موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الجمعة، 13 أبريل 2012

من الأرشيف (5)


من الأرشيف (5)
رضوان محمود نموس
حقيقة أحداث حماة
شهدت مدينة حماة الأبية اكبر معركة في تاريخ سورية الحديث، سطّر فيها جنود الإسلام العظيم أروع ملاحم التضحية والفداء، في سبيل الله نصرة دينهم والذود عنه.
     ولا نريد أن نتحدث في هذا المقام عن هذه المعركة، وعما جرى فيها من صولات وجولات.. وما تبع ذلك من الجرائم التي اقترفتها الأيدي الآثمة بحق شعبنا وأهلنا في حماة، مما تقشعر له الأبدان، وتشيب لهوله الولدان.
لا نريد أن نتحدث عن ذلك، لاعتقادنا أن له مكانا مناسباً في غير هذه النشرة الموجهة إلى الصف والتي خصصت لمعالجة قضايا المسلمين، باعتبارها – قبل كل شيء – أفعالاً للصف ومواقف له ينبغي تسليط الضوء عليها لمعرفة حقيقتها، ومدى مطابقتها للنهج السوي القويم.
     وفي محاولة لتقويم العمل واستجلاء الخطأ، سنتحدث عن الأسباب، والعوامل الموضوعية التي أدت إلى حصول المواجهة الدامية في حماة وعن المقدمات المنطقية التي ساقتنا إلى هذه النتيجة المؤلمة.. وهي مقدمات تمتد في رأينا إلى عملية الوفاق المؤسفة، وما تبعها من نتائج سيئة كان لها أكبر الأثر فيما حدث، وهي من جهة أخرى، يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى، من يُحسبون على الصف المسلم ومع الأسف!

نسأل الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يلهمنا السداد والرشاد في القول والعمل، أنه سميع مجيب.
       الوفاق :
     لقد كان توحيد الفصائل الإسلامية تحت ظل قيادة واحدة انجازًا ضخماً علق عليه المسلمون آمالا كبيرة بدنو اجل النظام ودنو ساعة الحسم، التي ستعد لها العدة وتحشد لها الإمكانات والطاقات البشرية والمادية في ظل الوفاق. ولكنه بمضي الوقت بدأت تتضح حقيقة الأمور وحقيقة النوايا التي يكنّها الطرف الآخر، والتي لم تكن إلا نقيض الوفاق وأهدافه.
فالمعركة ليست مجدية في نظر قيادة الإخوان (التنظيم الدولي) وما هي إلا "ورطة" أوقعهم بها المجاهدون (الطليعة المقاتلة) غيّرت كل " حساباتهم وترتيباتهم"، وفرضت عليهم القتال وهم لا يريدونه. وقد صرحوا بذلك في غير مناسبة وأكثر من مرة، مؤكدين عجزهم عن الحسم وخوض المعركة على الأقل في الوقت الحاضر، وأن ذلك يحتاج إلى 10 سنوات أو أكثر، ولذلك فهم يسَّفرون الشباب ويؤمنّون لهم أسباب الدراسة والعمل والزواج والاستقرار، بل ويخرجونهم من الداخل كلما أتيحت لهم الفرصة، في محاولة لتفريغ الساحة من المقاتلين وقلب التوازن لمصلحتهم، بتركيز العدد الأكبر من الشباب المجاهد خارج البلد.. وهذا يقوّي من موقفهم تجاه الأخوة المقاتلين في الداخل من جهة، ومن جهة أخرى يظهرهم بمظهر لائق أمام الأنظمة والأحزاب الأخرى، على حساب المعركة، وعلى حساب أهلنا وإخوتنا في سورية المصابرة !
وإذا كانت المعركة غير مجدية وغير ممكنة، فإن الاستعداد لها ليس ضرورياً!، ويكفي إرسال بعض الأموال إلى الداخل، طالما أن ذلك يمنحهم لقب "قادة الثورة الإسلامية" والمشرفين عليها. وهكذا أُهملت المعركة ونُسيت تماماً..
