موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأربعاء، 18 يناير، 2012

إضاءة 3


إضاءة 3
رضوان محمود نموس
قال الله تعالى:( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ))[البقرة:120]
وقال الله تعالى:(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ))[البقرة:145]
وقال الله تعالى:( وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) [الرعد:37]
[ففي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد أمته
وقوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [البقرة: 120] ولم يقل: دينهم؛ لأن ما هم عليه مجرد أهواء نفس، ومن ترك الدين اتبع الهوى لا محالة 
قال أبو العباس رحمه الله: (ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك) اقتضاء الصراط المستقيم (1 / 85 - 86) . .
قال الله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]
قال أبو العباس: (ثم قوله: فاستمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه ذم لمن حاله كحالهم إلى يوم القيامة الاقتضاء (1 / 104 - 105)
وصف المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم: كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» رواه البخاري في (الديات: 6882)] ([1]).
 [إن الطريق واضح والصراط مستقيم وليس هناك مقارنة بين الأخذ بالعلم اليقيني الذي جاء من عند الله، وبين اتباع أهواء أهل الضلال والانحراف، وتوجيه الخطاب إلى شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين أن لا ينخدعوا في غمرة الدسائس اليهودية والصليبية، وحملات التضليل، فيخطبوا ود اليهود والنصارى فإن ذلك سيجعلنا من الظالمين، وما أجدرنا نحن المسلمين اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير العظيم من الرب الكريم، فنتعامل مع الكفار في شئون دنيانا، بحذر ووعي ويقظة تامة، ونقاطعهم في شئون ديننا مقاطعة تامة.]([2]).
[لقد جعل الله عز وجل لرسوله شريعة شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعة الإسلام واتبع الكفار قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) [الجاثية: 18، 19] فمن دلائل الإيمان تعمد مخالفة أهواء الكفار وصد رغباتهم التي يقصدون بها جر المسلم إلى الكفر وإخراجه من الإسلام ]([3]).

