موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأحد، 29 يناير، 2012

في رحاب العلماء (15) ضلالة فصل الدين عن السياس


في رحاب العلماء (15)
ضلالة فصل الدين عن السياسة([1]).
لمحمد الخضر حسين([2]).
رضوان محمود نموس
مازال الرسل عليهم السلام يرمون في الدعوة إلى أصول الإيمان بالله عن قوس واحدة، ولكل رسول بعد هذا شريعة يراعي في أمرها ونهيها حال من يرسل إليهم خاصةً، حتى حضر الوقت الذي تهيأ فيه البشر على اختلاف بيئاتهم للانتظام في شريعة واحدة، فبعث الله المصطفى صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، وجعله خاتم النبيين، وقضى بأن تكون شريعته خاتم الشرائع، ولعموم رسالته سواءً الشاهد فيها والغائب, العربي والعجمي, أقام على صدقه آيات باقيات ما نظر فيها ذو فطرة صافية أو بصيرة نافذة إلا أسلم وجهه لله قانتاً (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ  ) ولخلود شريعته جعلها أبلغ الشرائع حكمة، وأوفاها أصولاً وأوسعها للمصالح رعايةً.
ثلاث حقائق كل واحدة منها شطر من الإسلام:
 عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم،.
 واشتمال شريعته بنصوصها وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع،.
 وكون هذه الشريعة أحكم ما تساس به الأمم، وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح أو التنازع في الحقوق.
أجمع علماء المسلمين على هذه الحقائق وعرفها عامتهم، فمن أنكر واحدة منها فقد ابتغى في غير هداية الإسلام سبيلاً ومثل من يماري في شيء منها ثم يدعي أنه لا يزال مخلصاً للإسلام مثل من يضرب بمعوله في أساس صرح شامخ ثم يزعم أنه حريص على سلامته عامل على رفع قواعده.
فتنت مدنية الشهوات أشخاصاً ينتمون إلى الإسلام فانحرفت بهم عن المحجة، وأدركوا أن مجاهرتهم بإنكار رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم تسقطهم من حساب المسلمين دفعة، فلا يبلغون من فتنة الأمة مأرباً، فبيتوا أن يبقوا ثوب الإسلام على أكتافهم ويحركوا بمدحه في بعض المجالس ألسنتهم أو في بعض الصحف أقلامهم لكي يركن الغافلون من المسلمين إلى أقوالهم فيقذفوا من وراء ريائهم وثقة بعض الناس بهم ما شاءوا من آراء خاسرة، ويزعموا أن هذه الآراء من  هداية الإسلام لا ينكرها.
والواقع أن هذا الصنف من المنحرفين قد أحدث في بعض البلاد الإسلامية آثار فساد لم يحدث معشارها النابذون إلى الدين على سواء، وكم أرتنا الأيام في هذا الصنف من عجائب دلتنا على أن هناك مغارات يأتمرون بالدين بين حيطانها، ولغة إذا حضرهم بعض المسلمين يجنحون إلى التخاطب بها، وضروباً من الإغواء يجهدون أنفسهم في تمويهها.

منذ عهد قريب أخذ بعض الكاتبين يتشبهون بمن يؤلف على  طريق البحث العلمي، فقالوا ما شاءوا أن يقولوا وخرجوا بغير مناسبة منطقية إلى إنكار أن يكون للإسلام مدخل في الشؤون القضائية والمعاملات المدنية.
جال هذا الصوت جولة الباطل ثم ذهب كصيحة في واد، ولم يبق له صدى إلا في آذان رهط لا يسمعون رشداً، ولا يفقهون حجة، وإن شئت فقل: صادف ذلك الصوت أفئدة هواء فجعلوا يحاكونه في بعض ما يكتبون ويوقظون فتناً لو أقبل كل على ما يحسن أن يتحدث فيه لكانوا عنها في شغل.
