موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الأحد، 28 أبريل، 2013

أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (113)


أرواد ومجتهدون أم فسقة وضالون؟! (113)
وطه حسين عينه عمارة رائداً للصحوة
رضوان محمود نموس
نتكلم في هذه الحلقة عن طه حسين الذي عينه عمارة رائداً للصحوة الإسلامية بل والأمة ويقدم هؤلاء على أنهم هم الرواد في الوقت الذي يحاول إهالة النسيان والجحود على جهود العلماء والرواد الحقيقيين ويصر على تشويه حقائق الإسلام بالباطل. عمارة هذا الذي وصفه القرضاوي:[بأنه أحد مجددي هذا القرن وأحد الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية.] حسب ما نشر موقع الجزيرة وغيره من المواقع المصدر:  (الجزيرة نت) 3/11/2010
وسنذكر بعض هذه الآراء والردود ليطلع عليها القارئ الكريم. ونبدؤها بـ:
1-           رأي طه حسين في نفسه :
حيث يقول:[ كنت طالباً للقشور عند الأزهريين, وأنا متعلق من الثقافات الأجنبية بقشورها عند المناضلين عن هذه الثقافات, فأنا صاحب القشور شاباً, وصاحب القشور شيخاً, وقد كتب علي ألا أعرف من كل شيء إلا قشوره. وكذلك كنت دائماً ضائعاً يأبى الأزهر أن كون أزهرياً, ويأبى غير الأزهريين إلا أن أكون أزهرياً, وتأبى الجامعة أن أكون جامعياً, ويأبى غير الجامعيين من الأدباء إلا أن أكون جامعياً ]([1]).
2- رأي رشيد رضا بطه حسين:
[ وعقد السيد رشيد رضا في مجلة المنار فصلاً عن الخطة التي يقودها طه حسين في كلية الآداب لهدم مقوِّمات هذه الأمة ومشخّصاتها, ووصفها بالقديمة, وقال: إن هذه الجماعة تعمل في كلية الآداب وجريدة السياسة, وأنها تعمل في التشكيك في الدين, وتقليد الإفرنج فيما يسهل التقليد فيه من المنكرات؛ بل نراهم يُعنَون بتحقير آداب اللغة العربية؛ ليجرِّدوا الأمّة من هذا الفضل الذي يفضلها على غيرها من الأمم.
(وقد بدأ هؤلاء الزنادقة بهدم الدِّين هدماً مطلقاً؛ لا هدم تجديد كما يدّعون في غيره, ثم شرعوا في تحقير آداب اللغة, وألّف الدكتور طه كتباً كذّب فيها نقَلة اللغة العربية ورواة آدابها فيما ردَّدوه من شعر العرب في عصر الجاهلية, وزعم أنهم هم الذين وضعوا المعلَّقات السبْع وافتروها على امرئ القيس, وقد أَلقى هذا الكتاب, دروساً في الجامعة المصرية الرسمية, وربما يصدِّق الكثيرون من طلابها هذا الأعمى البصر والبصيرة فيما يكذب به على علماء الأمة الإسلامية وكتّاب وحيِها وحديث نبيها المعصوم, فيما يريد به تجريد أمتهم من الدِّين واللغة والنسب والأدب والتاريخ, ليجدِّدهم بذلك فيجعلهم أمّة أوربية !! بل طُعمة للدول الأوربية, كما جدَّد نفسه وبيته بتزوج امرأة غير مسلمة, وبتسمية أولاده منها بأسماء الإفرنج رغبة عن الأسماء العربية القديمة والجديدة, واحتقاراً لها 
وقد حدَّثنا الثقة عن أحد أصدقائه أنه قال: لا مانع يحول دون إقناعنا للمصريين بسيادة الإنجليز وحكمهم إلا الدِّين. أي فلا بد من إزالة هذا المانع, ومن الغريب أن عمدة دعاة الزندقة في هدم مقومات هذه الأمة ومشخصاتها وصفها -أي الأوزان والقوافي العربية- بالقديمة.
