موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأحد، 10 يونيو، 2012

أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (39)


أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (39)
رضوان محمود نموس
نتابع في هذه الحلقة عن محاولة محمد عمارة التضليل وتقديم العلمانيين اللادينيين على أنهم هم الرواد في الوقت الذي يحاول إهالة النسيان والجحود على جهود المسلمين ويصر على تشويه حقائق الإسلام بالباطل. عمارة هذا الذي وصفه القرضاوي:[بأنه أحد مجددي هذا القرن وأحد الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية.] حسب ما نشر موقع الجزيرة وغيره من المواقع المصدر:  (الجزيرة نت) 3/11/2010
محمد عمارة وتجاهل الآخرين.
إن محمد عمارة عندما تكلم عن تيار الإحياء والتجديد لم يتوقف عن التضليل؛ بل قدم  الحزب الوطني -القديم- الذي أسسته الماسونية, وجمعية العروة الوثقى بنت الماسونية, والدستوريين الأحرار صنيعة الإنجليز -كما سنثبت لاحقاً-, وحزب الأمة, وحزب الوفد, والهيئة السعدية..رسلاً للعلمانية اللادينية.
وفي المقابل تجاهل كل الحركات الإسلامية.
فتجاهل الوهابية التي قاتلت ممثل فرنسا محمد علي باشا, وممثل بريطانيا داود باشا والي بغداد. وقاتلت الشيعة في الإحساء وكربلاء, وقاتلت المبتدعة, وأنشأت دولة امتد تأثيرها كما قدمنا في طول العالم الإسلامي وعرضه.
 وتجاهل إلى جانب هذه الحركة؛ الحركة السنوسية بليبيا, والحركة المهدية بالسودان. وحركة ابن فودي "غربي السودان" و"تشاد" هذه الحركات التي كانت تقاوم الاستعمار الأجنبي وتجاهده, وتقدم الشهداء.
 في حين كان رموز تجديد محمد عمارة يتنقلون بين حسناوات أوروبا في باريس ولندن. ولما عادوا إلى مصر صاروا تبعاً لكرومر, وكانوا يقضون الليالي الطوال مع (الليدي البرنسيس نازلي فاضل), ويكتبون عن تحرير المرأة وسفورها, وضرورة عريها, وخروجها عن الأخلاق.. استجابة لطلبات الليدي نازلي فاضل خدن كرومر وصاحبة القوامة على مدرسة الأشقياء الماسون.
ولئن ذكر عمارة الشيخ حسن البنا كرجل فلقد تجاهل النشاط والجهد الإسلامي في التوعية وفي الجهاد ضد يهود. بينما قام ما يسميه عمارة بتيار الإحياء والتجديد, بالتزلف ليهود ووصفهم رسلاً للحضارة
 كما تجاهل عمارة تيار أنصار السنة المحمدية في مصر, والذين كان من أبرز رموزه: السيد محب الدين الخطيب, والعلامة أحمد شاكر, والأديب محمود شاكر, وغيرهم.
وتجاهل الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية، كما تجاهل جماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية أيضاً.
 وتجاهل حزب التحرير، وشباب محمد صلى الله عليه وسلم, والحركات الجهادية في طول العالم الإسلامي وعرضه, وجماعة التبليغ وغيرها الكثير.
ومع أن لنا ملاحظات على بعض طروحات هذه الجماعات التي ذكرناها، قلَّت هذه الملاحظات أو كثرت إلا أنه لا بد من إحقاق الحق وقمع الباطل.
كما تجاهل عمارة الكثير والكثير من العلماء المستقلين أمثال: السيد جمال الدين القاسمي, وبهجت البيطار, وعز الدين القسام في الشام, والشيخ نعمان بن محمود الألوسي وأبيه في العراق, والإمام الصنعاني, والإمام الشوكاني, والشيخ عبد الرحمن المعلمي في اليمن, وصديق حسن خان الغنوجي في الهند, والشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام للدولة العثمانية والذي سكن مصر بعد سقوط الخلافة, وأمثالهم الكثير الكثير.
