موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الخميس، 28 يونيو، 2012

أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (41)


أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (41)
رضوان محمود نموس
نتكلم في هذه الحلقة عن محاولة محمد عمارة تحديد الأسوة والقدوة والرواد للصحوة الإسلامية بل والأمة ويقدم هؤلاء على أنهم هم الرواد في الوقت الذي يحاول إهالة النسيان والجحود على جهود العلماء والرواد الحقيقيين ويصر على تشويه حقائق الإسلام بالباطل, والرائد الثاني والأساس من الناحية التاريخية هو رفاعة الطهطاوي. عمارة هذا الذي وصفه القرضاوي:[بأنه أحد مجددي هذا القرن وأحد الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية.] حسب ما نشر موقع الجزيرة وغيره من المواقع المصدر:  (الجزيرة نت) 3/11/2010
رفاعة الطهطاوي (1216-1290هـ 1801-1873م)
ترجمة مختصرة:
وهو الرائد الحقيقي عند عمارة، هو رفاعة رافع الطهطاوي ولد بطهطا سنة 1216هـ. سافر إلى القاهرة والتحق بالأزهر سنة 1232هـ, وتخرج 1238هـ, واهتمّ به حسن العطار، وكان يدرسه دروساً خاصة في كتب لا تتداولها أيدي علماء الأزهر, والتي حصل عليها العطار من الفرنسيين نتيجة اختلاطه بهم. ولمّا أراد محمد علي إرسال بعثة إلى فرنسا قام حسن العطار بترشيح رفاعة الطهطاوي لمحمد علي ليكون إماماً للبعثة، وكان عمره آنذاك 25 سنة حيث أرسلت البعثة سنة1241. وفي فرنسا تولى المستشرق الفرنسي جومار الإشراف على البعثة وخاصة الطهطاوي، وعيَّن له مدرساً خاصاً يوجهه في اللغة والآداب وغيرها.
وبقي هناك سبع سنوات، ثم رجع أوائل عام 1249هـ. وكان أبرز أعماله كتابه: (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).
الطهطاوي وكتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز):
كتب الطهطاوي هذا الكتاب أثناء إقامته في فرنسا. نقل فيه عادات الفرنسيين وتقاليدهم, كما نقل وصفا ًحياً لمراقص باريس وملاهيها الليلية وباراتها وزانياتها.
[ وقد أعجب محمد علي باشا بكتاب تخليص الإبريز وسُرَّ له، وأصدر أمراً بقراءته في قصوره وتوزيعه على الدواوين والوجوه والأعيان بعد طبعه، كما أمر بتلاوته للانتفاع به في المدارس المصرية، وقد طبع في عهده مرتين ]([1]).
واعتبر هـذا الكتاب أهمّ كتاب في الصحوة عند الحزب الفرنسي، لذلك سنورد أهم ما جاء في فهرس الكتاب مع بعض الفقرات الصغيرة لإلقاء الضوء على هذا الكتاب. 
- أهم فقرات الكتاب:
ذكر الرحلة إلى باريس وأغراضها.   
1.     السفر بحراً إلى مرسيليا.
2.     من مرسيليا إلى باريس.              
3.     وصف باريس وحضارتها.                  
4.     الكلام على أهل باريس.            
5.     تدبير وسياسة الدولة الفرنسية.         
6.     الدستور الفرنسي.
7.     الوزراء.                             
8.     القضاة.
9.     حقوق الناس التي يضمنها مجلس النواب.
10.     حقوق الشعب في ثورة 1831
11.     عادات أهل باريس ومساكنهم.       
12.     غذاء الباريسيين ومشاربهم.
13.     ملابس الباريسيين.                     
14.     نظام الباريسيين الصحي.
15.     منتزهات الباريسيين.                    
16.     عناية الباريسيين بالطب وعلومه.
17.     في فعل الخير بمدينة باريس.             
18.     في كسب مدينة باريس ومهارتها.
19.     في دين أهل باريس.                   
20.     في العلوم والتربية عند الفرنسيين.
21.     في أحوال البعثة المصرية في باريس.   
22.     في ثورة سنة 1830 بباريس.
23.     في علوم الفرنسيين ومعارفهم.
24.     في تعلم أمور الدين وإحكامه مقام العقل. 
25.     في الإنسان كحيوان ناطق.
