موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأحد، 25 نوفمبر، 2012

لا تكونوا أجراء الطاغوت وعصابته(46)


لا تكونوا أجراء الطاغوت وعصابته(46)
رضوان محمود نموس
لقد تكلم الباحث في الحلقة السابقة حكم الشرع فيمن يشرع من دون الله ويبدل أحكام الله بعدما ثبت بالأدلة قيام المملكة السعودية بالتشريع من دون الله وإلزام الرعية بهذه القوانين الوضعية كما تفعل سائر الدول التي يحكمه حكام مرتدون. ويتابع في هذه الحلقة في نفس السياق.
40- قال عبد القادر عودة: [ ومن الأمثلة على الكفر بالامتناع في عصرنا الحاضر الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلاً منها والأصل في الإسلام أن الحكم بما أنزل الله واجب وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم ونصوص القرآن صريحة وقاطعة في هذه المسألة ] ([1]).
وقال: [ حكم القوانين المخالفة للقرآن والسنة: والأصل في ذلك أن الأوامر والنواهي لم تجئ عبثاً وأن الله أنزل كتابه وأرسل رسله للناس ليطيعوه ويعملوا بما جاء به فمن عمل بما جاء به الرسول فعمله صحيح لأنه وافق أمر الشارع ومن خالف فقد بطل عمله لمخالفته أمر الشارع والله تعالى يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} ويقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ويقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}... إن الله أمر باتباع الشريعة الإسلامية ونهى عن اتباع ما يخالفها فلم يجعل لمسلم أن يتخذ من غير شريعة الله قانوناً وجعل كل ما يخرج على نصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية محرماً تحريماً قاطعاً على المسلمين بنص القرآن الصريح حيث قسم الله الأمر إلى قسمين لا ثالث لها إما الاستجابة لله وللرسول واتباع ما جاء به الرسول وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو الهوى بنص القرآن وذلك قوله تعالى:{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه}.
كذلك قسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين لا ثالث لهما، أولهما الحق وهو الوحي الذي أنزل على رسله، وثانيهما الهوى وهو كل ما يخالف الوحي حيث قال جل شأنه { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } فقسم الأمر بين الشريعة التي جعل رسوله عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة الإسلامية باتباعها وبين أتباع أهواء الذين لا يعلمون وأمر بالأول ونهى عن الثاني وقال جل شأنه: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }  وهكذا قطعت نصوص القرآن في تحريم كل ما يخالف النصوص الشرعية صراحة أو ضمناً وكل ما يخالف مبادئها العامة أو روحها التشريعية ونهت نهياً جازماً عن العمل بغير الشريعة واعتبرت العامل بغير الشريعة متبعاً هواه منقاداً إلى الضلال مضلاً لغيره ظالماً لنفسه كافراً بما أنزل الله متخذاً لنفسه أولياء من دون الله. ]  ([2]).
41- يقول سيد قطب: [ ووجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة. فالأمة المسلمة ليست أرضا كان يعيش فيها الإسلام وليست قوما كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي. وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا ] ([3]).