     ثانياً: إصرارهم على عجز المسلمين عن خوض المعركة بمفردهم، وضرورة الالتقاء مع الجهات السياسية غير الإسلامية عبر جبهة وطنية (تحالف وطني) من أجل هذا الغرض، مع معرفتهم الكاملة بعجز مثل هذه الجهات، ودورها الهامشي في الصراع الدامي الذي يخوضه المجاهدون، ورغم الاتفاق المسبق معهم قبل إبرام  الوفاق، على استثناء أمثال هذه القضايا من مجال العمل السياسي للجماعة، (فقد تم الاتفاق قبل إبرام الوفاق على أنه: لا لإلقاء السلاح ولا للمفاوضة مع الطاغية، ولا للجبهة الوطنية والتحالف الوطني، وبناء على هذا تم الوفاق)، كل هذا لم يثنهم عن سعيهم الحثيث من أجل تحقيق هذا الهدف، مع إنكاره ونفيه بشدة أمام القواعد، حتى لا تثور ضدهم، وترويضها عليه بالتدريج، لتقبل به – مع الزمن -، وفي الوقت المناسب، وكلنا يذكر الإيمان المغلّظة التي اقسمها أولئك بمن فيهم "مراقبهم العام "، ينفون فيها أي حقيقة لما يسمى "جبهة وطنية" أو " تحالفاً وطنياً" وأن كل ذلك ما هو إلا شائعات وافتراءات مصدرها الطرف الآخر! (الطليعة المقاتلة)، ثم لم تلبث الأمور أن تكشفت على حقيقتها المفجعة وأُعلن ميثاق" التحالف الوطني لتحرير سورية " في 11/ آذار 1982. وقد ترتب على مواقف القيادة جملة نتائج :
      أولاً: إهمال المعركة العسكرية تماماً وهي التي يفترض أن تكون في رأس اهتمامات القيادة مما أدى إلى تراجع العمل العسكري في المدن، وإفساح المجال لمخططات الدولة وإجراءاتها القمعية تفعل فعلها في المجاهدين وأنصارهم من الشعب المسلم، دون رقيب أو حسيب.
      ثانياً: ازدياد شقة الخلاف بين الفصائل الإسلامية، بسبب موقف قيادة "التنظيم الدولي" ونواياها السيئة في المسلمين وقضيتهم، مما أدى إلى تراجع كبير على مستوى وحدة العمل الإسلامي، وبدلاً من أن يحلّ الوفاق مشكلة الفرقة والتجزئة التي تعصف بالمسلمين، زادها تعقيداً وسوءاً، وافرز تناقضات جديدة تكرّس واقع التشرذم والتفكك الذي تعيشه الجماعات الإسلامية.
     ثالثاً: تضييع الطاقات والإمكانات التي أتيحت للقيادة والتي كانت كفيلة وبأقل الجهد – بمشيئة الله – بإسقاط النظام النصيري، وتحقيق كل ما تصبو إليه الجماعة من إقامة حكم الله في الأرض وإقرار منهجه فيها لو كانت هناك النية الصادقة في العمل والتوجه الحقيقي والجدي للمعركة، ولقد ترتب على هذا الضياع أسوأ النتائج.
      رابعاً: التقاط النظام النصيري أنفاسه من جديد بعد ما وصل إلى حافة الهاوية متراجعاً أمام ضربات المجاهدين، وإقدامه على حملات قمع واسعة بحق الشعب مستغلاً غياب الردع الإسلامي القوي الذي كان يصطدم به في السابق كلما حاول شيئا من ذلك.
     وأمام هذا وغيره، لم يكن أمام المجاهدين (الطليعة المقاتلة) الذين دخلوا الوفاق من أجل المعركة، إلا أن يعارضوا بشدة نهج القيادة – إياها – وسياستها، وان يطالبوها باستمرار، بتجاوز الواقع المؤلم والسعي لحشد الطاقات والإمكانات وإعداد العدة لحسم المعركة مع النظام وإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله لا بشرع العبيد.