26.     في الصفات العامة والخاصة لدى الذكور والإناث.
27.         في اشتراك المرأة والرجل ببعض الصفات وتمايزهما في البعض الآخر.
28.     مميزات المرأة.                    
29.     في نفوذ النساء على قلوب الرجال.
30.     نصيب المرأة من اللذات.        
31.     في التعليم والتعلم.

32.     في الوطن والتمدن والتربية.   
33.     في واجبات أبناء الوطن نحو وطنهم.
34.     حقوق المواطن.          
35.     واجبات المواطن.
36.     في القومية والدولة.
37.     في الموقف من اشتغال المرأة بالسياسة العليا وتولي النساء للملك:
         أ- بلقيس في اليمن.          ب- سمرة في نينوى.   
        ج- زرقاء اليمامة.      د- في مصر طما هوموت.
        هـ- في مصر كليوباترة.     و- زنوبية في الشام.   
         ز- شجرة الدر في مصر.     ح- بلنشة في فرنسا.  
        ط- اليزابيث في إنجلترا.       ي- مارية في أقوسيا.   
        ك- كاترينا في روسيا.    ل- مارية ترزية في النمسا.
        م- خريستنانة في أسوج.
38.     السلطة المعنوية للنساء.             
39.     في تمدن الوطن.               
40.     في الحرية والمساواة.                 
41.     أقسام الحرية.                 
42.     المساواة.                              
43.     العدل.                       
44.     في الأحكام الطبيعية العقلية.         
45.     في الزواج.
46.     تعدد الزوجات                        
47.     الجمال الحسي والمعنوي.     
48.     في التسري.                        
49.     الغناء والزوجة والحب.      
50.     في السمرة والبياض.              
51.     في البكورة والثيوبة.         
52.     في السمن والضمور.              
53.     في الحسن والجمال.          
54.     في زينة المرأة.                   
55.     الوحدانية في الحب.          
56.     الاختيار والاضطرار في الحب.   
57.     عشق الحواس وعشق القلب. 
58.     في عمارة المنازل وعلاقته بالنساء. 
59.     الحب فن نفيس.
60.     في القرابة وحقوقها.               
61.     تزويج البنت من تحب.

هذه أهم نقاط الفهرس، وسننتقل الآن لبعض الفقرات التي جاءت في الكتاب.

يقول الطهطاوي: [ فأول مرّة خرجنا إلى البلدة ومررنا بالدكاكين العظيمة الوضع المزججة بهذه المرايا والمشحونة بالنساء الجميلات، وكان هذا الوقت وقت الظهيرة، وعادة نساء هذه البلد كشف الوجه والرأس والنحر وما تحته والقفا وما تحته واليدين إلى قرب المنكبين، والعادة أيضاً أن البيع والشراء بالأصالة للنساء ]([2]).
وقال:[ ونساء الفرنساوية بارعات الجمال واللطافة، حسان المسايرة والملاطفة، يتبرجن دائماً بالزينة ويختلطن مع الرجال في المنتزهات، وربما حدث التعارف بينهن وبين بعض الرجال في تلك المحال، سواء الأحرار وغيرهن، خصوصاً يوم الأحد الذي هو عيد النصارى ويوم بطالتهم، وليلة الاثنين في البالات والمراقص الآتي ذكرها، ويحسن قول بعضهم شعراً:
والراقصات وقد مالت ذوائبها* على خصور كأوساط الزنابير
يخفي الردا سقمها عنا فيفضحها* عقد البنود وشدات الزنانير
ومما قيل أن باريس جنة النساء، وأعراف الرجال، وجحيم الخيل، وذلك أن النساء بها منعمات سواء بمالهن أو بجمالهن، وأما الرجال فإنهم بين هؤلاء وهؤلاء عبيد للنساء، فإن الإنسان يحرم نفسه وينزه عشيقته ]([3]).
ثم يقول: [ والبلاد الإفرنجية مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنها تجلب الأنس وتزين العمران، قد تقرر أن الملة الفرنساوية ممتازة بين الأمم الإفرنجية بكثرة تعلقها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدباً وعمراناً...ثم يسترون الحيطان بورق منقوش نقشاً نظيفاً...خصوصاً في أوضاتهم المزينة بأنواع من الأمتعة التي لا يمكن الإفصاح عنها ]([4]).