[{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] .
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} [الرعد: 37] .
النهي عن التلقي عن الكفار في الرأي والمشورة، وطاعتهم فيما قد يشيرون به أو يأمرون، فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين, فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 100، 101] .
فإن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداء معاني الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أُنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء. وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب.]([4]).
 [{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إنما قال: "أهواءهم "ولم يقل "دينهم "لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} .
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بأنك على الحق، وهم على الباطل، {إِنَّكَ إِذًا} أي: إن اتبعتهم، فهذا احتراز، لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها، ولو في الأفهام، {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: داخل فيهم، ومندرج في جملتهم، وأي ظلم أعظم، من ظلم، من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق، وهذا، وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم، فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضا، فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالما مع علو مرتبته، وكثرة حسناته فغيره من باب أولى وأحرى]([5]).
وقال الإمام ابن تيمية: َقَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} وَقَالَ تَعَالَى فِي الآيَةِ الأخْرَى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وَقَالَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} . وَلِهَذَا كَانَ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُوجِبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ يَجْعَلُ مِنْ أَهْلِ الأهْوَاءِ؛ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ أَهْلَ الأهْوَاءِ وَذَلِكَ إنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْعِلْمَ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَالْعِلْمُ بِالدِّينِ لا يَكُونُ إلا بِهُدَى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} . فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ. وَمِقْدَارِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ: هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لأمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَهُوَ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ. لا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَمَنْ أَحَبَّ أَوْ أَبْغَضَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمُجَرَّدُ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ هَوًى؛ لَكِنَّ الْمُحَرَّمَ اتِّبَاعُ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ: وَلِهَذَا قَالَ: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} فَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَضَلَّهُ ذَلِكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ هُدَاهُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ. وَهُوَ السَّبِيلُ إلَيْهِ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ هُوَ مِنْ أَوْجَبِ الأعْمَالِ وَأَفْضَلِهَا وَأَحْسَنِهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وَهُوَ كَمَا قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. فَإِنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ. فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ}
وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الإسْلامِ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ وَلَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ حَقُّهُ عَلَى عِبَادِهِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَلا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ صَالِحًا؛ وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَهُوَ الطَّاعَةُ فَكُلُّ طَاعَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَاعَةٌ وَهُوَ الْعَمَلُ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ؛ إذْ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ]([6]).
 [وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَك من العلم وَقَالَ فِي الْقُرْآن أنزلهُ بِعِلْمِهِ أَي وَفِيه علمه
وَلما بعد الْعَهْد بِهَذَا الْعلم آل الأمر بِكَثِير من النَّاس إِلَى أَن اتَّخذُوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما وَوَضَعُوا فِيهَا الْكتب وأنفقوا فِيهَا الأنفاس فضيعوا فِيهَا الزَّمَان وملأوا بهَا الصُّحُف مدادا والقلوب سوادا حَتَّى صرح كثير مِنْهُم أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَالسّنة علم وَأَن أدلتها لفظية لا تفِيد يَقِينا وَلا علما ]([7])
وقال سيد في الظلال: [«قُلْ: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» .. على سبيل القصر والحصر. هدى الله هو الهدى. وما عداه ليس بهدى. فلا براح منه، ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه، ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق.
«وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» ..
بهذا التهديد المفزع، وبهذا القطع الجازم، وبهذا الوعيد الرعيب.. ولمن؟ لنبي الله ورسوله وحبيبه الكريم! إنها الأهواء.. إن أنت ملت عن الهدى.. هدى الله الذي لا هدى سواه.. وهي الأهواء التي تقفهم منك هذا الموقف وليس نقص الحجة ولا ضعف الدليل]([8]).
[وما كان للنبي- صلى الله عليه وسلم- وهذا شأنه وهذا شأن أهل الكتاب، وقد علم الحق في الأمر، أن يتبع أهواءهم بعد ما جاءه من العلم: «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» ..
ونقف لحظة أمام هذا الجد الصارم، في هذا الخطاب الإلهي من الله سبحانه إلى نبيه الكريم الذي حدثه منذ لحظة ذلك الحديث الرفيق الودود.. إن الأمر هنا يتعلق بالاستقامة على هدي الله وتوجيهه ويتعلق بقاعدة التميز والتجرد إلا من طاعة الله ونهجه.
ومن ثم يجيء الخطاب فيه بهذا الحزم والجزم، وبهذه المواجهة والتحذير.. «إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» ..
إن الطريق واضح، والصراط مستقيم.. فإما العلم الذي جاء من عند الله. وإما الهوى في كل ما عداه.
وليس للمسلم أن يتلقى إلا من الله. وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب. وما ليس من عند الله فهو الهوى بلا تردد.
وإلى جانب هذا الإيحاء الدائم نلمح كذلك أنه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين، في غمرة الدسائس اليهودية وحملة التضليل الماكرة، تستدعي هذه الشدة في التحذير، وهذا الجزم في التعبير...
 وهنا يوجه الخطاب إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب:
«الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» ..
ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما امترى يوماً ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» .. قال: «لا أشك ولا أسأل» ..
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه- صلى الله عليه وسلم- يحمل إيحاء قوياً إلى من وراءه من المسلمين.
سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم.
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير ونحن- في بلاهة منقطعة النظير- نروح نستفتي المستشرقين- من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار- في أمر ديننا، ونتلقى عنهم تاريخنا، ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا، وسيرة أوائلنا ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم، ثم يعودون الينا مدخولي العقل والضمير.
إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة المسلمة. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره.
وأهل الكتاب هم أهل الكتاب، والكفار هم الكفار. والدين هو الدين! ونعود إلى السياق فنراه يصرف المسلمين عن الاستماع لأهل الكتاب والانشغال بتوجيهاتهم، ويوحي إليهم بالاستقامة على طريقهم الخاص ووجهتهم الخاصة. فلكل فريق وجهته، وليستبق المسلمون إلى الخير لا يشغلهم عنه شاغل، ومصيرهم جميعاً إلى الله القادر على جمعهم وعلى مجازاتهم في نهاية المطاف:
َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
وبهذا يصرف الله المسلمين عن الانشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وفتن وتأويلات وأقاويل.. يصرفهم إلى العمل والاستباق إلى الخيرات. مع تذكر أن مرجعهم إلى الله، وأن الله قدير على كل شيء، لا يعجزه أمر، ولا يفوته شيء.
إنه الجد الذي تصغر إلى جواره الأقاويل والأباطيل]([9]).
[ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يجهر- في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق- بالحق الذي معه كاملاً وهو أنه لا إله إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا معبود إلا الله، وأن الله هو الواحد القهار، وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار.. وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها.. وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه! مع تهديده بما ينتظره من الله لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم! ..
وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى الله عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها! وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين، وألا يخفوا منها شيئاً، وألا يؤجلوا منها شيئاً.. وفي مقدمة هذه الحقائق: أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا لله. ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله.. فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أياً كانت المعارضة والتحدي وأياً كان الإعراض من المكذبين والتولي وأيا كان وعورة الطريق وأخطارها كذلك.. وليس من «الحمكة والموعظة الحسنة» إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه! أو يعرضون بسببه عن هذا الدين، أو يكيدون له وللدعاة إليه! فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئاً من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه ولا أن يبدأوا مثلاً من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي، متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدأوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده! إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- بتوجيه من ربه.. فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق وليس له أن ينهج غير ذلك المنهج.. والله- بعد ذلك- متكفل بدينه، وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت!]([10]).
وهنا نسأل ونأمل أن نجد جواباً من المعنيين:
هل دعاة الديمقراطية: من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ
وهل دعاة المواطنة: هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ
وهل دعاة الدولة المدنية : هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ
وهل الملتزمون بنتائج صندوق الاقتراع هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة التعددية السياسية هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة احترام كافة الطوائف المرتدة هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل المنادين بأن الدين لله والوطن للجميع هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة الالتزام بميثاق حقوق الإنسان الأممي هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة احترام ميثاق الأمم المتحدة هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة أن السيادة للشعب هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة فصل السلطات الثلاث هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل دعاة فصل السياسة عن الدين هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل المنادون من الأخوان المسلمين بأنهم تخلوا عن شعار الإسلام هو الحل هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهل المنادون بعدم تطبيق الشريعة هم من أتباع العلم والحق الذي أنزله الله أم من أتباع الأهواء الظالمين الذين ليس مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وليس لهمَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ.
وهناك ألف هل يمكن أن نسألها ولكن في هذا القدر كفاية لمن أراد أن يعقل.
وفي الختام نحن لا نوجه كلامنا للعلمانيين المرتدين ولكن للذين يقولون عن أنفسهم أنهم حركات إسلامية ودعاة فهل يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها قبل الحساب الأكبر وقبل أن يلعنهم اللاعنون.


[1] - فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية تحقيق علي مخلوف (ص: 13)
[2] - الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية (1/ 77)
[3] - الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية (1/ 295)
[4] - مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية (ص: 368)
[5] - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 72)
[6] - مجموع الفتاوى (28/ 133- 135)
[7] - الفوائد لابن القيم (ص: 104)
[8] - في ظلال القرآن (1/ 108)
[9] - في ظلال القرآن (1/ 135 - 136)
[10] - في ظلال القرآن (4/ 2067)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.