ما كدنا ننتهي من إماطة أذى من ادعى أنه يفسر القرآن بالقرآن، حتى خرجت إحدى المجلات تحمل مقالاً تحت عنوان: (داء الشرق ودواؤه) وفي هذا المقال دعاية إلى فصل الدين عن السياسة، وبلغ بكاتبه الحال أن زعم أن سبب تأخر المسلمين عدم فصلهم للدين عن السياسة.
ونحن نود والله يعلم أن يقبل كل من بيده قلم على ما فيه خير للناس، والموضوعات العلمية والأدبية والسياسية مترامية الأطراف، وانصراف نفس الكاتب عن البحث في أمثال هذه الموضوعات ليس بعذر يبيح له أن يخوض بقلمه في الحديث عن الدين خوض من يقولون مالا يتدبرون.
ونود والله يعلم أن نقبل على شأننا، ونمضي في سبيلنا وليس في فطرتنا الولوع بأن نفند لكاتب رأياً أو نبطل لباحث قولاً، ولكن القوم أصبحوا يتساقطون على طمس معالم الحقيقة والفضيلة تساقط الفراش على السراج، والسكوت عنهم تفريط في جنب الله، ومن فرط في جنب الله خسر الدنيا قبل الآخرة.
قال صاحب المقال في ذكر أهم النقط الجوهرية التي ترجع إليها أسباب ضعف الشرق: ( الثانية عدم التفريق بنظام قاض بين السلطتين الدينية والدنيوية، فكان هذا من جملة المسببات لتأخر المسلمين  إذ أن جمع السلطتين في شخص واحد بدون تحديد لهما كان من أدعى الأمور إلى اختلال النظام، وإذا كان هذا أفاد المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي وأمر العالم لهم كما قدمنا، إلا أنه كان بلاءً بعد انقسام المسلمين إلى ممالك وفرق وشيع ومذاهب وأحزاب ووجود دول أخرى تنازعهم السيادة على العالم، وقد عاد اجتماع هاتين السلطتين بلاءً عليهم إذ أصبحت الرياسة الدينية والدنيوية في الواقع في قبضة تلك الدول التي تنازعهم كما هو مشاهد الآن ).
نعرف من قبل أن يظهر هذا المقال أن الذين يدعون إلى فصل الدين عن السياسة فريقان: فريق يعترفون بأن للدين أحكاماً وأصولاً تتصل بالقضاء والسياسة، ولكنهم ينكرون أن تكون هذه الأحكام والأصول كافلة بالمصالح آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب، ولم يبال هؤلاء أن يجهروا بالطعن في أحكام الدين وأصوله، وقبلوا أن يسميهم المسلمون ملاحدة، لأنهم مقرون بأنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بمن نزل عليه القرآن.
ورأى فريق أن الاعتراف بأن في الدين أصولاً قضائية وأخرى سياسية، ثم الطعن في صلاحها إيذان بالانفصال عن الدين، وإذا دعا المنفصل عن الدين إلى فصل الدين عن السياسة كان قصده مفضوحاً وسعيه خائباً، فاخترع هؤلاء طريقاً حسبوه أقرب إلى نجاحهم وهو أن يدعوا أن الإسلام توحيد وعبادات، ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه لعلهم يجدون في  الناس جهالة أو غباوة، فيتم لهم ما بيتوا.
هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الدين عن السياسة، وكلاهما يبتغي من أصحاب السلطان أن يضعوا للأمة الإسلامية قوانين تناقض شريعتها، ويسلكوا بها مذاهب لا توافق ما ارتضاه الله في إصلاحها، وكلا المسلكين وليد الافتتان بسياسة الشهوات، وقصور النظر عما لشريعة الإسلام من حكم بالغات.
أما أن الإسلام قد جاء بأحكام وأصول قضائية، ووضع في فم السياسة لجاماً من الحكمة، فإنما ينكره من تجاهل القرآن والسنة ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين، إذ كانوا يزنون الحوادث بقسطاس الشريعة، ويرجعون عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسول الله.