ومن عجيب أمر هؤلاء أننا نراهم يدعون إلى انتحال ما هو أقدم مما يذمُّون من قديم أمتهم, كالأدب الإغريقي والشعر الإغريقي الذي هو دون الأدب والشعر العربي الجاهلي والإسلامي.
والحق أن كلمة الجديد والتجديد كلمة خادعة للنابتة, مستهوية لخيال الشبيبة؛ لأنهم لا يريدون إلا جعل هذه الأمة لقمة سائغة لسادتهم المستعمرين, بتقطيع ما يربط بعضها ببعض من لغة وأدب وتشريع ودين, وأنهم ليدَّعون دعاوى لا تثبتها بينة, ويؤوِّلون أقيستهم من قضايا لا يقوم عليها حجة, بل هي كذب وبهتان)اهـ.
يقول المستشرق جب: (إن الفكرة التي يرمي إليها طه حسين هي تحرير الأدب العربي من القيود التي تربطه بالعلوم الدينية, وحتى يدرس الأدب لنفسه, ولا يكون وسيلة لفهم القرآن والحديث).]([2]).

3- كلمة الشيخ حسن البنا:

[ مصر عربية. فليتَّقِ الله المفرِّقون للكلمة, يريد الدكتور طه حسين أن يجعل الأمة العربية ضمن الأمم التي غزَت مصر, فأذاقتها صنوفاً من العدوان, وألواناً من العذاب حتى تغلَّبت مصر فالتهمت العرب فيمن التهمت من الأمم من فرس ويونان ورومان وترك وفرنسيين وإنكليز, وتلك فكرة لا ينادي بها الدكتور طه حسين وحده؛ بل نادى بها من قبله سلامة موسى, وحمل لواءها كل من يحمل ضِغناً على العربية وحفيظة على الإسلام, ومن الأسف أن خصوم هذا البلد الطيب أهلُه قدروا على تزيين هذه الفكرة بنعوت جميلة وألفاظ زائفة, استخدمها هؤلاء الحانقون على العرب والإسلام فزيَّنوها بدورهم لكثير من الشباب فوقعوا في حبالتها, وأخذوا يهرفون بها, ومما يُؤلم أنها راجت حتى على كثير من الرجال ولم تظلَّ فكرة خيالية؛ بل برزت إلى حيِّز الوجود في مظهرين هامين, لا تزال الأمة على ذكر المناقشة التي دارت حولهما وهما: تمثال نهضة مصر, وضريح سعد زغلول باشا.
هذه الفكرة التي يحمل عليها بعض الكتَّاب في مصر بحسن نية أو بسوء نية, خطأ محض, خطأ تاريخي وخطأ اجتماعي, وخطأ في جانب القومية المصرية لا يغتفر, وهي فكرة دسّها الأجانب للقضاء على قوة الشرق ووحدته ]([3]).
4- علي الطنطاوي:
[ دعا رئيس الجامعة السورية في الأسبوع الماضي إلى المحاضرة التي سيلقيها الدكتور طه حسين حول: (بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية) وكانت الدعوة ببطاقة من جنس بطاقات الأعراس, سمَّاه فيها (عميد الأدب العربي) على وزن (عميد كلية الآداب). ورأى الناس هذا اللقب, ورأوا الأزمة المصطنعة في توزيع البطاقات, وسمعوا طبول الدعاية الضخمة التي قرعت لهذه المحاضرة, فحسبوا أنهم سيلقون فيها ليلة العمر, فتسابقوا إليها, وازدحموا عليها, وبِيعت البطاقة بليرة, وظنّوا أن الدكتور سيريهم السها, ويكشف لهم أميركة, وإذا هو يبدأ (على عادته دائما) بهذا اللَّت والعجن, وأنه... (جاء ليتحدَّث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية, وما كان يحب أن يتحدَّث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية, وإن كان يسعده أن يتحدَّث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية, لأنه ليس من السهل ولا من الميسور الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية, وإنه يجد المشقَّة والعسر في الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية, لكن هذه المشقَّة وهذا العُسر يحتملان في سبيل الحديث عن بعض خصائص الشعر العربي القديم في سورية....) الخ .