ويقول أيضا: [ إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة وهذا الإبداع المادي الفائق. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابا لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن به الله، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده. ] ([4]).
ويقول: [ إن الإسلام هو أولا إقرار عقيدة لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية في أمرهم كله وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم ] ([5]).
ويقول أيضا: [ والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام -على مدار التاريخ البشري- هي قاعدة: (شهادة أن لا إله إلا الله) أي إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية، إفراده بها اعتقادا في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا إله إلا الله لا توجد فعلا ولا تعتبر موجودة شرعا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودا جديا حقيقيا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلما أو غير مسلم ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون في أي شأن من شؤونها ولا في أي جانب من جوانبها من عند أنفسهم، بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه وهو رسول الله وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول: (شهادة أن محمدا رسول الله).
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها وهي تنشئ منهجا كاملا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها يواجه بها المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى]([6]).
ويقول: [ إن هذا الدين إعلان لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه وربوبيته للعالمين، إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناه الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتحرر الكامل من كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور أو بتعبير آخر مرادف الألوهية فيه للبشر في صورة من الصورة ومصدر السلطات فيه هم البشر هو تأليه للبشر بجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد، إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بالتعبير القرآني الكريم: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله }.{ إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم}]([7]).
ويقول: [ فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصا بها وعملا سواء ادعـاها قولا أم لم يعـلن هذا الادعاء وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الـحق فقد اعترف له بحـق الألوهية سواء سماها أم لم يسمها ! ]([8]).
ويقول: [ إن مدلول الحاكمية في التصور الإنساني لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده والتحاكم إليها وحدها والحكم بها دون سواها، إن مدلول الشريعة في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه. إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول الشريعة والتصور الإسلامي.
إن شريعة الله تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الحكم وأصول الأخلاق وأصول السلوك وأصول المعرفة أيضا، وفي هذا كله لا بد من التلقي عن الله كالتلقي في الأحكام الشرعية ]([9]).
ويقول: [ إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر وليس دون الإسلام إلا الجاهلية وليس بعد الحق إلا الضلال]([10]).
ويقول في كتابه هذا الدين: [ ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ابتداء لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام فركن الإسلام الأول أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وشهادة أن لا إله إلا الله معناها القريب: إفراد الله سبحانه بالألوهية وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد وحق وضع المناهج لحياتهم وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة، فشهادة (أن لا إله إلا الله)لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجري عليه الحياة البشرية وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر دون سواه وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس فقد ادعى حق الألوهية عليهم بادعائه أكبر خصائص الألوهية، وكل من أفرد منهم على هذا الادعاء فقد اتخذه إلها من دون الله بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية... وشهادة أن محمدا رسول الله معناها القريب التصديق بأن هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله هو حقا منهج الله للحياة ومن ثم فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام التي ندعيها وهي لا تتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهذه الشهادة لا تقوم إلا بإفراد الله بالألوهية، وإفراده بحق وضع منهج الحياة ومحاولة تحقيق ذلك المنهج الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ] ([11]).
42- أبو الأعلى المودودي:
لقد ركز المودودي في كتبه ورسائله وخطبه على الحقيقة الناصعة وهي أن الحاكمية لله عز وجل وهي من أخص خصائص الألوهية، وأن من يدعي لنفسه حق التشريع والحاكمية فقد جعل نفسه إلها والمتبعون يعبدونه فقال: [ حاكمية الله القانونية: ولأجل كل هذا قد بت الإسلام في مسألة الحاكمية القانونية وقضى أنها لله تعالى وحده الذي لا يقوم هذا الكون ولا تسير شؤونه إلا على حاكميته الواقعية، والذي له حق الحاكمية على الناس من غير مشارك ولا منازع. وذلك ما بينه القرآن, وأبدأ في ذكره وأعاد في ما لا يكاد يعد من آياته وبقوة من البيان لا يمكن أن يؤتى بمثلها لإثبات أمر ما، فقال:  { إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم }وقال في موضع آخر{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }وقد عبر عن الانحراف عن حاكمية الله القانونية بالكفر الصريح في آية ثالثة حيث قال:{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ويتضح وضوحا تاما من هذه الآية إن الإسلام والإيمان إنما هما عبارة عن التسليم بحاكمية الله القانونية والإذعان لها, وما الجحود بها إلا كفر صريح.
- منزلة الرسول: وممثلو هذه الحاكمية القانونية لله تعالى هم الأنبياء والرسل في هذه الدنيا أي أن الأنبياء والرسل هم الوسيلة التي بها نعلم ما وضع لنا شارعنا. Legal Soveriengn) (من قانون أو شريعة, ولأجل ذلك قد كلف الإسلام أبناءه أن يطيعوا الرسل طاعة تامة والله تعالى ما أرسل إلى أمة من أمم الأرض رسولا إلا وأعلن فيهم { اتقوا الله وأطيعون } وقد جعل القرآن هذا مبدأ قاطعا من مبادئه. { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقال:{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } حتى إن القرآن ليأبى أن يسلم بإسلام رجل لا يسلم بكون الرسول هو المرجع الأخير فيما يختلف في الناس من أمورهم، فقال { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} وقال:{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا }
فلا يبقى بعد هذا عند الرجل منزع للشك أن الإسلام ليست الحاكمية القانونية التامة فيه إلا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
 ما الحاكمية السياسية إلا لله تعالى وحده:
هذا وقد تبين لكم رأي الإسلام وحكمه الواضح الصريح في المسألة الدستورية المهمة, وربما يسألني سائل:(فلمن الحاكمية السياسية " Political Soverienty  " إذن؟) فالجواب الوحيد الصريح لهذا السؤال ( أنها لله تعالى) ولا يمكن أن يكون لهذا السؤال جواب آخر، لأن أي وكالة " Agency" تقوم لتنفيذ حاكمية الله تعالى بالقوة السياسية، لا يمكن أن يقال لها بلغة السياسة والقانون ذات حاكمية " Soveriengn " بوجه من الوجوه ومن الظاهر أن القوة التي لا تحوز الحاكمية القانونية والتي يضيق صلاحياتها قانون أعلى لا قبل لها بالتغيير فيه، ولا يمكن أن تكون حاملة للحاكمية، أما ما هي الكلمة التي يعبر بها عن منزلتها الصحيحة الحقيقية؟ فهذا سؤال قد أجاب عليه القرآن فنراه يعبر عن منزلتها بكلمة (الخلافة) أي ليست هذه القوة أو السلطة نفسها بالحاكم الأعلى وإنما هي نائبة عن الحاكم الأعلى – وهو الله عز وجل ] ([12]).



[1]  - التشريع الجنائي في الإسلام (2 / 708 - 709).
[2] - يراجع كتاب الإسلام وأوضاعنا القانونية عبد القادر عودة, ص / 56 وما بعدها.
[3] - معالم في الطريق، ص / 5 - 6.
[4] - المصدر السابق، ص / 8 - 9.
[5] - المصدر السابق، ص / 35.
[6] - المصدر السابق، ص / 48 - 49.
[7] - المصدر السابق، ص /59 - 60.
[8] - المصدر السابق، ص / 80.
[9] - المصدر السابق، ص /123-124.
[10] - المصدر السابق، ص / 147.
[11] - هذا الدين، ص / 15 - 16.
[12] - نظرية الإسلام وهديه في السياسة  والقانون والدستور, للمودودي, ص / 251 - 259.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.