 واستمر هذا الخلاف بين المجاهدين والطرف الآخر، يزداد حدة كل يوم، ومع كل سلبية تسفر عنها أعمال هذه القيادة، حتى وصل إلى نهايته الطبيعية وهي قناعة المجاهدين بعدم جدوى المضي في الوفاق، وبإثم من يفعل ذلك، فالمسلمون يُذبَحون، والأمور تزداد سوء كل يوم، والإصلاح غير ممكن، وما من سبيل إلا حلّ هذا الوفاق، ووضع  حد لهذه المهزلة.
     وأصدرت الطليعة المقاتلة بيانها الشرعي والتاريخي المؤرخ في 20 من صفر الخير 1402هـ الموافق 17 من كانون الأول 1981 تعلن فيه حل الوفاق واستئناف المعركة بمفردها داعية كل المؤمنين المخلصين الواعين لتقديم جهودهم في هذه المعركة، وكان ذلك نهاية لمرحلة أخرت مسيرة الحركة الجهادية زمناً طويلاً إلى الوراء.
       ذهاب أبي عمار إلى حماة:
     بعد حل الوفاق قرر الأخوة في الطليعة المقاتلة متابعة المعركة بمفردهم، وتقرر ذهاب الأخ أبي عمار إلى حماة، لمناقشة أمور المعركة، مع قيادة الطليعة المقاتلة في الداخل، وتقويم المرحلة بما في ذلك قرار المفاصلة ووضع خطة عمل جديدة لاستئناف القتال والجهاد الذي أُهمل طوال أيام الوفاق.
     وصل الأخ أبو عمار إلى حماة يوم الأربعاء 20/1/1982، أي بعد شهر تقريباً من قرار المفاصلة، والتقى بالأخ أبي بكر والقيادة في حماة، وفوجئ بالوضع المؤلم الذي تعيشه المدينة، والذي كان له عدة أسباب شرحها الأخ أبو بكر، تتعلق بالحسم والانقلاب العسكري وذلك كما يلي:
    الحسم والانقلاب العسكري:
     تم الأعداد من قبل القيادة الميدانية في الداخل للمعركة الحاسمة مع النظام، وكان مخطط الحسم يشتمل على تحرك المجاهدين في حماة وباقي المدن، وتحرك الضباط المسلمين في الجيش، وضَرْب النظام الضربة الشاملة، وتم إخبار قيادة الوفاق بالأمر، وذلك عند اجتماع الأخ رائد (من قيادة حماة) وأحد الأخوة من كبار الضباط، مع المراقب العام، وتم الاتفاق بينهم على الحسم، ووعدوا بتأمين العدد الكافي من المقاتلين ضمن مدة محددة. 
     وأكد الأخ الضابط الكبير للقيادة، أن الوضع لا يحتمل التأخير ويتطلب أعداد العدة في أسرع وقت ممكن، وحتما قبل 1/1/1982وهو آخر موعد يمكن الانتظار إليـة، بالنسبة للإخوة الضباط في الجيش، وقال لهم مؤكداً: (إنهم نجوا من تسريحات 1/7/1981). وبعث الأخ أبو بكر أكثر من مرة يستعجل القيادة في موضوع الحسم ويبلغهم بخطورة الأوضاع في مدينة حماة بالذات، وبالتوتر الذي بدأ يزداد مع اقتراب موعد الحسم، والقيادة تواجِه بالتجاهل، كل ما يجري داخل البلد!