[وفي غالب أوضهم آلة الموسيقى المسماة (البيان).. وغالبها مشحون بالصور ]([5]).
[ و يكمل الأنس بحضور سيدة البيت أي زوجة صاحبه التي تحيي الضيوف أصالة وزوجها يحييهم بالتبعية، فأين هذه الأوض بما احتوت عليه من اللطائف وأوضنا التي يحيا فيها الإنسان بإعطاء شيق الدخان من يد خادم في الغالب أسود اللون ]([6]).
ويقول:[ وملابس النساء ببلاد الفرنسيين لطيفة بها نوع من الخلاعة.... وحليهن هو الحلق المذهب في آذانهن ونوع من الأساور الذهبية يلبسنه في أيديهن، وعقد خفيف في أجيادهن.... ولهن في البرد شريط فروة يضعونه في رقابهن ويرخين طرفيه إلى قرب القدمين، ومن عوائدهن أن يحتزمن بحزام رفيع فوق أثوابهن حتى يظهر الخصر نحيفاً ويبرز الردف كثيفاً، ومما أنشده الحاجري في ديوانه وإن كان فيه خروج، قوله:
ومزنر يا ليتني أستاذه * كيما أفوز بضمة من خصره
القس يسقيه شبيهة خده * والمسلمون بأسرهم في أسره
فوحقه لولا رشاقة قده * ما رق إسلامي لشدة كفره
ومن عادة النساء أن يشبكن بالحزام قضيباً من الصفيح من البطن إلى آخر الصدر حتى يكون قوامهن دائماً معتدلاً لا اعوجاج به، ولهنَّ كثير من الحيل، ومن خصالهن التي لا يمكن للإنسان أن لا يستحسنها منهن عدم إرخاء الشعور كعادة نساء العرب فإن نساء الفرنسيس يجمعن الشعور في وسط رؤوسهن ويضعن فيه دائماً مشطاً ونحوه، ومن عوائدهن في أيام الحر كشف الأشياء الظاهرية من البدن فيكشفن من الرأس إلى ما فوق الثدي حتى أنه يمكن أن يظهر ظهرهن، وفي ليالي الرقص يخلعن عن  أذرعتهن، وبالجملة فلا يعد ذلك من الأمور المخلة عند أهل هذه البلاد ]([7]).
ويقول: [ ومن المتداول عند الفرنساوية استعمال الشعور المستعارة ]([8]).
ويقول:[ ومن المنتزهات محال الرقص المسماة " البال " وفيه الغناء والرقص، وقلّ أن دخلت ليلاً في بيت من بيوت الأكابر إلا وسمعت به الموسيقى والمغنى، ولقد مكثنا مدة لا نفهم لغنائهم معنىً أصلاً لعدم معرفتنا بلسانهم ولله درّ من قال في مثل هذا الأمر:
ولم أفهم معانيها ولكن * ودت كبدي فلم أفهم شجاها
فكنت كأنني أعمى معنى * يحب الغانيات ولا يراها ]([9]).
ثم قال:[ ومن المنتزهات جمعية الناس، إلا أن فيها دائماً آلات الموسيقى والغناء والرقص وبين كل نوبة من الموسيقى والغناء يقسّم على الحاضرين بعض المطعومات ومشروبات خفيفة، وبالجملة فالموسيقى بالأصالة والشراب الخفيف بالتبعية هي حظ هذه المجالس كما قال الشاعر:
هل العيش إلا ماء كرم مصفق * ترقرقه في الكأس ماء غمام
وعود بنان حين ساعد شدوه * على نغم الأوتار ناي زنام
ولقد قلنا إن الرقص عندهم فن من الفنون فهو نظير المصارعة في موازنة الأعضاء... وظهر أن الرقص والمصارعة مرجعهما شيء واحد يعرف بالتأمل، ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العيافة والشلبنة لا من الفسق، فلذلك كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء لأنه يهيج الشهوات، وأما في باريس فإنه نمط مخصوص لا يُشمّ منه رائحة العهر أبداً. وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية وهكذا، وسواء كان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن، ولا يكفيهن واحد ولا اثنان بل يحببن رؤية كثير من الناس يرقصن معهن لسآمة أنفسهن من التعلق بشيء واحد كما قال الشاعر:
أيا من ليس يرضيها خليل * ولا ألفا خليل كل عام
أراك بقية من قوم موسى * فهم لا يصبرون على طعام
وقد يقع أن من الرقص رقصة مخصوصة، يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده فمس المرأة أياً ما كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء.. ومن الأيام العامة عندهم أيام تسمى (الكرنوال)]([10]).