في القرآن شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملات المدنية، وتتولى إرشاد السلطة السياسية قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) وكل حكم يخالف شرع الله فهو من فصيلة أحكام الجاهلية وفي قوله تعالى ( لقوم ٍ يوقنون ) إيماء إلى أن غير الموقنين قد ينازعون في حسن أحكام رب البرية، وتهوى أنفسهم تبدلها بمثل أحكام الجاهلية، ذلك لأنهم في غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم ولم يستطيعوا أن يميزوا سيئاتهم من حسناتهم وقال تعالى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) فرض في هذه الآية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب الله، ونبه على أن من لم يدخل الإيمان في قلوبهم يبتغون من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينة ما يوافق أهوائهم، وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أسرى الشهوات عن بعض ما أنزل الله، وفتنتهم له في أن يسمع لقولهم، ويضع مكان حكم الله حكماً يلائم بغيتهم قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وفي آية ( فاؤلئك هم الفاسقون ) وفي آية ثالثة (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وفي القرآن أحكام كثيرة ليست من التوحيد ولا من العبادات ، كأحكام البيع والربا والرهن والدين والإشهاد، وأحكام النكاح والطلاق واللعان والولاء والظهار والحجر على الأيتام والوصايا والمواريث، وأحكام القصاص والدية وقطع السارق وجلد الزاني وقاذف المحصنات، وجزاء الساعي في الأرض فساداً بل في القرآن آيات حربية فيها ما يرشد إلى وسائل الانتصار كقوله  تعالى مرشداً إلى القوة المادية  (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) وقوله تعالى مرشداً إلى القوة المعنوية (وليجدوا فيكم غلظة) وقوله تعالى منبهاً على خطة هي من أنفع الخطط الحربية (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) والكفار هنا المحاربون، ففي الآية إرشاد  إلى أن يكون ما بينهم وبين ديارهم أمنا، ولا يدعوا من ورائهم يخشون منه أن ينهض إلى أموالهم وأهليهم من بعدهم، أو يجلب عليهم بخيله ورجله ليطعن في ظهورهم وقد أقبلوا على العدو الذي تجاوزوا إليه بوجوههم، وفي الآيات الحربية ما يتعلق بالصلح كقوله تعالى (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) وقوله تعالى (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وفيها ما يتعلق بالمعاهدات كقوله (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)
وفي السنة الصحيحة أحكام مفصلة في أبواب من المعاملات والجنايات إلى نحو هذا مما يدلك على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور ديناً آخر، وسماه الإسلام.
وفي سيرة أصحاب رسول الله وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة ما يدل دلالةً قاطعة على أن للدين سلطاناً على السياسة، فإنهم كانوا يأخذون على الخليفة عند مبايعته شرط العمل بكتاب الله وسنة رسول الله.
ولولا علمهم بأن السياسة لا تنفصل عن الدين لبايعوه على أن يسوسهم بما يراه أو يراه مجلس شوراه مصلحة، وفي صحيح البخاري ( كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره إقتداءً بالني صلى الله عليه وسلم.
ومن شواهد هذا محاورة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة، فإنها كانت تدور على التفقه في حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) فعمر بن الخطاب يستدل على عدم قتالهم بقوله في الحديث (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم) وأبو بكر الصديق يحتج بقوله في الحديث (إلا بحقها) ويقول: الزكاة من حق الأموال ولو لم يكونوا على يقين من أن السياسة لا يسوغ لها أن تخطو خطوة إلا أن يأذن لها الدين بأن تخطوها، ما أورد عمر بن الخطاب هذا الحديث، أو لو وجد أبو بكر عندما احتج عمر بالحديث فسحة في أن يقول له: ذلك حديث رسول الله، وقتال مانعي الزكاة من شئون السياسة.