     وبتاريخ 7/12/1981 بدأت الأمور تسير في منحىً جديد، حيث ضربت السلطة طوقها حول مدينة حماة، وحاصرتها حصاراً كاملاً، وبدأت عمليات تفتيش وتمشيط سقط على أثرها عدد كبير من الشهداء والمعتقلين وبعث الأخ أبو بكر برسالة للقيادة وراء الحدود يشرح لهم فيها بالتفصيل ما حدث في حماة ومقدار الخسائر، والوضع المتدهور الذي يزداد سوءا يوماً بعد يوم ويهدد بدمار المدينة والبلد إذا لم يبادر الإخوة إلى حسم الموقف. ووصلت هذه الرسالة بتاريخ 25 كانون أول 1981 إلى قيادة الإخوان (التنظيم الدولي) كاستمرار لوضع الوفاق، ولم تعلم الطليعة المقاتلة في حينه شيئاً عن الوضع في حماة.
     وجاء يوم 1/1/1982 وهو آخر موعد للحسم ولم تقدم القيادة شيئاً مما اتفق عليه، فقرر الإخوة التحرك بمفردهم لمواجهة النظام بعد أن يئسوا من إمكانية العون (من الخارج) وحددت ساعة الصفر في 25/ كانون ثاني 1982. وتشاء إرادة الله أن تضع الدولة يدها على المحاولة الانقلابية، وحدث ما كان متوقعاً وما نبّه إليه الإخوة من قبل، وتم اعتقال الضباط في 8 كانون الثاني 1982 وأُعدم معظمهم وكشفت السلطة مخطط الحسم وعرفت دور حماة فيه فازدادت غيظا على غيظ.
وعاشت حماة أسوأ أيام حياتها منذ ذلك التاريخ، فالسلطة تحاصر المدينة، وجميع قواعد الإخوة قد كُشِفت والإخوة المجاهدون يتساقطون واحداً بعد الآخر، والشعب يئِنُّ من وطأة الحصار، ويكاد ينقلب على المجاهدين، ولم يكن هناك من حل إلا المواجهة واتخذت قيادة المجاهدين في حماة، قراراً بذلك، كحلٍّ اضطراري لا بد منه، وتم تبليغ التعليمات الأولية والمتعلقة بهذا القرار إلى جميع المقاتلين قبل لقاء الأخ أبي عمار مع الأخ أبي بكر.
     وأثناء لقاء الأخ أبي عمار مع الأخ أبي بكر، فوجئ الأخير بعدم معرفة أبي عمار بوضع حماة، مع أنه بعث رسالة مفصلة في ذلك إلى قيادة الوفاق قبل شهر من ذلك التاريخ يشرح فيها وضع المدينة الذي لابد من تداركه قبل فوات الأوان.
     وأُعلم الأخ أبو عمار بالموقف ووُضع بالصورة الكاملة عنه، فما كان منه إلا أن أبدى رغبته بالمشاركة في بذل الدم، وتقديم كل ما يستطيع لمساعدة إخوانه، كما طلب إلى الإخوة إبلاغ قيادة الإخوان (التنظيم الدولي) بقرار المعركة، وبضرورة التدخل لإنقاذ حماة.
     وبعث الأخ أبو بكر برسالة خطية إلى القيادة وراء الحدود وإلى جميع المسلمين ، يوضح فيها حقيقة الظروف التي تعيشها المدينة وما ترتب على ذلك من قرار الإخوة بالمواجهة ويطالبهم فيها بالتدخل.
     وغادر الأخ أبو عمار حماة إلى خارج البلاد يوم الجمعة 21/1/1982 حاملاً رسالة الأخ أبي بكر والشيفرة المتفق عليها، وبعث حال وصوله البرقية (إلى 99 السماء صافية) والتي تعني وصوله، وبعدها البرقية الوحيـدة والتي أذيعت مساء يوم 25/1/1982 وكان نصها كالتالي:
-                   وصلنا بشق الأنفس
-                   اتصلنا بالسعودية لإعلام حسن هويدي بالموقف
-                   أنا ذاهب مساء إلى ... بصحبة أبو عمرو
-                   انتظروا برقيات لاحقة                 أبو عمار.