وقال:[ لمّا كان من ضروريات الحكمة الاعتناء بحفظ صحة الأبدان، وكان الإفرنج أحكم الأمم، كثر اعتناؤهم بهذا الفن وبتكميل آلاته ووسائطه، وكانوا أشد الناس مسارعة لما فيه نفع للبدن كالحمامات... وفي الحمام صفان من الخلاوي صف للرجال وصف للنساء ]([11]).
وقال: [ أيوجد مثل باريس ديار* شموس العلم فيها لا تغيب؟
ومن جملة ما يعين الفرنساوية على التقدم في العلوم والفنون سهولة لغتهم وسائر ما يكملها، فإن لغتهم لا تحتاج إلى معالجة كثيرة في تعلمها حيث أنها لا التباس فيها أصلاً، فهي غير متشابهة بخلاف اللغة العربية ]([12]).
وينقل رفاعة الطهطاوي تقريظ المستشرق (سلوستري ساسي) الذي أرسله لكتابه وأمره أن يطّلع عليه المسيو جومار، قال فيه: [لمّا أراد مسيو رفاعة أن أطّلع على كتاب سفره المؤلف باللغة العربية قرأت هذا التاريخ إلا اليسير منه فحق لي أن أقول إنه يظهر لي أن صناعة ترتيبه عظيمة، وأن منه يفهم إخوانه من أهل بلاده فهماً صحيحاً عوائدنا وأمورنا الدينية والسياسية والعلمية، ولكنه يشتمل على بعض أوهام إسلامية ]([13]).
ثم يعدِّد رفاعة الطهطاوي الكتب التي قرؤوها أثناء بعثتهم في فرنسا وسأنقلها باختصار: [ سير فلاسفة اليونان - تاريخ قدماء المصريين - قـدماء العراقيين - قدماء الشام - قدماء اليونان - قدماء العجم - قدماء الرومانيين - قدماء الهنود - علم الميثولوجيا - سير أخلاق الأمم وعوائدهم - رحلة انخرسيس إلى بلاد اليونان - كتاب سيغور في التاريخ العام - سيرة نابليون- بانوراما العالم -كتاب بزوت في الحساب- كتاب جغرافيا يشتمل على الجغرافيا التاريخية والطبيعية والرياضية والسياسية -علم المنطق الفرنسي- كتاب آخر في المنطق اسمه كتاب قندلياق -مجموعة قصص وآداب نوبل- ديوان فولتير -ديوان رسين- ديوان جان جاك روسو وكتبه -المقامات الفرنسية- الحقوق الطبيعية -التحسين والتقبيح العقلي- الدستور الفرنسي- روح الشريعة لمنتسكيو- العقد الاجتماعي لجان جاك روسو وهو عظيم في معناه - تاريخ الفلاسفة  ]([14]).
وبهذا نعلم ماذا كان هدف البعثة وأساسها، هل الصحوة العلمية الصناعية أم نقل ضلالات أفكار الكفرة؟.
ثم ينقل إلينا القيم البلاغية عند الفرنسيين فيقول:[ وإذا أردت أن تعبر عن شخص حسن بأنه بديع الجمال فتقول: هو شمس، أو عن حمرة خده فتقول خدوده تتلظى، فإن هذا التشبيه حسن في اللغة العربية غير مقبول أصلاً في اللغة الإفرنجية، وكذلك ما يقال في الريق ونحوه.... فأغلب التشبيهات غير مقبولة عندهم لأنهم يقولون إن الطبع لا يألف الريق مثلاً لكونه آيل إلى البصاق، وإذا شبهت بضع العذراء قبل افتضاضها بالوردة التي لم تتفتح ثم بعد بالوردة المفتوحة كان ذلك عظيماً عند الفرنسيين ]([15]).
ويقول:[ فالعقل النير رسول قبل واسطة النبي المرسل والملك المقرب ]([16]).
