موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الجمعة، 29 يونيو، 2012

الأجوبة الشرعية على الأسئلة الشامية (35) عن ردة الكفار وتبديل دينهم


الأجوبة الشرعية على الأسئلة الشامية (35)
عن ردة الكفار وتبديل دينهم
رضوان محمود نموس
يقول السائل: السلام عليكم شيخنا رضوان.
لدي سؤال عن حكم النصيرية:
تحاورت مع شخص يقول بأن النصيرية كفار أصليون وليسوا مرتدين لأنهم اليوم لا يعلنون انتسابهم للإسلام ومختلفين عن الأجداد, وأنهم لم يدخلوا الإسلام حتى نقول عنهم مرتدين.
فمثلا إذا تحول شخص من النصارى إلى النصيرية فهل يكون مرتدا؟
أو إذا قال إنني مسلم نصيري؟
بالإضافة أنه يعتبر أننا نقلد الفقهاء تقليدًا أعمى في النصيرية!!! وغير ذلك الكثير من الكلام غير المنضبط شرعا...
ولكن ما يهمني الآن هو أن النصيرية عقيدتهم كفر بواح وإلحاد, ولا تمت للإسلام بصلة, فكيف نقول أنهم دخلوا الإسلام ثم ارتدوا؟ والنصيرية اليوم لا يقولون بأنهم مسلمون وخاصة المقاتلين منهم.. إذا هل نعاملهم معاملة كفار أصليين مثل الوثنينن أم نعاملهم مثل الزنادقة؟
المشكلة أن كلام هذا الشخص كان أمام عدد لا بأس به من الشباب ...
أفدنا بارك الله فيك.. 

عفوا شيخنا اسمح لي أن أضيف للسؤال السابق بأن الشخص يقول أن ذرية المرتدين وأبناءهم هم كفار أصليون بحسب أقوال الفقهاء ومنهم قول لأحمد وعندما حاولت إقناعه بأن الفقهاء يقصدون الذرية الذين لم يبلغوا قال: "ذرية من حملنا مع نوح" وهي تشمل كل من جاء بعده ...
بارك الله فيك 
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:

أما السؤال الثاني والثالث والرابع:
2-            إذا قال إنني مسلم نصيري أو تحول شخص من النصارى إلى النصيرية فهل يكون مرتدًا ؟.
3-            هل نعاملهم معاملة كفار أصليين مثل الوثنين أم نعاملهم مثل الزنادقة؟.
4-           ما هو حكم أولاد المرتدين؟
الجواب عن السؤال الثاني : إذا قال المسلم إنني مسلم نصيري فلا شك أنه ارتد عن دين الإسلام إلى طائفة الزنادقة ويصبح حكمه حكمهم، وحكمهم قد بيناه في الفتاوى السابقة لأن قوله إقرار منه أنه ترك الدين الحق والتحق بالزنادقة.
أما إذا تحول من النصرانية إلى النصيرية فيكون قد ارتد من دين يقبل الإسلام من أهله الجزية والبقاء بدار الإسلام إلى زندقة لا يقبل الإسلام من أهلها الجزية بل القتل.
والخروج من ملة كفر إلى أخرى يختلف بحسب الملة الخارج منها والملة الداخل فيها.
فمن خرج من وثنية أو زندقة إلى دين كتابي شيء, ومن خرج من دين كتابي يقر بالجزية إلى وثنية أو زندقة أو إلحاد شيء آخر, وفيه تفصيل:
 [قال القرطبي: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ، ... حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:" مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" وَلَمْ يَخُصَّ مُسْلِمًا مِنْ كَافِرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى الْحَدِيثِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ إِلَى الْكُفْرِ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ فَلَمْ يُعْنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ أَنَّ الْمُبَدِّلَ لدينه من أهل الذمة يُلحقه الإمام أَرْضِ الْحَرْبِ وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَلَدِهِ وَيَسْتَحِلُّ مَالَهُ مَعَ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ إِنْ غَلَبَ عَلَى الدَّارِ، لأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الذِّمَّةَ عَلَى الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي حِينِ عَقْدِ الْعَهْدِ]([1]).
وقال الشوكاني: [وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِلَّةٍ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ إلَى مِلَّةٍ أُخْرَى]([2]).
وقال في منح الجليل: [مَنْ تَزَنْدَقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ... َقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقْتَلُ لأَنَّهُ دِينٌ لا يُقِرُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ]([3]).
 [قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَنْتَقِلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الإِسْلامِ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ.
وَالثَّانِي: إِلَى دِينٍ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ كَمَنْ بَدَّلَ يَهُودِيَّةً بِنَصْرَانِيَّةٍ أَوْ بِمَجُوسِيَّةٍ أَوْ بَدَّلَ نَصْرَانِيَّةً بِيَهُودِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ، أَوْ بَدَّلَ مَجُوسِيَّةً بِيَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ، فَفِي إِقْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ؛ لأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَارَثُونَ بِهَا مَعَ اخْتِلافِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَصَارُوا فِي انْتِقَالِهِ فِيهِ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، كَانْتِقَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] ؛ وَلأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَثَنِيُّ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ يُقَرَّ، وَالنَّصْرَانِيُّ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى وَثَنِيَّةٍ لَمْ يُقَرَّ، وَجَبَ إِذَا انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إِلَى يَهُودِيَّةٍ أَنْ لا يُقَرَّ، لأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُنْتَقِلٌ إِلَى دِينٍ لَيْسَ بِحَقٍّ.

فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلانِ، فَإِنْ قِيلَ بِالأَوَّلِ إِنَّهُ مُقَرٌّ فِي انْتِقَالِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِيمَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنْ ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مُكَافِئًا لِدِينِهِ كَيَهُودِيٍّ، تَنَصَّرَ أَوْ نَصَرَانِيٍّ تَهَوَّدَ، فَأَصْلُ هَذَيْنِ الدِّينَيْنِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ وَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمَا بِانْتِقَالِهِ مِنْ أَحَدِ الدِّينَيْنِ إِلَى الآخَرِ إِلا فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ، فَتَصِيرُ جِزْيَتُهُ جِزْيَةَ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إليه دون جزية الدين الذين انْتَقَلَ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكَثَرَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدِّينُ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ أَخَفَّ حُكْمًا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، كَنَصْرَانِيٍّ تَمَجَّسَ، فَيَنْتَقِلُ عَنْ أَحْكَامِهِ فِي الْجِزْيَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبِيحَةِ وَالدِّيَةِ إِلَى أَحْكَامِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ، فَتُقْبَلُ جِزْيَتُهُ، وَلا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، وَلا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَتَكُونُ دِيَتُهُ ثُلُثَيْ عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نِصْفَهَا كَالْمَجُوسِ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُنْتَقِلا مِنْ أَخَفِّ الأَحْكَامِ إِلَى أَغْلَظِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدِّينُ الَّذِي انتقل إليه أغلى حُكْمًا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ كَمَجُوسِيٍّ تَنَصَّرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ لإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ فِي إِبَاحَةِ الْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبِيحَةِ، وَقَدْرِ الدِّيَةِ، فَيَصِيرُ مُنْتَقِلا مِنْ أَغْلَظِ الأَحْكَامِ إِلَى أَخَفِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي تَحْرِيمِ مُنَاكَحَتِهِ وَذَبِيحَتِهِ وَقَدْرِ دِيَتِهِ تَغْلِيبًا لأَحْكَامِ التَّغْلِيظِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُرُمَاتِهَا عَلَيْهِ، كَالْمَشْكُوكِ فِي دِينِهِ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ جَبْرًا بِالانْتِقَالِ عَنْهُ إِلَى دِينٍ يُؤْمَرُ بِهِ، وَفِي الدِّينِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالانْتِقَالِ إِلَيْهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: دِينُ الإِسْلامِ أَوْ غَيْرُهُ؛ لأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ قَدْ كَانَ مُقِرًّا بِبُطْلانِهِ، وَانْتَقَلَ عَنْ دِينٍ هُوَ الآنَ مُقَرٌّ بِبُطْلانِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، لإِقْرَارِهِ بِبُطْلانِهِمَا، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِالرُّجُوعِ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الإِسْلامُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِنَّهُ إِنِ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ أَوْ إِلَى دِينِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أُقِرَّ عليه، فنزل؛ لأننا قد كُنَّا قَدْ صَالَحْنَاهُ عَلَى الأَوَّلِ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا بَاطِلا فَجَازَ أَنْ يُعَادَ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَاطِلا, فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ دُعَائِهِ إِلَى دِينِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّنَا نَدْعُوهُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الإِسْلامِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الْكُفْرِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى دِينِهِ فِي الْكُفْرِ أُقِرَّ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الدُّعَاءَ إِلَى الْكُفْرِ مَعْصِيَةٌ... فَإِنْ عَادَ إِلَى الدِّينِ الْمَأْمُورِ بِهِ أُقِرَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ فَفِيمَا يَلْزَمُ مِنْ حُكْمِهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا إِنَّهُ يُنْبَذُ إِلَيْهِ عَهْدُهُ، وَيُبَلَّغُ مَأْمَنَهُ، ثُمَّ يَكُونُ حَرْبًا؛ لأَنَّ لَهُ أَمَانًا عَلَى الْكُفْرِ، فَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ تَرْكُهُ؛ ليقضي أَشْغَالَهُ وَنَقْلَ مَالِهِ، وَلا يُتَجَاوَزُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَدْنَى مَأْمَنِهِ بِذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ صَارَ حَرْبًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ؛ لأَنَّ ذِمَّتَهُ لَيْسَتْ بِأَوْكَدَ مِنْ ذِمَّةِ الإِسْلامِ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَتَابُ، فإن تاب، وإلا قتل صبرا بالسيف؟ ، وَفِي الانْتِظَارِ بِقَتْلِهِ ثَلاثًا قَوْلانِ: وَيَكُونُ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِ بَاقِيًا، وَأَمَّا مَالُهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلا يُورَثُ عَنْهُ؛ لأَنَّ مَنْ قُتِلَ بِحُكْمِ الرِّدَّةِ لَمْ يُورَثْ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فِي انْتِقَالِهِ إِلَى دِينٍ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، كَانْتِقَالِهِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ إِلَى وَثَنِيَّةٍ أَوْ زَنْدَقَةٍ، فَإِنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ بِالانْتِقَالِ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ لا حُرْمَةَ لِمَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَلا يَجُوزُ إِقْرَارُ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ إِقْرَارُ غَيْرِ أَهْلِهِ أَوْلَى أَنْ لا يَجُوزَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي الَّذِي يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ثَلاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: الإِسْلامُ لا غَيْرَ؛ لأَنَّهُ دِينُ الْحَقِّ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ.
والْقَوْلُ الثَّانِي: الإِسْلامُ أَوْ دِينُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صُلْحِهِ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الإِسْلامُ أَوْ دِينُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوْ دِينٌ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ.]([4]).
وقال ابن قدامة المقدسي في المغني: [الْكَلامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: الأَوَّلُ: أَنَّ الْكِتَابِيَّ إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ. لا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلافًا، فَإِنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لا يُقَرُّ أَهْلُهُ بِالْجِزْيَةِ، كَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا يَسْتَحْسِنُهُ، فَالأَصْلِيُّ مِنْهُمْ لا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ، فَالْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْلَى.
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ، لَمْ يُقَرَّ أَيْضًا؛ لأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى أَنْقَصَ مِنْ دِينِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ. فَأَمَّا إنْ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ، أَوْ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لا يُقَرُّ أَيْضًا؛ لأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ، قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلانِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ. وَالثَّانِيَةُ، يُقَرُّ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْخَلالِ وَصَاحِبِهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُنْتَقِلِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ. كَالرِّوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، لَمْ يُقَرَّ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ. وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، خُرِّجَ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ  «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَلِعُمُومِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ إلا الإِسْلامُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَاخْتَارَهُ الْخَلالُ وَصَاحِبُهُ. وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ؛ لأَنَّ غَيْرَ الإِسْلامِ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ. قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهَا، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهَا كَالْمُرْتَدِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنْهُ إلا الإِسْلامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ دِينَهُ الأَوَّلَ قَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ مَرَّةً.
وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى خَيْرٍ مِنْهُ، فَنُقِرُّهُ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ، وَلأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، إلَى دِينٍ لا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَيُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ إذَا رَجَعَ إلَى الإِسْلامِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَحَدُ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الإِسْلامُ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ الأَوَّلِ، أَوْ دِينٌ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقُلْنَا: لا يُقَرُّ. فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لا يُقْبَلُ مِنْهُ إلا الإِسْلامُ. وَالأُخْرَى، لا يُقْبَلُ مِنْهُ إلا الإِسْلامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ إجْبَارِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، رَجُلا كَانَ أَوْ امْرَأَةً؛ لِعُمُومِ قَوْله - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَلأَنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ. وَهَلْ يُسْتَتَابُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْتَتَابُ؛ لأَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَيُسْتَتَابُ، كَالْمُرْتَدِّ. وَالثَّانِي: لا يُسْتَتَابُ؛ لأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ.
فَعَلَى هَذَا إنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ، أَوْ رَجَعَ إلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، عُصِمَ دَمُهُ وَإِلا قُتِلَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا دَخَلَ الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، رَدَدْته إلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا، فَدَخَلَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ، كَانَ أَغْلَظَ؛ لأَنَّهُ لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلا تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ، وَلا يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إلَيْهَا. فَقِيلَ لَهُ: تَقْتُلُهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ؟ قَالَ: إنَّهُ لأَهْلُ ذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لا يُقْتَلُ، بَلْ يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ]([5]).
ومختصر القول حسب قناعتي وترجيحي:
1-           أن الكتابي إذا انتقل إلى دين كتابي غير دينه يعرض عليه الإسلام ويُرَغَّبُ به سيما أنه انتقل إلى شيء كان يراه باطلاً ومن شيء هو الآن يراه باطلاً, ونحن نرى الاثنين باطلاً فندعوه إلى الحق ونسعى في ذلك ما استطعنا؛ فإن قبل فهذا ما كنا نبغي. فأن أصر على أن ينتقل إلى الدين الجديد أو العودة إلى دينه فتقبل منه الجزية كما لو أنه لم يبدل دينه.
2-           الكتابي إذا انتقل إلى دين وثني أو زندقة أو دهري إلحادي يقتل لأنه انتقل إلى باطل لا يقره الإسلام حتى بالجزية, ولا يقره دينه الأول الذي عاهدناه عليه, ونقض ما كنا عاهدناه عليه وانتقل إلى دين حكم أهله القتل أو الإسلام.
3-            الزنديق يقتل بكل حال.
هذا والله الموفق للصواب
وكتبه رضوان محمود نموس في 9/شعبان 1433هـ


[1] - تفسير القرطبي (3/ 47)
[2] - نيل الأوطار (7/ 227)
[3] - منح الجليل شرح مختصر خليل (9/ 226)
[4] - الحاوي الكبير (14/ 375/378)
[5] - المغني لابن قدامة (7/ 132/133)

2 التعليقات:

جزاك الله خيرا وبارك فيك
ولكن عندما ينتقل شخص من دين نصراني إلى دين الزندقة فهل نعامله كزنديق أي انه مسلم مرتد !!! بمعنى هل نعتبره دخل الاسلام ثم خرج منه ... أم أنه كافر اصلي وبقي كذلك عند انتقاله للدين الجديد

وجزاك ربي خيراً نعامله ككافر كان يُقَرُ بالجزية والآن لا يقر لانتقاله إلى كفر لايقر بالجزية وانتقض عهده فيقتل.

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.