ومن شواهد أن ربط السياسة بالدين أمر عرفه خاصة الصحابة وعامتهم قصة عمر بن الخطاب إذ بداله أن يضع لمهور النساء حداً، فتلت عليه امرأة قوله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا) فما زاد على أن قال: رجل أخطأ وامرأة أصابت، ونبذ رأيه وراء ظهره، ولم يقل لها: ذلك دين وهذه سياسة.
وكتب السنة والآثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد، ولم يوجد حتى في الأمراء المعروفين بالفجور من حاول أن يمس اتصال السياسة بالدين من الوجهة العلمية وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما يأذن به الله، جهالة منهم أو طغياناً، وأراد الحجاج أن يأخذ رجلاً بجريمة بعض أقاربه فذكره الرجل بقوله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فتركه ولم يخطر على باله وهو ذلك الطاغية أن يقول له: ماتلوته دين، وما سأفعله سياسة.
وأما قيام أحكام الشريعة على أساس العدل، ورسمها للسياسة خططاً محكمة الوضع فسيحة ما بين الجوانب، فذلك ما لا أستطيع تفصيل الحديث عنه في المقال، وفيما كتبناه ونكتبه إن شاء الله تعالى تحت عنوان:(الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان) ما يساعد على الإلمام بأصول الشريعة ومعرفة اتساعها لكل ما يحدث من الوقائع، والذي نقوله في هذا المقام إن السياسة لا تجد في الدين ما يقف دون مصلحة، ولا تجد منه ما يحمل على إتيان مفسدة، لا تجد فيه هذا ولا ذاك متى وزنت المصالح والمفاسد بميزان العقل الراجح، وكان القابضون على زمامها من حصافة الرأي في منعة من أن يطيش بهم التقليد أو إرضاء طائفة خاصة إلى أن يروا الفساد صلاحاً فيشرعوه، أو يروا الصلاح في لون الفساد فينصرفوا عنه وليس من شأن الدين أن يراعي فيما يشرع الأهواء الجامحة وإن كانت أهواء الملأ الذين استكبروا، أو أهواء من في الأرض جميعاً.
والرؤساء الذين لم يحافظوا في سياسة شعوبهم الإسلامية على أحكام الشريعة وآدابها، فوضعوا لهم قوانين جائرة وأذنوا بمظاهر غير صالحة إنما أتوا من ناحية جهلهم بسماحة شرع الإسلام وسعة قواعده وسمو مقاصده، وإذا كان على غير هؤلاء الرؤساء تبعة فعلى أولي الحل والعقد من فضلاء الأمة وعلمائها إذا أهملوا علاجها، ولم يبذلوا في دعوتهم إلى الاستقامة جهدهم.
أما الأحداث وأشباه الأحداث الذين لا يهدأ لهم بال ما داموا يسمعون اسم الدين يجري في لسان بعض الدول باحترام، فإن من نشأ في غير جد، وأسرف في حب اللهو، لا يألف شريعة تأمر بالعدل وتضع دون الأهواء الجامحة حاجزاً فلا عجب أن يتآمروا بها ويشيروا على السياسة أن تبتعد منها، وإذا بلغ هؤلاء مأربهم في سياسة وقع زمامها في يد زائغ عن سبيل الرشد، فستذهب آمالهم خائبة في كل قطر يسوسه رئيس يقدر الإسلام قدره ويجد من حوله علماء درسوا الشريعة بنباهة، ولا يخفى عليهم قصد من يتغنون بمدح الإسلام، وقبل أن تستريح حناجرهم يطعنونه في الصميم.
يقول الكاتب: (إن جمع السلطتين في شخص واحد بدون تحديد لهما كان من أدعى الأمور إلى اختلال النظام )
ليس في الإسلام سلطة دينية إلا على معنى أن الأمير ينفذ أحكام الشريعة المفصلة في الكتاب والسنة، أو المندرجة في الأصول المأخوذة منها، وقاعدة الشورى التي قررها القرآن الكريم، وجرى عليها الخلفاء الراشدون كافلة بصحة الاجتهاد في الأحكام المستنبطة من الأصول، أما النظم التي تقوم بها الشورى على وجهها الصحيح فموكولة إلى الآراء الراجحة وما تقتضيه مصالح الأمم أو العصور، فالإسلام لم يترك السلطة التي وضعها في أيدي الأمراء مطلقة عن التقيد، وإذا استهان بعض الأمراء بقاعدة الشورى فإن التشريع تام، والوزر على من لم يأخذ نفسه بما قرره الشرع العزيز.
