موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الخميس، 22 نوفمبر 2012

رسائل إلى أهل الثغر (9) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)


رسائل إلى أهل الثغر (9)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
رضوان محمود نموس
أخوتي أهل الثغر؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم أن يجعل قلوبنا جميعاً مرتبطة بالله, تستضيء بكتابه جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, ويوفقنا وإياكم لطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ما زلنا نستلهم الوصايا للمجاهدين من سورة الأنفال "سورة الجهاد" فبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بإصلاح ذات البين, ووجَّهَهم لقارب النجاة في الدنيا والآخرة, وهو طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) فلا بد من ربط الباطن بالظاهر, وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بجوارحنا وقلوبنا.
والقلب هو ملك الأعضاء كلها وهو مسيرها وباعثها للعمل إن صالحا ًأو فاسداً.
ولقد حض الله تعالى على استخدام القلوب في التبصر بآيات الله قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: 46]
فبين سبحانه وتعالى أن سبب الضلال هو عمى القلوب. وزاد سبحانه بياناً أن عدم فقه القلوب واستخدامها بالطاعة هو سبب دخول جهنم, بل يصيح الإنسان أضل من البهائم, فالبهائم تبصر بعيونها, وتأكل وتتمتع وتمرح في المراعي, وتتناكح وتدافع عن نفسها, وتأوي إلى الحظائر أو المغائر وتنام ولكنها لا تستخدم قلوبها وتعمل لإعلاء كلمة الله وللجهاد في سبيل الله وهذا هو الفارق بين البهائم والإنس والجن.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف: 179]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم موضحاً مكانة القلب كما روى النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ "([1]).
فصلاح القلب صلاح الإنسان, وفساد القلب فساد الإنسان, لذا قال في سورتنا سورة الأنفال في وصف المؤمنين المجاهدين  (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) وقال تعالى في موضع أخر {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]
ولقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الذين قلوبهم وجلة:
 عن عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}([2]).
فالقلب هو قيادة الأركان العامة للإنسان, وقراراته هي التي تشكل مصير ذلك الإنسان, إما نصر على الهوى والشيطان ودخول الجنة, وإما هزيمة أمام الهوى والشيطان ودخول النار, فإذا كانت هذه القيادة العامة مؤهلة عالمة مدربة مزودة بالعلم الحقيقي والاستطلاع الصحيح وتملك أدوات اتخاذ القرار المناسب, وجهزت القوى والوسائط المناسبة للمعركة, فالنصر حليفها, وإن كانت غافلة نائمة مسوفة فالهزيمة بانتظارها.
وهذه القيادة هي محط نظر الله سبحانه وتعالى, فلتعلم من ينظر إليها, ولتسعى أن تكون بالشكل الذي يرضي الله الذي ينظر إليها سبحانه وتعالى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»([3]).
وعَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَعَظَنَا، فَذَكَّرَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ: «مَهْ» فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ»([4]).
وأهم عوامل النصر لهذه القيادة العامة حددها لنا الله سبحانه وتعالى: قال الله تعالى:

وقال الله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]
وقال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [الحج: 34، 35]
وقال الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54]
وقال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ق: 37]
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } [الحجرات: 3]
وقال الله تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]
وقال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]
وقال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: 7، 8]
وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10]
وقال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]
{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [آل عمران: 126]
فمجمل الأمور التي حددها الله تعالى للقيادة العامة حتى تكون منتصرة هي:
1-           الإيمان.
2-           الارتباط بالله سبحانه وتعالى والمحافظة على ذكره بالقلب واللسان ومراقبته بكل الأحوال.
3-           الإخبات, وقال العلماء في معنى الإخبات: المخبتين; يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته, وجلا من عقابه, وخوفا من سخطه.والمطمئنين المخلصين الخائفين من الله المتذللين لله.
4-           العلم بوحي الله وأمره ونهيه.
5-           اليقين بوعد الله.
6-           متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على هديه.
7-           الخشوع لله.
8-           عدم موالاة الكفار ولو كانوا أقرب الأقربين.
9-           إرجاع الأمر كله لله وعدم التقديم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وترك المتشابه والإيمان المطلق.
10-     عدم الغل للمؤمنين.
11-     تعظيم شعائر الله.
12-     العمل بالوحي والانتفاع به.
13-     الطمأنينة لوعد الله وحكمه وقضائه وقدره.
فعندما تتمسك القيادة بهذه التعليمات يأتيها نصر الله, ويمنحها نور تبصر به, ويرضى عنها وهو الفوز العظيم.