إن هذا التجاهل لا يمكن تفسيره إلا بمحاولة ستر الشمس بغربال, لإقناع الناس أن الليل هو الضياء. ولقد قال الفرزدق يوماً:
وليس قولك من هذا بضائـره       العرب تعرف من أنكرت والعجم. وسيأتي الرد على عمارة في قضية رموز الإصلاح عنده, وما يتعلق بهم عند الكتابة عنهم, كما سيتم تناول بقية النقاط إن شاء الله.
وإلى الذين يظنون أن محمد عمارة قد غير موقفه وأصبح إسلامياً ننقل بعض الفقرات مما جاء في مقالة له في (كتاب الهلال ديسمبر 2000) تحت عنوان الشهادة والعقل ، قال:[ فعلى حين اعتمدت الوضعية الغربية التجربة سبيلا أوحد للمعرفة الحقة جاعلة العقل منسقا بين معطيات التجربة ومنظما لها فإن النموذج الإسلامي في الثقافة قد اعتمد لسبل المعرفة أربع هدايات هي: العقل، النقل، التجربة، الوجدان. لا باعتبارها سبلا متجاورة ومستقلة كلا منها عن الآخر وإنما أولاها العقل ثم النقل أي القرآن والسنة ثم التجربة ثم الواجدان ]([1]).
وهذا خلط عجيب حيث قدم آراء البشر وأهواءهم على كلام الله ورسوله وفي ذلك استدراك على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا في السنة المطهرة المرجعية التي نرجع إليها ومنها نصدر دون زيادة أو نقص:
 فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {..وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ}([2]).
 وعَنْ مَالِك أَنَّهم بَلَغَهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ }([3]).
فمن قدم شيئاً على الكتاب والسنة فليس من المسلمين.
وعندما يتكلم عمارة عن العلاقة والتعايش مع الكفار يقول في نفس المقال تحت عنوان (الذات والآخر):[ سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل فإن وجود الآخر المتميز عن الذات والقبول له والتعايش معه هو القانون ولهذه الحكمة رفض النموذج الثقافي الإسلامي ويرفض منهاج الصراع سبيلا لحل التناقضات بين الذات والآخر لأن الصراع يعني أن يصرع طرف الطرف الآخر وينفرد بالميدان فتزول التعددية بين الفرقاء المتمايزين.. وبدلا من الصراع الذي لا مكان معه للتعددية والتعايش بين الذات والآخر يزكي النموذج الثقافي الإسلامي لحل التناقضات بين الفرقاء المختلفين منهاج التدافع الذي هو حراك يبدل المواقف والمواقع مع المحافظة على بقاء التمايز والتعددية دائما وأبدا { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } وكما جعل النموذج الثقافي الإسلامي من وجود الآخر السبيل لتميز الذات ودعا إلى تعددية التعايش بين الفرقاء المتمايزين رأيناه يرسم معايير الولاء والبراء بين الذات المسلمة وبين الآخر غير المسلم. فبيننا وبين الآخرين علاقات البر والقسط دائما وأبداً...وإذا كان الإسلام عقيدة صبغت حضارة وميراث ثقافة وتاريخا ووحدت أمة فإن جوامعه الحضارية والثقافية والتاريخية قد أدخلت غير المسلمين من الذين أظلتهم دولته في الذات المسلمة حضاريا فقامت وحدة الأمة مع تعددية الملل والشرائع داخل الأمة الواحدة ]([4]).
ونرى محمد عمارة هنا قد قلب الحقائق قلباً جلياً مستهتراً بعقول الناس وفهمهم. فبينما يقرر أن السنة هي التعايش مع الآخر والآخر هو الكفرة نرى القرآن الكريم يقول لنا:
{ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}([5]).
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ}([6]).
{فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نصيراً}([7]).
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}([8]). والآيات أكثر من أن تذكر في هذا الموقف.