وبعد هذا الدهليز الملتوي المتلف الذي يمتد ميلاً, أوصلنا إلى دار من ثلاث غرف, فقال كلاماً معاداً, مكرَّراً موجوداً في كل كتاب من كتب الأدب المؤلفة لصفوف البكالوريا.
ولحَن لحَنات في الإلقاء, وجاء - على عادته أيضا- بأحكام قائمة على الوهم, مبنيّة على الباطل, فتوهَّم أن عدي بن الرقاع لم يقل بيته المشهور:

    يزجى أغن كأن إبرة روقه                    قلم أصاب من الدواة مدادها
ارتجالاً, ولكن بعد طول الروية والبحث والحذف والتصحيح, ودليل طه أن طه نفسه لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا التشبيه البارع ارتجالاً, فيجب أن يكون عدي الشاعر المطبوع مثل طه, ونسِي طه أنه لا يستطيع أن يأتي بمثل ذلك ولو بحث وفكَّر, وأن أسلوبه أسلوب خالٍ من كل مزايا الأساليب الأدبية, الحافلة بالصور, المليئة بالتشبيهات والاستعارات, وما دام قد (ثبت) أن عدياً لم يأت بهذا البيت الواحد إلا بعد الروية فقد (ثبت) قياساً عليه أن شعر عدي كله شعر روية وبحث, وما دام شعر عدي شعر روية وبحث, فالشعر الشامي كله شعر وبحث وروية وإعداد.
وهكذا صدر الحكم الطاهوي: تخيل حبَّة, فبنى منها قبَّة, والقُبَّة ولدت قبابا, والقباب (شكَّلت) مدينة, وما كانت هذه المدينة قطُّ إلا في هذا الخيال السقيم.
وهذه مصيبة  طه حسين, بدأت معه من يوم خلع عمامته الأزهرية, وخلع معها عقله ودينه, فأظهر من (آثاره) ما تستر الهرة أمثاله من (آثارها...) حين نشر ذلك الخزي الذي سماه كتاب (الشعر الجاهلي), ولا تزال معه إلى اليوم الذي اشتهر فيه]([4]).
5- رأي الدكتور محمد محمد حسين:
تحت عنوان: طه حسين وترجمة الكتب الهدامة:
قال الدكتور محمد محمد حسين:[ تقوم اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية على ترجمة عدد من الكتب الأوربية والأمريكية إلى العربية, وتنفق على طبعها ونشرها... واختيار الكتب التي تترجمها إلى العربية يجب أن يُوكل إلى علماء العرب وحدهم, تلك كلها من المسلَّمات التي لم أكن أحتاج لأن أفصِّل فيها القول؛ لولا أنه هذا الذي يبدو في عقول كل الناس من الحقائق الواضحة التي تبلغ درجة المسلَّمات لم يكن يبدو كذلك في عقول المشرفين على التوجيه الثقافي لجامعة الدول العربية, هل يعقل عاقل مُنصِف أن يلجأ العرب إلى السفارة الأمريكية مثلاً لتختار لهم من الكتب ما تراه نافعاً للعرب, ومحقِّقاً لنهضتهم, ومُعيناً على طرد اليهود وإجلائهم, وتصفية شركات البترول وخرابها؟
لقد فعلت اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية ذلك ! استوحت السفارة الأمريكية في بعض ما اختارته عما ترجمته اليونسكو في بعضه الآخر. وهي نفسها تعترف بذلك حيث تقول في نشرتها الثقافية التي عرضت فيها نشاطها بين سنتي 1946- 1956.
[ كذلك اتفقت الإدارة الثقافية بعد موافقة المكتب الدائم على أن تتولى نشر بعض الكتب الهامة المترجمة بمعرفة القسم الثقافي بالسفارة الأمريكية, وقد قدّمت فعلاً إلى الطبع على هذا الأساس أصول كتاب مترجم إلى العربية ويشتمل على مقالات الكاتب الأمريكي (إيمرسون)([5])].
وتقول كذلك:[اتصلت الإدارة الثقافية ببعض الهيئات العالمية المختصة([6]), وحصلت منها على كشوف بأسماء الكتب التي تراها تلك الهيئات داخلة في إطار هذا البرنامج ].