قال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 18، 19]
وقال الله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } [الكهف: 13، 14]
وقال الله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]
وقال الله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 7]
أما قيادة الأركان العامة المعرضة (القلب الغافل) عن هذه التعليمات ستفشل وإن ظنت أنها ناجحة, وما ذاك إلا لضعف بصرها وجهلها بحقيقة النصر والهزيمة, فتعيش كما وصفها الله تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63]
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف: 179]
وقال الله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } [البقرة: 7]
وقال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}[البقرة: 10]
 وقال الله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]
وقال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } [آل عمران: 7]
وقال الله تعالى: {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ } [آل عمران: 156]
وقال الله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167]
وقال الله تعالى:  {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 41]
وقال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25]
وقال الله تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } [الأنعام: 43]
وقال الله تعالى: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } [التوبة: 8]
وقال الله تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } [التوبة: 45]
وقال الله تعالى: {نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 77]
وقال الله تعالى: {قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ } [النحل: 22]
وقال الله تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 3]
وقال الله تعالى: {قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الأحزاب: 26]
وقال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} [الفتح: 26]
وقال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المطففين: 14]
وقال الله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]
وهذه مواصفات قيادة الأركان الفاشلة المهزومة :
1-           تعيش في عمىً.
2-           لاهية عابثة.
3-           مرتابة.
4-           تعيش في حسرات على ما فاتها من منكرات وصغائر.
5-           لا تستفيد مما أتاحه الله سبحانه لها من سمع وبصر بل تستخدم هذه الإمكانات في الموبقات والنظر إلى الحرام وسماع الحرام والتفكر في الحرام.
6-           تعيش في أمراض مزمنة.
7-           يستهويها الكذب والنفاق.
8-           تهوى الظلام وتعشق العتمة.
9-           ألفت الران.
10-     تعيش في حالة رعب دائم, رعب من الفقر, رعب من العدو, رعب من فوت اللذات, كل حياتها رعب.
11-     منكرة للحق.
12-     أورثها ذلك قسوة وغلظة.
وكان من نتيجة هذه المواصفات والخصائص التي حرصت عليها أن حرمت الفهم والفقه والسمع الصحيح, لأن الله صرفها عن الحق بما كسبت, وهي أكبر خسران, أن يعرض المولى عن هذه القيادة التعيسة التي سببت لنفسها الزيغ والهلاك.
قال الله تعالى: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]
وقال الله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } [الأعراف: 100]
وقال الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 63]
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [الصف: 5]
وقد بحث الإمام ابن تيمية رحمه الله حال القلوب فقال: [ وَكَذَلِكَ مرض الْقلب هُوَ نوع فَسَاد يحصل لَهُ, يفْسد بِهِ تصَوره وإرادته, فتصوره بِالشُّبُهَاتِ الَّتِي تعرض لَهُ حَتَّى لَا يرى الْحق أَو يرَاهُ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ, وإرادته بِحَيْثُ يبغض الْحق النافع وَيُحب الْبَاطِل الضار, فَلهَذَا يُفَسر الْمَرَض تَارَة بِالشَّكِّ والريب كَمَا فسر مُجَاهِد وَقَتَادَة قَوْله تعالى في الْبَقَرَة {فِي قُلُوبهم مرض} أَي شكّ, وتارة يُفَسر بشهوة الزِّنَا, كَمَا فسر بِهِ قَوْله تعالى في الْأَحْزَاب {فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض} وَلِهَذَا صنف الخرائطي كتاب اعتلال الْقُلُوب أَي مَرضهَا, وَأَرَادَ بِهِ مَرضهَا بالشهوة وَالْمَرِيض يُؤْذِيه مَالا يُؤْذِي الصَّحِيح, فيضره يسير الْحر وَالْبرد وَالْعَمَل وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي لَا يقوى عَلَيْهَا لضَعْفه بِالْمرضِ, وَالْمَرَض فِي الْجُمْلَة يضعف الْمَرِيض بِجعْل قوته ضَعِيفَة لَا تطِيق مَا يطيقه القوى, وَالصِّحَّة تحفظ بِالْمثلِ وتزال بالضد, وَالْمَرَض يقوى بِمثل سَببه وَيَزُول بضده, فَإِذا حصل للْمَرِيض مثل سَبَب مَرضه زَاد مَرضه وَزَاد ضعف قوته حَتَّى رُبمَا يهْلك, وَإِن حصل لَهُ مَا يقوى الْقُوَّة ويزيل الْمَرَض كَانَ بِالْعَكْسِ, وَمرض الْقلب ألم يحصل فِي الْقلب...