     التقى الأخ أبو عمار بالقيادة – خارجاً – وسلمهم الرسالة ووضعهم بالصورة الكاملة عن الوضع، طالباً إليهم التنسيق وبدون شروط واضعاً مصلحة المسلمين في إنقاذ حماة فوق كل اعتبار ولكنه فوجئ بقيادة الإخوان (التنظيم الدولي) تشكك بالرسالة وتتهم صاحبها بالمزايدة، وترفض التدخل في المعركة التي سمتها انتحاراً.
     ولم تملك الطليعة المقاتلة وقتها إلا أن تتحرك بمفردها وتهب لنجدة حماة وحدها، وتتفاعل معها القواعد المخلصة وتستعد للالتحاق بها، فتتخذ قيادة الإخوان قراراً تكتيكياً بحشد المقاتلين في المعسكر لتحول دون التحاقهم بإخوانهم في الطليعة المقاتلة موهمةً إياهم أنها تريد القتال، ولتبذل كل جهودها فيما بعد لقطع الطريق على الطليعة المقاتلـة وتطويق حركتها، للحيلولة بينها وبين أي عمل باتجاه حماة يحرج قيادة الإخوان التنظيم الدولي ... هذه القيادة التي ترفض المعركة حقيقةً، وتعتبرها انتحارية.
       تفجر الأوضاع في حماة 2/2/1982م
     تفجرت الأوضاع في حماة بتاريخ 2/2/1982م ووصلت أنباء انتصارات المجاهدين وتحريرهم للمدينة، فسارعت قيادة التنظيم الدولي إلى تبني العملية كالعادة، وأصدرت بيانها الأول بتاريخ 9/2/1982م موقعاً باسم "قيادة الثورة الإسلامية"! وتعلن فيه مسؤوليتها عن العمل وعن أحداث حماة بشكل رسمي، وتتابعت البيانات الصادرة من هذه القيادة والموجهة إلى الشعب والجيش وتعلن فيها (لحظة التفجير العام!) و(المعركة الحاسمة مع النظام!).. ظنَّاً منها أن أيام النظام أصبحت معدودة، وأن عليها أن تنتهز الفرصة وتسجيل هذه الانتصارات لحسابها، استعدادا لقطف الثمرة في المستقبل القريب.
     جاء في البيان الموجّه إلى الشعب في مدينة دمشق والذي أُذيع من "إذاعة صوت سورية العربية" بتاريخ 20/2/1982 بالحرف الواحد: "أيها الإخوة المواطنون . أيها الشعب المجاهد.. يا أبناء دمشق البررة: هذا نداء لكم من" قيادة ثورتكم"، نهيب بكم أن تلتحموا معها في معركة المصير ضد الطاغية أسد. إنّها اللحظات حاسمة في تاريخنا. إننا مقدمون على حسم الموقف وتصفية هذا المجرم وطغمته وزبانيته ..
     يا إخواننا أبناء دمشق: إننا باسم "الثورة الإسلامية"! نعلن لحظة التفجير العام! في مدينة دمشق، وسوف نواجه الطاغية من بين يديه ومن خلفه ومن تحت الأرض ومن فوقها! ولن ندع له مكاناً للهرب" !!
     وجاء في البيان الذي وجهه " سعيد حوى" عضو ما يسمى" بقيادة الثورة الإسلامية" مساء يوم الثلاثاء 16/2/1982م من إذاعة" صوت سورية العربية".. جاء فيه ما يلي:
"يا شعبنا المجاهد الأبي باسم رجال الفكر والعلم والرأي، باسم منظماتك السياسية والنقابية، باسم مؤسساتك الشعبية والرسمية، باسم المدنيين والعسكريين وقوى الشرطة والأمن نعلن ما يلي:
-                   أن شعبنا كله قد اتخذ قراره الذي لا رجعة عنه، ألا وهو إسقاط نظام السفاح أسد، وإقامة" نظام شعبي حر" يتساوى فيه المواطنون جميعاً في الحقوق والواجبات.