وإذا كان بعض الأمراء هم الذي خرجوا عما حده الإسلام لسلطتهم الدينية، فحكمة الكاتب متى كان مسلماً أن يقرر الحد الذي رسمه الإسلام ويبين للناس كيف تعداه أولو الأمر، ليطالبوهم بالوقوف عنده، لا أن يقول كلاماً مبهماً، ويبني عليه المناداة إلى شهوة هي فصل الدين عن السياسة...
ويقول الكاتب (( بعكس الأمم الأخرى التي تنبهت إلى حكمة الفصل بين السلطتين، فصار ذلك الفصل مصدراً لفائدة الأمة وحمايتها.... إلخ )).
وهذا صريح في أن الكاتب يريد من الدول الإسلامية أن تفعل ما فعلته الدول الغربية من تجريد السياسة من الدين، وهو رأي لا يصدر إلا ممن يكن في صدره أن ليس للدين من سلطان على السياسة، وهذا ما بيتته فئة يريدون أن ينقصوا حقيقة الإسلام من أطرافها حتى تكون بمقدار الديانة المسيحية، ثم يصبغوا هذا المقدار من بعد بأي صبغة أرادوا، فيذهب الإسلام فلا القرآن نزل ولا محمد صلى الله عليه وسلم بعث، ولا الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم جاهدوا في الله حق جهاده، ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها، وانتزاع الأحكام من أصولها.
يضرب الكاتب المثل بالأمم الأخرى ويزعم أن فصلها الدين عن السياسة كان مصدر فائدة الأمة وحمايتها من التلاشي والانهيار، ومن أجل فصلها للدين عن السياسة ووجود الرياسة الدينية قائمة في حدود سلطتها لم يضرها اختلاف الدول فيها.
وضرب المثل على هذا الوجه أثر نظرة متسرعة إذ ليس للرياسة الدينية في الإسلام حد تنتهي إليه ثم يكون للأفراد أو الجماعات أن تفعل بعده ما تشاء، ولو كان في دين تلك الدول قوانين مدنية ونظم سياسية، وقامت كل دولة على تنفيذ تلك القوانين والنظم داخل حدودها، أفيكون مجرد رعايتها لما جاء به دينها سبباً لانتشار مرض التقاطع بينها.
ليس في طبيعة ربط السياسة بالدين التقهقر والتنازع إلا أن يكون في تعاليم الدين ما يسير بالناس إلى وراء، أو ما يغري بينهم العداوة والبغضاء، وليس في دين الإسلام إلا ما يصعد بالأمم متى شاءت الصعود إلى السماء، وليس فيه إلا ما يدعو إلى الائتلاف والتعاون على أن تكون كلمة الحق هي العليا...
ليس في الإسلام سلطة دينية تشبه السلطة الكاثوليكية، والسلطة الدينية في الإسلام لكتاب الله وسنة رسول الله (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا).
وعلى العلماء البيان وعلى الأمراء التنفيذ فإن أراد الكاتب من السلطة البيان فالبيان حق لكل عالم تفقه في أصول الشريعة ومقاصدها، فلا يختص به عالم دون آخر ولا يعد بيان العالم الذي تعينه الأمة للبيان أرجح من بيان غيره إلا أن تكون حجته قوية، وإذا كان الأمر للحجة فما معنى تعيين شخص ليكون مصدر البيان في كل حال، فإن أراد من السلطة التنفيذ فليس له معنى سوى أن تكل الأمة إلى شخص القيام بتنفيذ أحكام الدين على أن تكون هي يده التي ينفذ بها، وسلاحه الذي يدافع به من يعارض في التنفيذ، وذلك معنى الخلافة المعروفة في الإسلام...
فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يتعدى به الأجنبي على الدين إذ جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة علناً كيف صاروا أشد عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب لو ملكت قوة لألغت محاكم يقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرف من لا يرجو لله وقارا.
يقول الكاتب (لو فصلوا الدين عن السياسة ما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً ) يقول هذا كأنه لا يدري أن السياسة الطاغية لا تهاب إلا حديداً أشد بأساً من حديدها، وناراً أشد حراً من نارها، فليس من المعقول أن تردها عن قصدها سلطة دينية ليس في كنانتها سهم، ولا في كفها حسام، أما قياسه حال السلطة الدينية الإسلامية على فرض صحة إقامتها بحال السلطة الكاثوليكية في احترام مؤسساتها وإطلاق يدها في عمل يرفع أهل ملتها فمغالطة أو غفلة عن الفرق بين سلطة دينية يجد فيها الاستعمار مؤازرة أو موافقة على أي حال، وسلطة دينية قد يكون في بعض أصولها مالا يلائم طبيعة الاستعمار.
ولو ربط المسلمون سياستهم بالدين من قبل قرنين ربطاً محكماً، لم تجد يد الغاصب للعبث بحقوقهم مدخلاً، ولو أعلنوا فصل الدين عن السياسة لظلوا بغير دين، ولو وجد فيهم الغاصب من الفشل أكثر مما وجد، فليست مصيبة المسلمين في تركهم السياسة مربوطة بالدين كما زعم الكاتب، وإنما هي ذهولهم عن تعاليم دين لم يدع وسيلة من وسائل النجاة إلا وصفها، ولا قاعدة من قواعد العدل إلا رفعها.



[1] - من كتابه رسائل الإصلاح 1/103 طبع دار الاعتصام القاهرة
[2] - هو [محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي (1293- 1377هـ / 1876- 1958م): عالم إسلامي, أديب باحث, يقول الشعر, من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولى مشيخة الأزهر.
ولد في "نفطة" من بلاد تونس، وانتقل إلى تونس العاصمة مع أبيه سنة 1306هـ، وتخرج بجامع الزيتونة ودرَّس فيه، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى"سنة1321- 1323هـ. ولي قضاء "بنزرت" سنة 1323هـ، واستعفى وعاد إلى الزيتونة سنة 1324هـ، وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين في العبدلية والزيتونة، وزار الجزائر ثلاث مرات، ويقال إن أصله منها. ثم رحل إلى دمشق سنة 1330هـ, ومنها إلى الآستانة 1331هـ, ثم عاد إلى تونس في نفس العام, وكان من "لجنة التاريخ التونسي".
انتقل إلى المشرق فاستقر في دمشق مدرساً في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى، وانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى برلين مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة من أخبار رحلته في جريدة "المقتبس" الدمشقية.
ولما احتل الفرنسيون سوريا انتقل إلى القاهرة، وعمل مصححاً في دار الكتب خمس سنوات. وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية فنال شهادتهم، ودرَّس في الأزهر. وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية، وتولى رئاستها وتحرير مجلتها، وترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، ومجلة "لواء الإسلام"، ثم كان من هيئة كبار العلماء، وعين شيخاً للأزهر أواخر 1371هـ, واستقال 1373هـ, وتوفي ودفن بالقاهرة.
له تأليف منها: 1- حياة اللغة العربية  2- مناهج الشرف 3- رسائل الإصلاح 4- طائفة القاديانية  5- مدارك الشريعة الإسلامية 6- نقض كتاب "أصول الحكم" لعلي عبد الرازق.  7- نقض كتاب" في الشعر الجاهلي" لطه حسين 8- بلاغة القرآن 9- محمد رسول الله  10- السعادة العظمى. وغيرها من التآليف.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.