ويقول لنا عمارة إن النموذج الثقافي الإسلامي يرفض منهاج الصراع سبيلا. بينما نجد أن القرآن والسنة والفقه كله جهاد وصراع مع المشركين من أصناف الكفار الحاليين حيث أنه لا يوجد لأي كافر حالياً عهد ولا ذمة ولا أمان ولا يؤدون جزية بل يعلنون العداء ويظاهرون الكفار الغربيين علناً وما ذاك إلا لعدم وجود حاكم مسلم يطبق شرع الله.  ثم يريد منا محمد عمارة ما هو أعلى من ذلك فيقول إن الإسلام دعى إلى تعددية التعايش ورأيناه يرسم معايير الولاء والبراء بين  الذات المسلمة وبين الآخر غير المسلم. فبيننا وبين الآخر علاقات البر والقسط دائماً وأبداً أي الولاء والموالاة.
وإذا تأملنا آيات القرآن نجده يقول لنا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }([9]).
كما يريد محمد عمارة باعتبار أنه يقدم نفسه كمجدد: أن يفرض لكلام المجدد مرتبة السنة فيقول في كتاب الهلال السالف الذكر:[ وفي النموذج الثقافي الإسلامي يبلغ التجديد مرتبة السنة والقانون لأن تمثيل هذا النموذج للشريعة الخاتمة يستدعي التجديد فيه حتى لا ينسخها التطور ويطوي صفحتها ولأن عالمية هذه الشريعة الخاتمة تستدعي هي الأخرى التجديد الذي يستجيب لجديد الأمم والبقاع والعادات والأعراف ]([10]).
وهذا القول لم يقل به أحد من الأولين والآخرين، اللهم إلا أن الشيعة قالوا شيئا قريبا من ذلك عندما زعموا أن أقوال أئمتهم الإثنى عشر سُنة وهم بهذا أقل ضلالاً من محمد عمارة الذي جعل أقوال كل مجتهد تساوي السنة سيما إذا أخذنا بالاعتبار أنه يعتبر نفسه من المجتهدينات !!.
و إنما سقنا هذا الكلام ليعلم المبررون أن عمارة مازال على مذهبه ومنهجه القديم, ومن شبّ على شيء شاب عليه.
ولقد لخَّص الكاتب الإسلامي أنور الجندي في كتابه (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام) موقف محمد عمارة من الإسلام وقيمه ومناصرته لفرق الضلالة فكتب بحثا ضافيا تحت عنوان (محمد عمارة) قال فيه: [ إن بدعة اليسار الإسلامي التي ظهرت في السنوات الأخيرة كانت بمثابة عملية تمويه كبرى . فإن دعاتها يحاولون أن يضعوا أنفسهم في صفوف الباحثين المسلمين وهم يتناولون المسائل الإسلامية بجرأة بالغة ، ويصدرون منها عن مفهوم ناقص.
أولاً : من حيث أنهم لا يؤمنون بالإسلام كنظام مجتمع ومنهج حياة ويحاولون إخضاعه لنظريات التطور التي خضع لها الفكر المسيحي الغربي ومن حيث سوء عقيدتهم في الوحي والنبوة فهم يحاكمون الإسلام كنظام بشري ويحاولون إيجاد الثغرات في جوانبه يعتمدون فيها على ظاهر بعض الأحاديث كحديث ”أنتم أعلم بأمور دنياكم” الذي يتخذونه تكأة للقول: بأن الإسلام دين عبادة ولاهوت، وأنه يترك للمسلمين الحرية في اتخاذ مناهج الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وليس الأمر كذلك ولم يكن هذا الإطار الذي قيل فيه الحديث ولا هذه هي الوجهة فيه .