وقال:[ وقد انتظم النساء عند اليونان في سلك التربية فاكتسبن من التعليم فضائل الرجال وصحة الأبدان، فبهذا كان لهنّ السلطنة العليا على قلوب الرجال بحسن التربية والتعليم، فكان يجب عليهن معاناة الرياضات الشاقة واستمرار اللعب والمصارعة، فبذلك حصل في تلك البلاد من النساء مدة طويلة من العجائب والغرائب ما يساوي شجاعة الرجال، ولهذا أيضاً احترمهن الأبطال احتراماً بليغاً، حتى أن سلطنتهن على قلوب الرجال نشأ عن ميلهن لأعمال الشجعان ]([17]).
وقال:[ وقد اجتهد الأورباويون الذين بلادهم الآن هي أقوى البلاد في أن يربوا بناتهم كتربية الأولاد ]([18]).
ويقول:[ فجميع ما يصدر من الرجل مما يستحسنه النساء يقوي سلطنتهن على قلوبهم، فإن الرجل يتمنى دائماً نجاح أفعاله وصلاح أشغاله وثمرة مشروعه ليعجب زوجته و غيرها لتشهد له بالفتوة والشجاعة والبراعة، فمطمع أنظار الرجل في نجاحه وفلاحه وكسبه واغتنامه إرضاء زوجته المحبوبة ]([19]).
وقال:[ تولي النساء للملك. إن التعليل بالضعف عن القيام بأعباء الملك أمر أغلبي، فقد عهد في النساء بعض ملكات أحسنَّ السياسة والرئاسة على ممالكهن واكتسبن قصب السبق في ميادين الفخار ]([20]).
ثم عدد من الملكات 14 ملكة وقال:[ سلطنة النساء على قلوب الرجال. وهذه السلطنة نفوذها يكفيهم في تحسين أحوال الرجال وترقيق طباعهم، فإن الحب سلطان قادر وملك قاهر، تذل لهيبته الأملاك، وتذعن لسطوة سيوفه الفتاك، وتنقاد لطاعته الزهاد والنساك ]([21]).
ويقول:[ ومن أعظم معين على التمدن حرية الملاحة والسياحة في البر والبحر، فإنها عادت على جميع ممالك الدنيا بالثروة والغنى والاطلاع على عجائب الدنيا ]([22]).
ثم عدَّد الحريات فقال:[ وتنقسم الحرية إلى خمسة أقسام: حرية طبيعية، حرية سلوكية، حرية دينية، حرية مدنية، حرية سياسية ]([23]).
وقال في تعدد الزوجات:[ ونُدِبَ أن لا يزيد على امرأة من غير حاجة ظاهرة ]([24]).
ثم ساق ستين صفحة من (ص/503 إلى ص/563) في وصف نساء كل بلد وميزاتهن الفنية والجمالية وال.. ألخ.
ونقل أقوالاً في مدح الغناء فقال: [ قال بعض الحكماء: فضل الغناء كفضل النطق على الخرس، وفي كلام بعضهم أن الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى المتحرك، والصوت الشجي يوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة، لأنه يؤنس الوحيد ويروح التعبان ويسلي الكئيب، قال أفلاطون: هذا العلم يعني علم الموسيقى لم يضعه الحكماء للّهو واللعب، بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس، وترطيب اليبوسات، وتعديل السوداء، وترويق الدم، وقال بعضهم سميت الأنغام والألحان بالغناء لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعه ]([25]).
هذا هو كتاب رفاعة الطهطاوي المجدد، باعث النهضة الحديثة عند عمارة، وهذا الكتاب الذي طبع ووزع وأمر بتلاوته في الدوائر الحكومية والمدارس.
ورفاعة كما وصفه أحبابه حيث قالوا عنه: [ والشيخ رفاعة الطهطاوي الذي اختير إماماً للبعثة، ولكنه عاد ملء إهابه ثقافة غربية، ودرس الحياة الفرنسية وحدّث عنها ]([26]).
ويصفون أثره فيقولون:[ وكان أثر هؤلاء أن حرّروا الرأي، وأحسنوا التوجيه، ولقحوا الأفكار والعقول بلقاح جديد، وأفادوا من الغرب طرائق تفكيره ]([27]).
وكان رفاعة بعد عودته يدرِّس (الشرائع الإسلامية والقوانين الأجنبية)([28]).