وسوف أعرض في هذا المقال نموذجين من هذه السموم التي تدَّس على العرب باسم جامعتهم في كتابين: أحدهما مما أوحت به السفارة الأمريكية وهو (مختارات من إيمرسون), والآخر مما أوصت به اليونسكو وهو (قصة الحضارة) لول ديورانت. ومن قبل أن أتناول هذين الكتابين أحبُّ أن أؤكد لجامعة الدول العربية وللجنتها الثقافية الموقرة التي يرأسها طه حسين: أن العرب لم يغلبوا من ضعف في الفلسفة ولا الآداب ولا التاريخ. ولكنهم غُلبوا وضُربت عليه الذلَّة, لأنهم متخلفون في العلوم التجريبية المادية, بكل فروعها الكيميائية والطبيعية والميكانيكية, النظرية منها والتطبيقية. غُلبوا لأنهم لا يملكون من المصانع ومن أدوات القتال ما يناهضون به عدوهم, وما يتحرَّرون به من سجنه الاقتصادي, الذي يسخرهم فيه لجمع الثروات له كما يسخر العبيد, ثم يحاربهم بهذه الثروات نفسها, ويشتري بها من رجالهم من يقوم على حراسة هذا السجن الكبير, فيقيم فيه معبداً يسبِّح كهنته بحمد آلهتهم التي يعبدونها من دون الله, وينكّل بالذين ينبِّهون النائمين والغافلين والمخدوعين إن كان صاحبهم صاحب سلطان, أو يطاردهم بالإشاعات الكاذبة والأضاليل الباطلة حتى يلبّس على الناس أمرهم, ويجعلهم موضع السخرية والاستهزاء.
إن الجماعات البشرية في الدول والحكومات والجيوش في ميادين القتال, والفرق الرياضية في الساحات, تميِّز نفسها باختلافات الشارات, فتتخذ الأعلام والأناشيد وأنماط الأزياء والعلامات والأشعرة, تفعل ذلك لتميِّز نفسها من غيرها فلا تضلّ في الزحام, ولا تذوب عند الاختلاط, ولا تنحل رابطتها عند المصادمة والنزال.
وللعرب طابع يميِّزهم, ولهم شخصية قد ضلوا عنها في عصور الضعف والخمول, وأضلهم عنها المستعبدون وأذنابهم. ولن تتحقق لهم نهضة إلا إذا أحيَوا هذه الشخصية, وتمسّكوا بمقوِّماتها, وتعصَّبوا لرموزها وشاراتها, وميَّزوا أنفسهم بطابعهم الخاص. وسيظلُّون بغير ذلك أذناباً للمستعبدين ينقادون ولا يقودون, وأبواقاً ينشرون ما يلقى إليهم من قول, ويرددونه في الأجواء. لا يزيد عملهم فيه عن مجرد تضخيمه. ذلك لأنهم لا يبتكرون حتى يحسوا في أنفسهم القدرة على الابتكار, وحتى يكونوا جميعاً متماسكين فيتولد من اجتماعهم وتماسكهم قوة. وهم لا يحسون القدرة على الابتكار إلا إذا استيقنوا أنهم عريقون في هذا الباب. ولا يجتمعون ويتماسكون إلا إذا عرفوا خصائصهم الأصيلة التي تمنعهم من أن يذوبوا في غيرهم فتذهب قواهم شعاعاً وتتفرق بددا.
لا يبلغ العرب درجة الأستاذية في هذه العلوم الجديدة التي أذلَّهم عدوهم بتفوقه عليهم فيها إلا إذا أصبحت هذه العلوم ملكاً لهم. وهم لا يملكون هذه العلوم ولا يحسون أنها علوم عربية إلا إذا قرؤوها بالعربية وكتبوها بالعربية. وسيظلون يحسون أنهم غرباء عنها وأنهم متطفلون على أصحابها طالما أنهم ظلوا يقرؤونها ويكتبونها بغير لغتهم.