ثانياً : من حيث أنهم يعلون من شأن النزعة القومية بمفهومها العلماني ويجعلونها أساسا ومصدرا ويجعلون الإسلام قطاعا منها وهذا ما لم يقل به مفكر مسلم أصيل ، ذلك أن العرب قبل نزول الإسلام لم تكن لهم قومية واضحة وقد خلا شعرهم وكتاباتهم من ذكر العروبة وأن الإسلام هو الذي جمعهم عليها وجعلها في إطار الإسلام فالإسلام هو الذي صنع للعرب مجدهم وهم لم يكونوا إلا شيئا مبعثرا ولن يكونوا ، وكيف يمكن أن يوضع المنهج الإسلامي الجامع الفسيح الجوانب الشامل للعقيدة والمعاملات والأخلاق موضع النظرية القومية ، التي تتعلق بالجنس والدم والعرق ، صحيح أن الإسلام لم ينكر الأعراق ولكنه جعلها في إطار الإسلام وجعلها سمحة كريمة واسعة الأفق قابلة للالتقاء مع القوميات الأخرى تحت لواء الأخوة الإسلامية وحررها من العنصرية والكراهية والاستعلاء ، ونقاها من دعوى الجاهلية .
ثالثاً : من حيث إيمانهم بالنظرية المادية والتفسير المادي للتاريخ والإيمان بالصراع الطبقي وهذه كلها مفاهيم النظرية الماركسية التي لا يمكن أن يخضع لها التاريخ الإسلامي ولا الواقع الإسلامي هذا فضلا عن فساد فكرة (اليسار الإسلامي) فليس في الإسلام يمين ولا يسار ولكن هناك منهج الله تبارك وتعالى يعمل الجميع حاكمين ومحكومين على تطبيقه والالتزام به والعمل في إطاره مع السماح لاختلاف وجهات النظر.
رابعاً : موقفهم الحاقد من الدولة العثمانية وإنكارهم فضلها في حماية الإسلام أكثر من أربعة قرون في مواجهة الحملات الصليبية المتجددة فضلا عن موقف السلطان عبد الحميد الحاسم في مواجهة الصهيونية العالمية ولكن الهدف المضمر وراء هذه المحاولات هي اتخاذ الإسلام ستارا لهدم مقوماته في نظر أتباعه من خلال إغرائهم بأنهم يتكلمون بلغة إسلامية ، غير أن الغرض الواضح معروف وهو تفتيت الإسلام وإخراجه عن مفهومه الجامع ، واتخاذه أداة لتبرير الواقع من مثل دعواهم بأن الخلفاء غيروا بعض التصرفات التي جرى عليها المجتمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ويرمي كل هذا إلى الوصول إلى مالا يقره الإسلام وهو تبرير :
1-                القوميات بمفهومها الغربي .
2-                قبول مناقض المجتمعات الإسلامية كالخمر والزنا والربا تحت أية محاولات لتبرير ذلك أو التهوين من شأنه .
وفي الأخير إنما تجري هذه المحاولات بقوة في هذه الأيام لتأخير تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية والتوهين من شأنها ومن نتائجها خدمة للنفوذ الغربي الذي يرغب في هذا ، والذي يرمي إلى محاولات لوضع الإسلام في مستوى بعض النحل وذلك للقضاء على ذاتيته وتميزه الخاص على النحو الذي يسعى إليه دعاة (الحوار) وغيرهم .
وقد جرى الدكتور محمد عمارة شوطا طويلا في تجديد كتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي واستغل نصوص هذه الكتابات في خدمة قضايا مثارة : كقضية المرأة ، أو قضية المعاملات... وبمراجعة كتاب (تجديد الفكر الإسلامي : محمد عبده ومدرسته) للدكتور عمارة يتبين إلى أي حد أمكن استغلال تراث الفكر الإسلامي لخدمة الماركسية والمذاهب القائمة على التفسير المادي للتاريخ وهي محاولة خطيرة ترمي إلى استغلال النصوص القديمة ومن ذلك ترجمتهم لبعض الشخصيات الإسلامية على النحو الذي قام به عبد الرحمن الشرقاوي وما كتبه أحمد عباس صالح عن اليمين واليسار في تاريخ الإسلام وما كتبه أحمد عبد المعطي حجازي عن السيرة وهذه ظاهرة في حاجة إلى دراسة لأنها تمتد وتمتد حتى تتصل بكل التراث الإسلامي في محاولة لتقديم مفهوم جديد يختلف عن المفهوم الأصيل (وهم يرون أن طه حسين ، وهيكل والعقاد) قد فتحوا لهم الطريق إلى التفسير المادي للتاريخ الإسلامي .
