موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأربعاء، 4 يناير 2012

في رحاب العلماء (10)


في رحاب العلماء (10)
رضوان محمود نموس
حكم فصل الدين عن الدولة للكوثري([1]).
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد
فقد ورد من بعض العلماء الأفاضل في حلب الشهباء استفتاء يسألني فيه عن حكم شرع الله في مسلم يطالب حكومته في بلد إسلامي عريق في الإسلام بإبعاد النص على أن ( دين الدولة الرسمي هو الإسلام ) عن دستور تلك الحكومة ، إحلالا ً للأحكام الوضعية اللادينية محل أحكام شرع الله، ويسألني فيه أيضا ً عن حكم الشرع الأغر في مسلم يكون سببا ً لاستفحال ذلك الشر بسكوته عن تأييد الحق في هذه الكارثة وفي هذا الخطر الداهم.
فأقول مستعينا ً بالله جلت قدرته، إن هذه هي ادهى الدواهي وأعظم المصائب يذوب لها قلب كل مؤمن صادق الإيمان، ولا سيما في مثل بلاد الشام التي لها ماض ٍ مجيد في خدمة الإسلام، فالمسلم إذا طالب بمثل ذلك في سلامة عقله ، يجري عليه حكم الردة في بلد يكون فيه الإسلام نافد الأحكام، وفي غيره يهجر هذا الطالب هجرا ً كليا ً فلا يكلم ولا يعامل في أمر ٍ أصلا ً حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت ويتوب وينيب.

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن دين الإسلام جامع لمصلحتي الدنيا والآخرة ولأحكامها دلالة واضحة لا ارتياب فيها، فتكون محاولة فصل الدين عن الدولة كفرا ً صارخا ً منابذا ً لإعلاء كلمة الله، وعداء ً موجها ً الى الدين الإسلامي في صميمه، ويكون هذا الطلب من هذا المطالب إقرارا ً منه بالانبتار والانفصال فنلزمه بإقراره فنعده عضوا ً مبتورا ً من جسم جماعة المسلمين وشخصا ً منفصلا ً عن عقيدة أهل الإسلام ، فلا تصح مناكحته ولا تحل ذبيحته لأنه ليس من المسلمين ولا من أهل الكتاب .
وقد عد الصديق الأكبر رضي الله عنه الذين حاولوا إبعاد حكم جباية الزكاة عن الأحكام التي تنفذها الحكومة في سبيل الارتداد حتى عاملهم معاملة المرتدين من سبي وقتل، وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على موافقته بعد أن توقف بعضهم بعض توقف ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه ، قال تعالى (( وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ً رحيما * فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما )65 النساء
فيكون من لا يرضى بقضاء الإسلام خارجا ً عن عقيدة الإسلام منفصلا ً عن جماعة المسلمين، وقال جل جلاله ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) 85 البقرة
فيكون الكفر ببعض الكتاب كفرا ً بالجميع ناقلا ً عن الملة نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وقال علي كرم الله وجهه ( ما ترك الناس شيئا ً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه )
وأما الساكت من أهل الشأن عن تأييد الحق في مثل تلك الكارثة فإنما هو شيطان أخرس وردء لأهل الردة.
وتعلل بعضهم في ذلك بحقوق الأقليات من أهل الكتاب يدل على مبلغ جهل هذا المتعلل بالحقوق التي منحها الإسلام لذوي العهد الأوفياء بعهودهم، وأي دستور أرعى لحقوق الأقليات الدينية والعنصرية من دستور الشرع الأغر القائل ( دعوهم وما يدينون، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا ، مالم يخونوا العهد ) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من آذى ذميا ً فأنا حجيجه يوم القيامة )
وقد سجل التاريخ بحروف من الذهب أنباء تفيد مبلغ تمتع أهل الذمة بالعدل الباهر في حكم الإسلام في عهد الدول الكبيرة الإسلامية فضلا ً عن عهد الدويلات الإسلامية الصغيرة، وقد وعى الواعون أن كبار المحامين من نواب أهل الكتاب في البرلمان العثماني كانوا صاحوا بلسان واحد قائلين ( إنا نرضى بأحكام الإسلام في ذوي العهد بكل ارتياح ولكن لا نرضى بما يحاول الحزب القائم أن يفرضه علينا من عنده ، كما يظهر من محاضر الجلسات الأول للبرلمان المذكور عند مذاكرة حقوق الأقليات في أوائل إعلان الدستور العثماني وكانت جلسة فقهية صاخبه .
والوازع الشرعي كان يوقف الأحكام عند حدود العدل في الدول الإسلامية وتخطى بعض المتغلبة تلك الحدود في بعض الأزمان شذوذ شخصي لا يوصم به إلا ذلك الشاذ فلا يبنى عليه حكم عام، فمتى ساد الإسلام فقد ساد العدل في الأحكام ، من غير أن يلحق بأحد أي ضيم وتكون الرعايا كلها سواسية في نيل العدل من غير فرق بين المسلم وغيره في باب العدل ، فلا يكون مصدر تلك المطالبة إلا إلحادا ً في النفس منطويا ً على نبذ الأديان كلها .
وما كنا نسمع مثل تلك النعرة قديما ً حينما كانت الخلافة قائمة فيكون مبدأ هذا الفساد المتسرب الى الجماعة زوال الخلافة من الوجود من غير اهتمام بإحيائها من جديد مع أنها أقدم شرع شرعه الله للمجتمع البشري من غير أن يطرأ عليها النسخ في زمن من الأزمان حتى استمرت الخلافة قائمة مدى الدهور الى أن أزالتها من الوجود يد ٌ أثيمة استخفت الأقوام فأطاعوها إلى أن أصبحت بعض الدويلات الإسلامية تتسابق في خطب ود جياع المستعمرين مترسمين لخطابهم في الحكم من غير تعزز ولا تقزز غير حاسبين حساب العزة الإسلامية فشمل الذل والإلحاد.
مع أن المحتم عليهم أن يجمعوا كلمتهم ويلموا شعثهم لتكون لهم خلافة رشيدة تجمع قواهم وتستعيد مجدهم في عزة وكرامة قال الله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) 30 البقرة  وقد علم الملائكة من ذكر الخليفة أن البشر يكون فيهم من يتخطى حدود الله حتى يولي عليهم خليفة يكبح جماحهم وينفذ فيهم حكم الله وشأن الخليفة هو تنفيذ أحكام الله قال تعالى ( يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) وقال تعالى ( لا ينال عهدي الظالمين ) فدل هذا وذاك على أن الخليفة هو المشرف الشرعي على تقويم الأود وتوزيع العدل، فلا يكون النسب المجرد كافيا ً في ولاية العهد بدون القدرة على إقامة العدل وإزالة الظلم ، واشتراط أبي حنيفة إذن أمير المؤمنين في صلاة الجمعة، على توارث العمل بذلك مستند إلى سياسة شرعية عالية، وهي تأثيم الأمة إذا مضت عليهم مدة جمعة من غير بيعة لخليفة يتولى الأمر بعد وفاة الخليفة، حذرا ً من سيادة الفوضى واستفحال الفتن عند ما يخلو مقام الخلافة عمن يتولى بجدارة تنقذ الموقف ، فإذا لم يبادروا الى ذلك يجد كل ناعق من يتابعه فينخرم النظام ويعم الخلل ويشمل الذل فيهلك الحرث والنسل .
وهذا ما عندي من الجواب والله أعلم بالصواب



[1] -  محمد زاهد الكوثري: (1296-1371هـ) محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري، فقيه حنفي جركسي الأصل له اشتغال بالأدب والسير تفقه في جامع الفاتح في الأستانة، ودرس فيه وتولى رياسة التدريس، ثم مفتياً للخلافة اضطهده الاتحاديون خلال الحرب العالمية الأولى، ولما سيطر الكماليون على البلاد هاجر إلى مصر وتنقل بين مصر والشام، ثم استقر في مصر. له تراجم للإمام زفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، والبدر العيني، والطحاوي، وله مقالات عديدة نشرت في كتاب مقالات الكوثري. توفي رحمه الله في التاسع عشر من ذي القعدة سنة 1371هـ بحي العباسية من ضواحي القاهرة.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.