-                   أن مواقف حكومة سوريه بعد الانتصار الوشيك بإذن الله سوف تترتب على أساس المواقف التي اتخذتها أو سوف تتخذها دول العالم من جهاد شعبنا، ومن جرائم الطاغيـة الزائل.
...   أن التي نادت وامعتصماه عندما سُبيت، لباها المعتصم بجيش جرار دَكَّ حصون عمورية على رؤوس المعتدين، فها نحن قد لبينا النداء، وأعلنّا الجهاد!.."
واستمر الأمر كذلك، البيانات تصدر تباعاً، تنقل أخبار الانتصارات والبلدان المحررة! وأخبار المعارك التي بدأت تمتد إلى المدن الأخرى!! وتعلن مسؤولية" قيادة الثورة الإسلامية" عن كل ما يجري داخل البلد، مبشّرة المسلمين بقرب زوال هذا الكابوس المظلم عن شعبنا وأهلنا في سورية.
ويترافق مع ذلك طبعاً، تدفق هائل للأموال والرجال الذين جاؤوا من كل حدب وصوب لنجده إخوانهم في سورية.. وما هي إلا أيام قليلة حتى ينجلي الموقف، وتتوضح الصورة وتسفر المعركة عن النتائج المعروفة، فتعود القيادة إياها للتنصل من أقوالها المسجلة في بياناتها الرسمية (والتي أوردنا مقتطفات منها قبل قليل)، وتعلن بلسان احد قادتها لمجلة " الوطن العربي" العدد 267 الصادر بتاريخ 26/من آذار/ 1983م.
"أن السلطة هي التي وقَّتَتْ العملية، وافتعلت الأحداث واستدرجت الشعب للاستفراده في حماة"..
     ثم تصدر بيانات رسمياً بتاريخ 31/3/1983 تعلن فيه براءتها من قرار المعركة ومن المعركة التي دارت رحاها في حماة ولتقول: "لم أكن من جناتها علم الله" ..! ولتلقي مسؤولية كل ما حدث على الأخ أبي عمار، زاعمة:" أنه جّر الإخوة إلى معركة غير متكافئة.. ووعدهم بالدعم –عبر الشيفرة- وهو لا يملك إمكانية ذلك"، بالإضافة إلى سلسلة من الاتهامات والافتراءات مما نربأ بأنفسنا عن ذكره.
     وبكل بساطة انقلب الأمر عند قيادة الإخوان (التنظيم الدولي)، وأصبحت المعركة الحاسمة والشاملة التي أعلنوها ضد النظام النصيري، عبر بياناتهم الرسمية، أصبحت من تدبير أبي عمّار، أو قل إن شئت أنها" معركة وقتتها السلطة واستفردت فيها شعب حماة" .
     وما الجهاد الذي أُعلن.. و"لحظة التفجير الشامل" ..و"المعركة النهائية الحاسمة" إلا وهم راح ضحيته شعبنا المسلم المصابر في سورية.
     إن الأيدي التي هيأت بتخاذلها وإهمالها – عبر الشهور الطويلة في الوفاق – الظروف الموضوعية لما حدث في حماة من معركة غير متكافئة.. هي ذاتها التي أصدرت البيانات الكاذبة تعلن فيها مسؤوليتها عما يجري في سورية.. وهي ذاتها التي أشارت فيما بعد بإصبع الاتهام إلى الطليعة المقاتلة لتدفع عن نفسها التهمة المتلبسة بها.. ولتغطي على دورها التخريبي المشبوه الذي راح ضحيته المسلمون في حماة.