وقد عُني الماركسيون في الفترة الماضية برجلين : الطهطاوي الذي اعتبروه مدخلا إلى الفكر الغربي ، و (الكواكبي) الذي اعتبروه مدخلا إلى القومية ، وفي السنوات الأخيرة استخدم الماركسيون آراء الشيخ محمد عبده استخداما واسعا في سبيل الحيلولة دون الفهم السلفي الأصيل .
 2- ومن أخطاء الدكتور محمد عمارة في ضوء مفهوم الإسلام تفسيره للحروب الصليبية ومقاومة المماليك للتتار وغيرها على أنها معارك عربية قومية ، بينما هي معارك إسلامية حقيقية كان يديرها المرابطون والمجاهدون المسلمون. ومن العجيب أن يقال : إن حروب التتار والحروب الصليبية هي حروب عربية قومية ، وهي مرتبطة أساسا ببزوغ الإسلام وأثره في السيطرة على مناطق كانت في حوزة الدولة الرومانية في الشام ومصر والمغرب ، وقد امتدت هذه المعارك منذ ظهور الإسلام بين المسلمين على حدود الشام والدولة البيزنطية ثم اتسعت إلى حروب صليبية في الشام وحروب  الفرنجة في المغرب بمحاولة استرداد الأندلس كل هذا دار في إطار الصراع الذي أثاره الغرب في دعوته إلى القول : بأن كل ما كان في يد المسيحية يجب أن يعود إليها فكيف يمكن القبول بدعوى محمد عمارة وحاشيته في إنكار هذا الفهم الحقيقي وحصره في كلمة عروبة مع أن كلمة العروبة لم تكن موجودة في تلك الفترة ، والمعروف أن كلمة العروبة لم تظهر حقيقة إلا بعد سقوط الدولة العثمانية عام 1918م .
3-                كذلك فإن هذه الحملة الضارية على الدولة العثمانية (الدولة الإسلامية التي حمت العالم الإسلامي أكثر من أربعة قرون من عودة الحروب الصليبية الأوربية) تواجه دائما بالكراهية والانتقاص من عمارة والماركسيين جميعا لأنها الدولة الإسلامية التي غزت أوربا والتي يحمل لها الأوربيون مثل حقد العلمانيين تماما فإذا كان هناك مدخل حقيقي لدور ينسب إلى الدولة العثمانية في صراعها مع العرب أو محاولتهم تتريك العناصر أو تعليق زعمائهم على المشانق فإن الإنصاف يقتضينا أن ننسب هذا الدور إلى القائمين به وهم الاتحاديون أصدقاء الدونمة والذين شكلتهم المحافل الماسونية وأصحاب الدعوة القومية المفرغة من الإسلام والداعية إلى الطورانية ، وهم الذين حكموا منذ عزل السلطان عبد الحميد عام 1908م إلى عام 1918م وهم الذين سلموا طرابلس الغرب لإيطاليا وسلموا فلسطين للصهيونية ، وأدخلوا الدولة العثمانية الحرب العظمى في صف الألمان هؤلاء أولياء الصهيونية وعملاء العلمانية والذين غرسوا مفاهيمهم في أحزاب عربية كثيرة ، وحمل لواء الدعوة القومية على مفاهيم شيخ دعاتها (ساطع الحصري) ومن ورائه (زكي الأرسوزي  النصيري-) و (ميشيل عفلق وجورج حبش  -النصرانيين-) وغيرهم .
ولا بد أن تتلاقى مفاهيم محمد عمارة مع هؤلاء الذين ينتسبون إلى الماركسية والقومية المفرغة .
وحين تقرأ كتابات محمد عمارة عن الوهابية والسنوسية والمهدية تجد الهدف واضحا وهو ضرب الوحدة الإسلامية القائمة باستثارة شبهات وهدم قيم، وذلك من إدخاله عبارة جبهة العروبة ، وما يسميه عروبة الدولة والفكر والحضارة حيث لم يكن هناك ما يسمى بهذا الاسم .