[وكانت سياسة مدرسة دار الألسن التي أُسِّسَت بناءاً على طلب رفاعة الطهطاوي هي نقل الحضارة الغربية والثقافة الأوربية]([29]).
ومما قام به رفاعة في مجال الترجمة: ترجمة القانون الفرنسي, والدستور الفرنسي, وكتاب مونتسكيو روح الشرائع, وكتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو.
كما ترجم كتاب بداية القدماء وهداية الحكماء، وهو تاريخ اليهود في فلسطين، مما يعطي مبرراً سياسياً لعودة اليهود إلى فلسطين.
[وترجم القانون المدني الإفرنجي نقله من الفرنسية إلى العربية، وقد عاونه بعض المساعدين، وترجم أيضاً قانون التجارة الفرنسي، ومن القوانين التي عرّبها رفاعة وتلامذته استمدّ الشارع المصري معظم أحكام قوانين المعاملات المدنية والمرافعات والعقوبات، وتلك القوانين التي بني عليها أساس النظام القضائي الحديث]([30]).
ترجمته للدستور الفرنسي
 وننقل مقتطفات من ترجمته للدستور الفرنسي:
يقول:[ والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساساً لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى لويز الثامن عشر، ولا زال متبعاً عندهم ومرضياً لهم، وفيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدلوإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم  لتعرف كيف حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الملك وإراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً ]([31]).
ثم قام في ص /96 إلى ص /106 بترجمة الدستور الفرنسي، أذكر بعض ما ترجمه:
المادة الأولى: سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة.
المادة الثانية: يعطون شيئاً من أموالهم لبيت المال.
المادة الثالثة: كل واحد منهم متأهل لأخذ أي منصب.
المادة السادسة: يشترط أن تكون الدولة على الملة الكاثوليكية.
المادة الثامنة: لا يمنع إنسان في فرنسا أن يظهر رأيه.
المادة الثالثة عشر: ذات الملك محترمة ومصونة والوزراء هم الكفلاء.
المادة العشرون: الملك وحده هو الذي يأذن بالقانون ويظهره للرعية.
المادة الرابعة والسبعون: لكل ملك من ملوك فرنسا أن يحلف عند توليه المملكة الفرنسية أن لا يحيد عن هذه الشروط.
ثم يعلق الطهطاوي على الدستور الذي يسميه شرطاً من الشروط فيقول:[ فإذا تأملت رأيت أغلب ما في هذه الشرطة نفيساً. فانظر إلى المادة الأولى فإنها لها تسلط عظيم على إقامة العدل وإسعاف المظلوم، وأما المادة الثانية لها أصل في الشريعة على بعض أقوال مذهب الإمام الأعظم، وأمّا الثالثة فلا ضرر فيها أبداً، وأمّا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء، وأمّا الثـامنة فإنهـا تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه ]([32]).
وهكذا استمرّ يمدح ويبرّر الدستور الفرنسي.
ويقول سالم بهنساوي:[ لقد كانت مصر في عصر محمد علي مسيَّرة إلى هذا التغيير والتقدم فيما كان يسمى بالعصرية، كان أمل هؤلاء في المدرسة العصرية والفكر العصري والدولة العصرية، ولهذا بعث محمد علي عدداً من العلماء إلى أوربا لهذا الغرض، ومنهم الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي عاد من فرنسا ووضع كتابه: (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) وقد أمر محمد علي بناء على تزكية من الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر بطبع الكتاب على نفقة الدولة وتوزيعه على الدواوين والوزارات والمدارس]([33]).
ثم قال البهنساوي:[ لقد طلب الخديوي إسماعيل من رفاعة الطهطاوي وضع كتاب يحثّ الناس على تعليم المرأة، ثم طلب منه تأليف كتاب في الحقوق والعقوبات الشرعية ليطبق في المحاكم على غرار القوانين الأوربية بعد أن رفض مشايخ الأزهر القيام بهذا العمل، وأوضح الخديوي للطهطاوي أنه أقدر على هذا العمل وأقدر على إقناع شيوخ الأزهر لأنه منهم، لأن أوربا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا لحكم شريعة نابليون، فاعتذر الطهطاوي وطلب إقالته حتى لا يتعرض لتكفير مشايخ الأزهر له في آخر حياته، فأقاله الخديوي وحل محله الشيخ محمد عبده ]([34]).