ولكن اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية, وعلى رأسها طه حسين الذي تشهد كتبه أنه لم يكن إلا بوقاً من أبواق الغرب, وواحداً من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير, يروّج لثقافته ويعظّمها, ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم. طه حسين الذي لم يملَّ من الكلام على جامعة البحر الأبيض المتوسط التي دعت إليها فرنسا بالأمس والتي تدعو إليها أمريكا اليوم.
طه حسين الذي زعم لمصر أنها جزء من البحر الأبيض المتوسط في مقومات شخصيتها, وليست جزءاً من عرب نجد واليمن والبحرين والعراق والسودان.
طه حسين الذي لم يَبْدُ العرب في وهمه أمة, لأن قوام الدول في زعمه هو المنافع  المادية, ولأن (تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساساً للوحدة السياسية, ولا قواماً لتكوين الدول)([7]).
طه حسين هذا لا يقر معنا هذه الحقيقة, لأنه يزعم للعرب أن السبيل إلى نهضتهم ليس هو ترجمة العلوم, ولكن السبيل إلى نهضتهم أن يذوبوا في الغرب, وأن يخلعوا من أنسابهم, ويقلعوا من تربتهم ليغرسوا في تربة الغرب, ولذلك فهو يهلك أموالهم في ترجمة شكسبير الذي ترجمت رواياته من قبل أكثر من مرة ليحابي بها بطانته وحزبه, فيغدق عليهم مما تحت يده, بل هو يهلك أموالهم فيما لعن به أجدادهم وما سب فيه أسلافهم, وسفه دينهم, وافتري على نبيهم.
ولو أنصف طه حسين, ولو أنصف كل القائمين على الترجمة في هذا البلد من مثل إدارة الثقافة بوزارة التربية ومجلس الآداب وغيرهما لجعلوا كل همهم مصروفاً إلى نقل العلوم التجريبية والرياضية وحدها, لا يشتغلون بترجمة غيرها حتى نستكمل نقصنا فيها, لأن الاشتغال بنقل كتب الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية والأخلاق وما شاءوا من الثقافات الإنسانية, على هذا النحو الذي تسوده الفوضى وسوء الاختيار -بل سوء القصد في كثير من الأحيان- يضرّ مرتين؛ يضرّ بإفساد أذواق شبابنا وتدمير كيانهم, وتحويل شخصيتهم بحيث يصبحون غرباء بين قومهم, ثم يصبح قومهم بعد قليل هم الغرباء بينهم حيث يكثر عددهم ويكثف جمعهم, ويضرّ مرة ثانية بتبديد الجهد والمال من غير وجه, وصرف العرب عن الطريق الصحيح إلى تحررهم ثم سيادتهم. ولو كان أن أقترح على اللجان الثقافية والهيئات الجامعية على اختلافها, لاقترحت أن يبدؤوا بترجمة كتب المراجع في الطب والهندسة والعلوم والزراعة التي يدرسها طلاب الجامعات العربية. فهم بذلك يصيبون غرضين: إنهم ييسِّرون سبل العلم للطلبة العرب ويخفِّفون عن آبائهم بعض الأعباء, بإغنائهم عن الطبعات الأوربية الباهظة الثمن, والتي لا يتيسر وجودها في كثير من الأحيان, لأن أصحابها يستطيعون أن يمنعوا تصديرها إلينا حين يشاءون, وهم في الوقت نفسه يخطون في هذا العمل خطوة واسعة نحو تعريب هذه العلوم التي لا تزال تدرس في جامعات مصر باللغة الإنجليزية وقد كان أنصار اللهجات السوقية, ودعاة تطوير العربية الفصحى في قواعدها وأساليبها ومفرداتها, من غربيين ومن عرب مستغربين, كانوا ولا يزالون يستندون في دعوتهم إلى ما يسميه بعضهم (ازدواجاً) فيزعمون أننا نقرأ ونكتب بغير اللغة التي نتكلمها, وذلك عندهم هو السبب في تخلفنا العلمي والثقافي الذي يحول بيننا وبين التفوق والنبوغ. ومن عجب أن هؤلاء العباقرة قد اكتشفوا هذا العيب الخطير في عربيتنا الفصحى وحدها, ولم يكتشفوه في الإنجليزية أو الفرنسية, فلم نسمع صوتاً واحداً منهم ينبِّه إلى الازدواج الناشئ عن قراءة الجامعيين العرب-أساتذة وطلاباً- وكتابتهم بالإنجليزية أو بالفرنسية, فهل يرون الازدواج في المراوحة بين السوقية والفصحى مع قرب ما بينهما, ولا يرونه في المراوحة بين الإنجليزية والعربية, أو الفرنسية والعربية, مع بُعد ما بينها وبينهما؟.