وتأويل التاريخ الإسلامي من تفسيرات القوميين والإقليميين والماركسيين فكل منهم يحاول أن يفرض على هذا التاريخ مفاهيمه وتفسيراته ، وفي إبان الدعوة القومية برز كتاب كثيرون يلوكون عبارات القومية العربية ويوزعونها على الدولة الأموية والعباسية وغيرها بغير حساب .
ويحاول محمد عمارة أن يصور السنوسية والوهابية والمهدية وكأنها معارضة للدولة العثمانية معتبرة إياها دولة استعمارية ، ولم يكن الأمر كذلك في الحقيقة .
إن خطأ عمارة أنه يفسر التاريخ بأهواء القوميات والماركسيات المعاصرة التي تريد أن ترتد إلى الوراء لتجعل لها جذورا غير حقيقية وهي تعتمد في ذلك على خيوط واهية منها ذلك الخيط الذي تردى فيه الكواكبي وهو الخلافة العربية ، وما يسمى بالتسلط العثماني في حكم ما يسمى بالأمة العربية ، حيث لم يكن هناك مفهوم يسمى الاستعمار في هذه المرحلة أو في هذه المعركة ، وكلمة الاستعمار كلمة مستحدثة ارتبطت بالاستعمار الغربي وحده ، أما العلاقة بين الدولة العثمانية والعرب (سواء المصريين أو السوريين أو الجزائريين أو التونسيين) فقد كانت علاقة الأخوة الإسلامية وعلاقة استعانة الجزء بالكل في سبيل مواجهة الخطر الغربي المتحفز الذي كان يستعد بعد انتهاء الحروب الصليبية إلى جولة أخرى لولا هذه الوحدة التي طالبت بها مصر وتونس وغيرها الدولة العثمانية بصفتها دولة إسلامية تجمعها وإياها كلمة (لا إله إلا الله).
وكل التفسيرات التي تحاول أن تصور الأمر على غير هذا فهي تفسيرات ضالة ، ولقد حضرنا الملتقى الإسلامي في الجزائر عام 1972م ونوقشت هذه القضايا مناقشة واسعة. إن هذا الاتجاه الذي يحاول أن يصور الوهابية والسنوسية والمهدية في صورة معارضة سياسية للدولة العثمانية ومعتبرة إياها دولة استعمارية هو اتجاه مراوغ غير صحيح وليس هناك أي سند له أو أي دليل ، فإن المسلمين في هذه المرحلة لم يعرفوا هذا (الاتجاه العروبي) المفروض من بعد على تفسير التاريخ في مراحل سابقة لوجوده مثلا . ولعل هذا انسياق وراء التيار البعثي والماركسي الذي يحاول أن يفسر التاريخ الإسلامي تفسيرا يخرج به من مفهوم (الجامعة الإسلامية) والوحدة الإسلامية التي يكرهها البعث ودعاة القوميات من ساطع الحصري إلى محمد عمارة .
وهي محاولة لالتقاط كلمات من هنا وهناك لإقامة مفهوم وهمي ، ولست أدري لماذا هذه الكراهية العنيفة للدولة العثمانية - وخاصة من مدعي اليسار الإسلامي وكان الأولى بهم أن يكونوا منصفين ، إلا أن تكون مؤامرة لمؤازرة مفهوم الصهيونية العالمية والشيوعية العالمية التي هدمت هذا الصرح لإقامة دولتها في فلسطين ومن شأن هذا أن يكشف أن هناك ارتباطاً خفياً بين الماسونية وبين هذه الدعوات التي يحملها الكارهون للدولة العثمانية مثل أحمد بهاء وعمارة وغيرهم .
4-                كذلك فهناك الزج بكلمة العقلانية في كل ما يتصل بالإسلام فما كان الإسلام عقلانية خالصة ولا كان هو (المعتزلة) وما كان كل خارج عن الإسلام من الثوار على النحو الذي أورده في كتابه (مسلمون ثوار) حيث ضم دعاة الباطنية إلى أعلام الإسلام...
