، والرهبة من الوسائل المادية بأيدي الكفار، جعلهم معكوسي العقل، منكوسي الفطرة فاسدي الطباع، يعبدون الله على حرف، يقبلون الشرك ويرضوه؛ ويتركون الخير ويأبوه، ويرغبون عن الحق كما قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]
 يعرضون عن القرآن، وعن سنة سيد ولد عدنان، ويتمسكون بدين اليونان والأمريكان، يصرحون وبكل وقاحة وسفه: (نحن الآن نريد دولة ديمقراطية مدنية، وتطبيق الشريعة وإقامة حكم الله متروك لخيار الشعب) فإذا لم يكن هذا الكفر عينه! فلا أدري ما هو الكفر؟؟ ويزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون واعون محنكون سياسيون! ونسوا أن الله تعالى قال بأمثالهم:{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37].
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 60 - 65]
وما جاءهم هذا البلاء واستفحل فيهم هذا الداء إلا من إلف الطواغيت، وموادتهم للكافرين، ومعاداتهم للمجاهدين، وتزلفهم للمرتدين، بل أصبحوا من الدعاة إلى الطاغوت وتحسين دينه وتقرير أفكاره ومعاداة أعدائه وطمعهم بدنياه!، مما أمات عندهم الإيمان، والتوكل على الرحمن، فاجتمعت الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَمَّ هَؤُلَاءِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [وَفِي النُّفُوسِ مِنْ الشُّبُهَاتِ الْمَذْمُومَةِ وَالشَّهَوَاتِ قَوْلًا وَعَمَلًا مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَأَهْلُهَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهَا، وَيَقْهَرُونَ مَنْ يَعْصِيهِمْ، وَيُزَيِّنُونَهَا لِمَنْ يُطِيعُهُمْ. فَهُمْ أَعْدَاءُ الرُّسُلِ وَأَنْدَادُهُمْ، فَرُسُلُ اللَّهِ يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَيُجَاهِدُونَ عَلَيْهَا، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَيُحَذِّرُونَهُمْ مِنْهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَيُجَاهِدُونَ مَنْ يَفْعَلُهَا. وَهَؤُلَاءِ يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِهَا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَيُجَاهِدُونَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثُمَّ قَالَ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} . وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَمَرَنَا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَنْ لَا يَعْلَمُ الْمَعْرُوفَ لَا يُمْكِنُهُ الْأَمْرُ بِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ فَمَنْ لَا يَعْلَمُهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِعْلَ الْمَعْرُوفِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ حُبَّ الشَّيْءِ وَفِعْلَهُ وَبُغْضَ ذَلِكَ وَتَرْكَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِمَا، حَتَّى يَصِحَّ الْقَصْدُ إلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِعِلْمِهِ، فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّيْءَ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ حُبٌّ لَهُ وَلَا بُغْضٌ وَلَا فِعْلٌ وَلَا تَرْكٌ؛ لَكِنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ وَالْأَمْرَ بِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُعْلَمَ عِلْمًا مُفَصَّلًا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُهُ وَالْأَمْرُ بِهِ إذَا أُمِرَ بِهِ مُفَصَّلًا. وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعْرِفَةَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ] مجموع الفتاوى (15/ 337)
ودعاة الدين اليوناني الأمريكي من الديمقراطية والدولة المدنية، الخائفون من إعلان خلافة إسلامية، الذين هم أمام الطغاة أذل من الفأر، وأحقر من الجعلان، لا يملكون إلا الخضوع والتذلل وتقبيل النعال، فإذا كانوا أمام المجاهدين أرادوا أن يجعلوا من أنفسهم أسوداً، غرهم حلم المجاهدين وانصرافهم لمقارعة الطاغوت الأكبر.
فتطاول البغاث وظنوا في أنفسهم -لما أن شجعتهم قيادة الكفر العالمية على الهجوم على المجاهدين- ظنوا أنهم بزاة! لأن وراءهم أمريكا، ولا يعلمون لماذا هي وراءهم وماذا تصنع وراءهم؟.