ولما جاء الخديوي عباس وكان يكره ما فعله الطهطاوي ومحمد عبده وحزب الفرنسيين والإنكليز شرّد بهم جميعاً، وممن شرَّد به الطهطاوي، أرسله إلى السودان وقال من هناك:
وما خلت العزيز يريد ذلي * ولا يصغي لأخصام لداد
لديه سعوا بألسنة حداد * فكيف صغى لألسنة حداد
مهازيل الفضائل خادعوني * وهل في حربهم يكبو جوادي
وملطبرون يشهد وهو عدل * ومنتسكو يقرّ بلا تمادي
ولاح لسان باريس كشمس * بقاهرة المعز على عمادي([35]).
فهو يفتخر بنشر اللغة الفرنسية ويتهجم على شيوخ الأزهر بادّعائهم أن عمل الطهطاوي منافٍ للفضيلة.
ومحمد عمارة لا يجهل الطهطاوي فها هو يقول عنه:[ فهو يريد تجديد فكر الأمة وحياتها بإتاحة الفكر الحضاري الفرنسي لعقول أبنائها ]([36]).
ثم يقول عنه:[ لقد تتلمذ في باريس على علماء أجلاء منهم جومار، وسلفستر دي ساي، وكوسوسال دي برسفال، وقرأ لأعلام بارزين مثل منتسكيو وجان جاك روسو ]([37]).
فالطهطاوي إذن مجدد فرنسي، يعتمد على أفكار مونتسكيو وروسو وأستاذه جومار، وهدفه نقل الفكر الفرنسي إلى مصر, فكيف يعود محمد عمارة لوصفه بالمجدد وباعث الصحوة الإسلامية، وكان الأولى به أن يقول الحقيقة بأنه رسول فرنسا في بلاد الإسلام.
ويقول عمارة عنه:[ كما ألف كتابه الفذّ تخليص الإبريز في تلخيص باريز، في صورة بحث اجتاز به الامتحان النهائي الذي عقد في أكتوبر سنة 1930 وهو الكتاب الذي أراد به أن يوقظ أهل الإسلام ويدخل عندهم الرغبة في المعارف المفيدة، ويولد عندهم محبة تعلم التمدن الإفرنجي ]([38]).
والقارئ الكريم يعرف كم هو فذّ كتاب رفاعة الطهطاوي، وكم هي مقدرته على الإيقاظ، وإلى أين سمته، وماذا يهدف في نقل فنون الرقص وأنواع الباليه والعادات الفرنسية والميزات الفنية والخلاعية والعهريّة العارية لنساء باريس؟!
ثم يقول عمارة:[ وفي ميدان البعث الوطني والقومي كان الطهطاوي رائداً بما أبدع... وبأول متحف للآثار الوطنية اقترحه وأقامه ليلفت نظر الأمة إلى عمقها الحضاري وليجعل لآثارها دوراً في شحن أجيالها الحاضرة بالكبرياء ]([39]).
نعم بشحن الأجيال بالتراث الفرعوني وتماثيل الفراعنة, كما أوصاه جومار المستشرق الفرنسي لإحياء تاريخ الأمم الفرعونية الكافرة الهالكة، لتصبح مصدر اعتزاز وكبرياء، هذه رسالة فرنسا التي ينفذها الطهطاوي.
 ويقول عمارة: [ وعلى عكس حركات التجديد السلفية النصوصية التي كانت تحذر مخالطة الأوربيين فضلاً عن التفاعل معهم والأخذ عنهم، لأنها كانت تعيش في إطار الفكر القديم الذي استقرّ منذ العصور الوسطى، والذي يقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، على عكس هذا الموقف دعا الطهطاوي إلى مخالطة الأوربيين والتفاعل مع حضارتهم والاقتداء بهم والأخذ عنهم فيما لا يخالف القيم والثوابت والدين، ولقد قدم لهذه النتيجة بمقدمات قسم فيها البشر تقسيماً جديداً لا يقوم على معايير الكفر والإيمان، وإنما يقوم على معايير التحضر والخشونة فالناس عنده مراتب ثلاث:
  1-  الهمل المتوحشون. 2-  البرابرة الخشنون. 3-  أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر.