فالقلب يَمُوت بِالْجَهْلِ الْمُطلق, ويمرض بِنَوْع من الْجَهْل, فَلهُ موت وَمرض وحياة وشفاء, وحياته وَمَوته ومرضه وشفاؤه أعظم من حَيَاة الْبدن وَمَوته ومرضه وشفائه, فَلهَذَا مرض الْقلب إِذا ورد عَلَيْهِ شُبْهَة أَو شَهْوَة قوت مَرضه, وَإِن حصلت لَهُ حِكْمَة وموعظة كَانَت من أَسبَاب صَلَاحه وشفاءه, قَالَ تَعَالَى {ليجعل مَا يلقى الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض} لِأَن ذَلِك أورث شُبْهَة عِنْدهم, والقاسية قُلُوبهم ليبسها, فَأُولَئِك قُلُوبهم ضَعِيفَة بِالْمرضِ فَصَارَ مَا ألْقى الشَّيْطَان فتْنَة لَهُم, وَهَؤُلَاء كَانَت قُلُوبهم قاسية عَن الإيمان فَصَارَ فتْنَة لَهُم وَقَالَ {لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة}..{فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض وَهُوَ مرض الشَّهْوَة, فَإِن القلب الصحيح لَو تعرضت لَهُ الْمَرْأَة لم يلْتَفت إِلَيْهَا بِخِلَاف الْقلب الْمَرِيض بالشهوة فَإِنَّهُ لضَعْفه يمِيل إِلَى مَا يعرض لَهُ من ذَلِك بِحَسب قُوَّة الْمَرَض وَضَعفه, فَإِذا خضعن بالْقَوْل طمع الَّذِي فِي قلبه مرض, وَالْقُرْآن شِفَاء لما فِي الصُّدُور, وَمن فِي قلبه أمراض الشُّبُهَات والشهوات فَفِيهِ من الْبَينَات مَا يزِيل الْحق من الْبَاطِل فيزيل أمراض الشُّبْهَة الْمفْسدَة للْعلم والتصور والإدراك بِحَيْثُ يرى الأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ, وَفِيه من الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة بالترغيب والترهيب والقصص الَّتِي فِيهَا عِبْرَة مَا يُوجب صَلَاح الْقلب, فيرغب الْقلب فِيمَا يَنْفَعهُ ويرغب عَمَّا يضرّهُ, فَيبقى الْقلب محبا للرشاد مبغضا للغي, بعد أَن كَانَ مرِيدا للغي مبغضا للرشاد, فالقرآن مزيل للأمراض الْمُوجبَة للإرادات الْفَاسِدَة حَتَّى يصلح الْقلب فتصلح إِرَادَته وَيعود إِلَى فطرته الَّتِي فطر عَلَيْهَا كَمَا يعود الْبدن إِلَى الْحَال الطبيعي, ويغتذي الْقلب من الإيمان وَالْقُرْآن بِمَا يُزَكِّيه وَيُؤَيِّدهُ ,كما يتغذى الْبدن بِمَا ينميه ويقويه, فَإِن زَكَاة الْقلب مثل نَمَاء الْبدن, وَالزَّكَاة فِي اللُّغَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة فِي الصّلاح يُقَال زكا الشَّيْء إِذا نما فِي الصّلاح, فالقلب يحْتَاج أن يتربى فينمو وَيزِيد حَتَّى يكمل وَيصْلح كَمَا يحْتَاج الْبدن أَن يربى بالأغذية الْمصلحَة لَهُ, وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من منع مَا يضرّهُ فَلَا يَنْمُو الْبدن إِلَّا بإعطاء مَا يَنْفَعهُ وَمنع مَا يضرّهُ, وَكَذَلِكَ الْقلب لَا يزكو فينمو وَيتم صَلَاحه إِلَّا بِحُصُول مَا يَنْفَعهُ وَدفع مَا يضرّهُ, وَكَذَلِكَ الزَّرْع لَا يزكو إِلَّا بِهَذَا, وَالصَّدَقَة لما كَانَت تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار صَار الْقلب يزكو بهَا, وزكاته معنى زَائِد على طَهَارَته من الذَّنب قَالَ الله تَعَالَى {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا} وَكَذَلِكَ ترك الْفَوَاحِش يزكو بِهِ الْقلب, وَكَذَلِكَ ترك الْمعاصِي فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة الأخلاط الرَّديئَة فِي الْبدن, وَمثل الدغل فِي الزَّرْع فَإِذا استفرغ الْبدن من الأخلاط الرَّديئَة كاستخراج الدَّم الزَّائِد تخلصت الْقُوَّة الطبيعية واستراحت فينمو الْبدن. وَكَذَلِكَ الْقلب إذا تاب من الذُّنُوب كَانَ استفراغا من تخليطاته حَيْثُ خلط عملا صَالحا وَآخر سيْئا, فَإِذا تَابَ من الذُّنُوب تخلصت قُوَّة الْقلب وإراداته للأعمال الصَّالِحَة واستراح الْقلب من تِلْكَ الْحَوَادِث الْفَاسِدَة الَّتِي كَانَت فِيهِ, فزكاة الْقلب بِحَيْثُ يَنْمُو ويكمل قَالَ تَعَالَى {وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِن قيل لكم ارْجعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أزكى لكم} وَقَالَ {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُم إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون}...