لقد انسلخ هؤلاء عن دين الله، والتحقوا بدين أمريكا، فغدوا كما وصفهم الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 175 - 178] 
وهذا مثال ينطبق على كل من عرف الحق وتركه وتبنى غيره، لشهوة أو رغبة، أو مسايرة للطواغيت كما ساير بلعام قومه، وهذا الصنف من الناس شيخهم في هذه الخصلة وإمام طريقتهم إبليس اللعين الذي رفض اتباع الحق بعدما عرفه، وكذلك يهود الذين رفضوا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعدما عرفوه، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] ولقد تخوف الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع على أمته، عن حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ اعْتَزَلَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ"، وهو مثل مضروب لكل من تعلم العلم ووعاه، لكنه لم ينتفع به، ولم يعمل بموجبه، بل أخلد إلى متاع من متاع الدنيا، وسار خلف شهواته، وما تهواه نفسه، دون ما يرضي ربه، فهو ملازم لغيه وضلاله حال جهله، وحال تعلمه، لم ينتفع بالعلم فيترك الغي، فهو في ذلك أشبه بالكلب الذي لا ينتفع بالراحة، فيترك اللهث، فهو ملازم للهث حال راحته وحال تعبه، أعاذنا الله من الخذلان، وأسباب الضلال والحرمان.
وعلى ذلك فالعلماء الذين لم يعملوا كما أمرهم الله، بموالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم والاعتصام بحبل الله مع المؤمنين، وفي الجانب الآخر يقومون بمعاداة المشركين وبغضهم وجهادهم، وفراقهم، فإنهم إذا لم يكونوا بهذا الوصف، فقد انسلخوا من آيات الله واستحقوا الوصف المهين.
وصاروا من أتباع الشياطين، فإن كل من يعرض عن آيات الله يؤول مصيره إلى مثل ما صار إليه ذلك الرجل، وفي ذلك دلالة على تخلي الله عن المكذبين بآياته، وتركهم فريسة للشيطان يوجههم كيف شاء، كما في قوله تعالى: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
فالذين يعرضون عن الله تستهويهم الشياطين، فيسارعون إليها في معصيتهم لله، فيصبحون حيارى تائهين في الأرض، وهي صورة بليغة رسمها القرآن لكل معرض عن هدى الله سبحانه وتعالى.
وهكذا يتبين لنا أنه لا سلطان للشيطان على الناس، وإنما استجاب له بعضهم بمجرد دعوته إياهم، جرياً وراء أهوائهم وأغراضهم وشهواتهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا ما بأيديهم واستأسروا له، ومكنوه من ظهورهم وأسلموه قيادهم سلطه الله عليهم عقوبة لهم، وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]، فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، بمعصية الرسول ومخالفته، وعصيان أمر الله والإعراض عنه.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» مسند أحمد مخرجا (1/ 288) 143
والمثل الثاني لهؤلاء المعرضين عن دين الله، المتبعين دين أمريكا الديمقراطي، والداعين إليه، في سورة الجمعة؛ حيث قال سبحانه وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5] فجعل إعراضهم عن مقتضى ما حملوه من العلم، ومقتضى ذلك أنهم لم ينتفعوا بما حملوه ولم يلقوا له بالاً، ولم يعيروه انتباهاً، بل صرفوا همتهم لاتباع دين أمريكا، والدعوة إليه والذب عنه وتحسينه بين العوام؛ لأنهم لو كانوا صادقين مصدِّقين لهذا العلم الذي حملوه لعملوا به، فلا يمكن لإنسانٍ يصدق ويعتقد ما يحمله من العلم أن يتخلى ويعرض عنه ويتبع غيره مما تحمله الخنازير.
والمهم أن كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بينا العلم النافع، وبينا أهله بياناً واضحاً شافياً، وميَّزا ذلك عما يلتبس بهما من مدعي العلم، الذين هم في الحقيقة دعاة على أبواب جهنم يدعون الناس إلى النار بأفعالهم، وبآرائهم وأقوالهم؛ حيث إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويسوِّغون للناس الشرّ والضلال.
قال ابن عباس: في تفسير الآية "كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها ".
فكل من عرف الحق من الدين ولم ينقد إليه ولم يعمل به فهو كافر ككفرهم، وهو ملعون كما لعنوا، قال تعالى في حق هؤلاء: {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} وهذه شاملة الفريقين.
وهذا هو مثل السوء أجارنا الله منه، وهو ما ضربه الله لمن كلفه بحمل كتابه عملاً ونصحاً وتبليغاً فتقاعس عن حمله، فشبه من لم ينتفع بما أنزل الله عليه بحمله الصحيح بـ (الحمار) الذي يحمل الكتب ولا يستفيد منها.
فالله عز وجل من سنته أن لا يهدي الذي ظلم نفسه بالامتناع عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق، ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، إتباعاً لهواه وشهوته، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضل ضلالاً بعيداً.
قال ابن القيم في الأمثال في القرآن (ص: 26)
[ومنها قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فقاس سبحانه من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته ].
فهل يؤوب هؤلاء السائرون بركب الدين الأمريكي الديمقراطي، ويحدثوا توبة نصوحاً يعودون بها إلى الله أم أنه {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.