وهو يضع عدداً من الشعوب المؤمنة بالإسلام في مرتبة البرابرة الخشنين، بينما يضع الأوربيين في مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر، وهو يعتبر مخالطتهم والتفاعل معهم المغناطيس الذي يجلب المنافع، "فمخالطة الأغراب لا سيما إذا كانوا من أولي الألباب، تجلب للأوطان المنافع العمومية العجب العجاب" ]([40]).
ويقول عمارة عن الطهطاوي:[ والطهطاوي إذ يواجه فكرية العصور الوسطى بالتفاعل مع الحضارة الأوربية والأخذ عنها، يمضى ناقداً قيم تلك الفكرية القديمة، فهو يدعو إلى حماية الدين والاعتزاز به، ولكنه يكره التعصب له وخاصة إذا كان هذا التعصب من الدولة، ذلك أن الملوك إذا تعصبوا لدينهم فإنما يجعلون رعاياهم على النفاق ]([41]).
إذن يريد الطهطاوي أن لا تتدخل الدولة بنشر ديانتها، أي فصل الدين عن الدولة، وهذا ما أراده منه جومار وبقية أساتذتـه، وهذا ليس اتهاماً منا، فها هو عمارة يقول:  [ والأمر الذي لا شك فيه أن الطهطاوي وهو يبشر بهذا الفكر، إنما كان يدين فكر العصور الوسطى وسلوك سلاطينها ويعبر عن تأثره بجزئية من جزئيات العلمانية الأوربية ]([42]).
هذا هو الداعية للصحوة التي يسميها محمد عمارة إسلامية، وكل مطلع وقارئ يعلم أنها دعوة تغريبية فرنسية تضليلية مبهورة بمظاهر فرنسا ونسائها وعريهن ومجونهن وخلاعتهن وزنانيرهن وأردافهن وشعورهن ورقصهن.. الخ, وليست دعوة لتجديد الإسلام والإصلاح.
أما ثالث الدعاة عند عمارة حسب الترتيب الزمني والأول حسب الأثر، فهو جمال الدين الشيعي الإيراني المتأفغن الذي أطلق على نفسه الأفغاني، وما أدراك ما الأفغاني.



[1] - المصدر السابق (1 / 85).
[2] - تخليص الإبريز، ص/ 55.
[3] -المصدر السابق، ص /80.
[4] - المصدر السابق، ص / 107.
[5] - المصدر السابق، ص / 108.
[6] - المصدر السابق، ص / 108 - 109.
[7] - المصدر السابق، ص / 117- 118.
[8] - المصدر السابق، ص / 118.
[9] - المصدر السابق، ص / 122.
[10] - المصدر السابق، ص / 122 - 123.
[11] - المصدر السابق، ص / 127.
[12] - المصدر السابق، ص / 160.
[13] - المصدر السابق، ص / 184.
[14] - المصدر السابق، ص / 190 - 191.
[15] - المصدر السابق، ص / 237 - 238.
[16] - المصدر السابق، ص / 284.
[17] - المصدر السابق، ص / 293.
[18] - المصدر السابق، ص / 294.
[19] - المصدر السابق، ص / 370.
[20] - المصدر السابق، ص / 449.
[21] - المصدر السابق، ص / 465.
[22] - المصدر السابق، ص / 471.
[23] - المصدر السابق، ص / 473.
[24] - المصدر السابق، ص / 489.
[25] - المصدر السابق، ص / 509.
[26] - الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة - للدكتور محمد كامل الفقي (1 / 49).
[27] - المصدر السابق (1 / 47).
[28] - المصدر السابق (1 / 70).
[29] - المصدر السابق (1 / 71).
[30] - المصدر السابق (1 / 89).
[31] - تلخيص الإبريز، ص / 95.
[32] - المصدر السابق، ص / 102 - 103.
[33] - مجلة المجتمع - العدد / 1304  بتاريخ 21 صفر 1419هـ.
[34] - المصدر السابق.
[35] - الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة - للدكتور محمد كامل الفقي (1 / 78).
[36] - مسلمون ثوار، ص / 340.
[37] - المصدر السابق، ص / 341.
[38] - المصدر السابق، ص / 341.
[39] - المصدر السابق، ص / 342.
[40] - المصدر السابق، ص / 345 - 346.
[41] - المصدر السابق، ص / 346.
[42] - المصدر السابق، ص / 346.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.