5-                ومن أخطائه حملته على السلف الصالح وإعلاء شأن الفلاسفة والمتصوفة الخارجين عن مفهوم الإسلام ، والمتكلمين وخاصة الحلاج ، وابن عربي ، والقرامطة ، والباطنية ، فإن هؤلاء لم يكونوا دعاة إسلاميين حقيقيين أو مناضلين كما يسميهم ، فضلا عن أنهم ناقضوا أصل الأصول في الإسلام وقد ثبت أنهم كانوا يهدفون إلى هدم الإسلام بتدمير الدولة الإسلامية ، لذلك فلا يمكن أن يوصفوا بأنهم فرسان الدفاع عن إنسانية الإنسان ، وليس معنى أن بعض الفقهاء ارتبطوا بالحكام أن يوضع هؤلاء الحاقدون على الإسلام بالمقابل في صف الثوريين المصلحين ، لقد رفض الإسلام مفهوم الفلاسفة الذين يقولون : بقدم المادة والعالم وأزليتهما رفضا تاما .
6- ومن أخطائه الفصل بين العلوم الشرعية والعقلية والتمييز بينهما وخاصة بين التصوف والشريعة فهذا مفهوم خاطئ ، أو بين الفلسفة والشريعة ، ولا يمكن القول بالنظر في كل منهم بمنهاجه ومعاييره فليس هناك منهج أو معيار لكل علم ولكن هناك منهجاً واحداً تحاكم إليه العلوم كلها هو منهاج الشريعة الحاكمة على كل العلوم من جهة واحدة هو سلامة صلتها بالعقيدة .
ومعنى ما يقول عمارة : شديد الخطورة فهو يدعو إلى تقبل التصوف الفلسفي وهو  خارج تماما عن مفهوم الإسلام وكذلك قبول الاعتزال وفيه انحراف كثير ومن أسوأ ما قال محمد عمارة قوله :[ إن الدولة ] التي بناها وأقامها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة على شرع الله وسنته عليه الصلاة والسلام لم يكن لها علاقة بالدين .
ولا أدري كيف بلغت به الجرأة على الحق هذا المبلغ وهو يعلم أن الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم قامت على أساس أحكام الله :”وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك..".
7- ويجري الدكتور محمد عمارة مع ذلك التيار الخطير الذي يحاول احتواء الفكر الإسلامي والذي يديره أعداء الإسلام، على هذا الأسلوب الخبيث وهو إثارة التعصب القومي... ولقد تكشفت أبحاث الدكتور محمد عمارة عن أخطاء تاريخية عديدة راجعه فيها ذوو الشأن تبين منها غلبة أهواء المذهب على حقائق التاريخ ]([11]).
هذا هو محمد عمارة باختصار شديد أرجو أن لا يكون مخلاً .
 أما روَّاده الذين سنتكلم عنهم فهم على أقسام:
القسم الأول: المؤسسون لمدرسة الأشقياء الماسون وحركة الردة الحديثة في مصر ومعظم بلاد العالم الإسلامي: وهم1 - حسن العطار  2- رفاعة الطهطاوي  3-جمال الدين الأفغاني  4- محمد عبده 5- يعقوب صنوع
أما القسم الثاني: فهم من سار على خطا من سبقهم وعمقوا هذا الضلال وكانوا به أصرح وأجرأ وأوقح. وهم:
1-       سعد زغلول  2 - محمد حسين هيكل  3 - طه حسـين
4-  أحمد لطفي السيد   5 - علي عبد الرازق  6-عبد الرزاق السنهوري
7- ميشيل عفلق




[1]- كتاب الهلال ديسمبر2000 ص/92.
[2] - رواه مسلم برقم (1218).
[3] - رواه مالك في الموطأ برقم (1661).
[4]- كتاب الهلال ديسمبر2000 ص 95.
[5] - سورة التوبة: 36.
[6] - سورة البقرة: 191.
[7] - سورة النساء: 89.
[8] - سورة الأنفال: 39.
[9] - سورة: المائدة 51.
[10]- كتاب الهلال ديسمبر2000 ص 99.
[11] - إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام ، أنور الجندي :ص/ 294 ، 300 .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.