      إننا وإيم الله لم نتجن على أحد وقد سقنا على كلامنا الأدلة، ولم نلقه هكذا جزافا، لأنه ليس من عادتنا، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضية المسلمين ومعركتهم التي كنا وسنبقى أمناء عليها، أوفياء لها بعون الله
*   *   *
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا الاستعراض الشامل لما حدث لماذا لم تتدخل قيادة الإخوان (التنظيم الدولي) لمساعدة الإخوة المجاهدين في حماة مع قدرتها على ذلك، وتوفر كافة الإمكانات؟
     وتجيب هذه القيادة : إن أسبوعا واحداً غير كاف لاستكمال، لوازم المعركة وإحكام الخطّة. وتدحض هذا القول ثلاث حقائق نثبتها فيما يلي:
     أولاً: أن المعركة التي خاضها المجاهدون في حماة ليست وليدة ساعتها بل هي معركة يجري التحضير لها منذ شهور طويلة وبعلم قيادة الإخوان "التنظيم الدولي" وبالاتفاق معها، عبر ما يسمى بالوفاق. وكان يفترض أن هذه القيادة تقوم بإعداد العدة وحشد المقاتلين وإحكام الخطّة، منذ زمن طويل، استعداداً للمعركة الفاصلة، وهذا ما كانت تؤكده القيادة باستمرار، سواء للإخوة المقاتلين في الداخل، أو للناس أجمعين خارج البلاد، من أنها عاكفة على وضع الخطط العسكرية والسياسية، وإعداد العدة المادية والبشرية، وتهيئة كل الظروف للمعركة الحاسمة، فكيف والحال هذه، تدّعي القيادة أن الوقت غير كاف..؟
      ثانياً: أن القيادة على علم بوضع حماة المتدهور قبل نزول الأخ أبي عمار بشهر كامل، حيث وصلتهم رسالة مفصلة من الأخ أبي بكر([1]).في ذلك، وكان بالإمكان فعل شيء ما لمعالجة الوضع وتفادي أخطاره قبل وقوعها.
     ثالثاً: إذا كان واقع الأمر أن القيادة لم تفعل شيئا طوال أيام الوفاق، ولم تستجب لرسالة أبي بكر التي تنذر بسقوط حماة، فإن ذلك لا يعفيها من المشاركة في المعركة بعدما وصلتهم رسالة الأخ أبي بكر الأخيرة والتي يطلب فيها النجدة، مهما تكن الظروف، كحل اضطراري يُقدَّم فيه"إنقاذ حماة" على أي اعتبار آخر من الاعتبارات الفنية والتعبوية، وكان على القيادة أن تتوكل على الله في النتائج، والله لن يخذل المسلمين ولن يتركهم لمضيعة، ولنا في معارك المسلمين شاهد صدق على ما نقول، فكم من معركة خاضها المسلمون قلة في العدد والعدة ونصرهم الله بصدق أيمانهم وحسن توكلهم عليه.
      وهاهي معركة بدر التي فَصَل الله فيها بين الحق والباطل، بخوضها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بجيشه الذي لم يخرج لقتال وينقصه العدد والعدة فينصره الله تعالى نصراً مؤزر أو يشاء  ويشاء الله أن تكون هذه المعركة هي المعركة الحاسمة في تاريخ الإسلام، لينطلق بعدها انطلاقته الظافرة الميمونة والتي أودت وإلى الأبد بأصنام الجاهلية وطواغيتها.
(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ).
    وبعد.. فهذا جانب من الحقيقة يوضح ما حدث في حماة كشفنا عنه مضطرين، وأمسكنا عن جوانب أخرى، آثرنا أن نحتفظ بها، لأننا لا نريد لمعركتنا أن تنحرف عن أهدافها الأساسية في مقاتلة النظام الكافر، ولأننا مقتنعون بأنه سيأتي اليوم الذي توضح فيه الحقائق كاملة، وترد الأمور إلى نصابها ويأخذ كل ذي حق حقه.. " وما ذلك على الله بعزيز" ، " ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون" .
الجهاد: العدد الثاني/ جمادى الأول 1403هـ الصفحة (14-26).


[1] - تاريخ هذه الرسالة هو: 25/12/1981م وجاء فيها بالحرف: "لقد حوصرنا.. وسننزل إلى الشوارع! "، وبين أيدينا وثيقة تثبت ذلك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.