وَالْإِيمَان الَّذِي بِهِ يزكو الْقلب فَإِنَّهُ يتَضَمَّن نفي إلهية مَا سوى الْحق من الْقلب, وَإِثْبَات إلهية الْحق فِي الْقلب, وَهُوَ حَقِيقَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَهَذَا أصل مَا تزكو بِهِ الْقُلُوب. والتزكية جعل الشَّيْء زكيا إِمَّا فِي ذَاته وَإِمَّا فِي الاعتقاد, وَالْخَبَر كَمَا يُقَال عدلته إِذا جعلته عدلا فِي نَفسه أَو فِي اعْتِقَاد النَّاس قَالَ تَعَالَى {فَلَا تزكوا أَنفسكُم}... وَإِنَّمَا الْمَقْصُود هُنَا ذكر حَيَاة الْقُلُوب وإنارتها, وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور اجْعَل الْقُرْآن ربيع قُلُوبنَا وَنور صدورنا, ... وَالْقلب الْحَيّ الْمنور فَإِنَّهُ لما فِيهِ من النُّور يسمع ويبصر وَيعْقل وَالْقلب الْمَيِّت فَإِنَّهُ لَا يسمع وَلَا يبصر قَالَ تَعَالَى {وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بما لا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَمِنْهُم من يستمعون إِلَيْكُم أفأنت تسمع الصم وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ}.. فَأخْبر أَنهم لَا يفقهُونَ بقلوبهم وَلَا يسمعُونَ بآذانهم وَلَا يُؤمنُونَ بِمَا رَأَوْهُ من النَّار كَمَا أخبر عَنْهُم حَيْثُ قَالُوا {قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب فَذكرُوا الْمَوَانِع على الْقُلُوب والسمع والأبصار وأبدانهم حَيَّة تسمع الأصوات وَترى الْأَشْخَاص لَكِن حَيَاة الْبدن بِدُونِ حَيَاة الْقلب من جنس حَيَاة الْبَهَائِم لَهَا سمع وبصر وَهِي تَأْكُل وتشرب وَتنْكح وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء} فشبههم بالغنم الَّتِي ينعق بهَا الرَّاعِي وَهِي لَا تسمع إِلَّا نِدَاء كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى {أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا}]([5]).
وقال ابن القيم: [ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". فهو ملكها، وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "لأن كل راع مسؤول عن رعيته" كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون.
ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعريض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان {إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب إخلاص العمل ودام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشمله استثناء {إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40].
ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال. وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال. فإن العمل السيئ مصدر عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح. إلى من جاهده بالعصيان]([6]).
وقال: فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله،
فإن أحب أَحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهى العقائد، وأقوال اللسان؛ وهى الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهى الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولهِ} [الحجرات: 1].
أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟.
ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟.
والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟.
فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما]([7]).
والعجيب في القلوب أنها لا تثبت على حال, لذا وجب رعايتها والانتباه إليها ومراقبتها لا تخلط بين الحق والهوى بين رغبة النفس وطاعة الله.
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ»([8]).
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَلْبُ مِنْ تَقَلُّبِهِ، إِنَّمَا مَثَلُ الْقَلْبِ كَمَثَلِ رِيشَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ "([9])
وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»([10]).
فيا أخوتي المجاهدين أنتم في ميدان صراع مع الباطل تستخدمون السلاح والذخائر والقنابل والمتفجرات والصواريخ فلا يغطي صوت المتفجرات على الاهتمام بالقلب ولا تغيم غبار الصواريخ والقنابل على القلوب, إنما ننتصر بإخلاص قلوبنا لله, وبنظافة قلوبنا من الأمراض وعدم الغل على المؤمنين, والتمسك بهدي رب العالمين, فاحرصوا على قلوبكم وتفقدوها وارعوها وأكثروا من الدعاء «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» وإلى اللقاء في الرسالة القادمة إن شاء الله.


[1] - متفق عليه البخاري (1/ 20) 52 -  و مسلم (3/ 1219) 107 - (1599)
[2] - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 327) 3175 -
[3] - صحيح مسلم (4/ 1987) 34 - (2564)
[4] - صحيح مسلم (4/ 2107) 13 - (2750)
[5] - أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 4 وما بعدها)
[6] - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 5)
[7] - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 8)
[8] - سنن ابن ماجه (1/ 34) 88
[9] - مسند أحمد ط الرسالة (32/ 431) 19661
[10] - صحيح مسلم (4/ 2045) 17 - (2654)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.