ولنَعُد من بعدُ إلى حديثنا عن الكتابين اللذين أشرت إليهما من قبل لأقول: إن جامعة الدول العربية حين استوحت السفارة الأمريكية في أحدهما, واستوحت اليونسكو في الكتاب الآخر, قد لجأت في حقيقة الأمر إلى السفارة الأمريكية مرتين. لجأت مرة إلى السفارة الأمريكية التي ترفع فوق دارها العلم الأمريكي, ثم لجأت مرة أخرى إلى السفارة الأمريكية التي ترفع علم الأمم المتحدة. وإن شئنا الدقة قلنا: إنها لجأت إلى اليهودية العالمية الهدامة في الحالين, لتختار لها أشدَّ الكتب فتكاً بالدين والأخلاق وأفعلَها في قتل الشخصية العربية, ومحو مقوماتها, وتدمير تفكيرها وتسميم ينابيع الثقافة فيها, ومن أراد الدليل على صدق ما أقول فليرجع إلى الكتابين اللذين أشرت إليهما, فسيجد فيهما الكيد للإسلام وللمسيحية ... ظاهراً وخفياً, وسيجد أن اليهودية وحدها هي التي سلمت من كيد المؤلفَيْن وبذاءتهما, وسيجد الثناء على اليهودية واليهود تصريحاً وتلميحاً. يجد ذلك في مثل إشارة إيمرسون إلى يوم السبت الذي يسميه (يوم الدين), والذي يظهر الحزن والأسى لأنه (فقد الآن عند القسس سناء الطبيعة- ص 77) ويجده في مثل قوله: (إني لأتطلع إلى الساعة التي يتكلم فيها في الغرب كل ذلك الجمال العلوي الذي افتتنت به أرواح أولئك الشرقيين, وبخاصة أولئك العبريين الذين تحدث الأنبياء من خلال شفاههم لكل زمان... وإني لأتطلع إلى المعلم الجديد الذي يتابع هذه القوانين المشرقة- ص90). ويجده كذلك في عرض ول ديورانت لتاريخ اليهود عرضاً جذاباً مشرَباً بالعطف والمحاباة في الجزء الثاني من هذه الترجمة التي أتناولها بالحديث (ص321وما بعدها), وفي اعتماد المؤلف الشديد على المؤرخ اليهودي يوسيفوس, وعرضه تاريخ اليهود من زوايا تثير العطف والإعجاب في كل مكان من الكتاب([8]), وذلك في مقابل ما يصبه ول ديورانت من التهم البذيئة على شخصي محمد والمسيح الكريمين عليهما صلوات الله وسلامه في الجزأين الحادي عشر والثالث عشر من هذه الترجمة, وفي مقابل تهكم إيمرسون اللاذع وسخريته المرَّة بالمسيحية وبرجالها وطقوسها. ألا يذكرنا ذلك كله بالتهم البذيئة الموجهة إلى شخصي المسيح عليه السلام وأمه رضي الله عنها في التلمود الذي يقدسه اليهود أكثر من تقديسهم للتوراة؟ ]([9]).



[1] - عن طه حسين - حياته وفكره, ص / 98.
[2] - طه حسين حياته وفكره أنور الجندي ص / 63.
[3] - طه حسين في ميزان العلماء والأدباء - محمود مهدي الاستانبولي, ص 430 - 436.
[4] - مجلة المسلمون - عدد شوال 1334هـ.
[5] - " والهوامش للدكتور محمد محمد حسين ": طبعت اللجنة بعد ذلك كتابين آخرين مما أوحت به السفارة الأمريكية وهما: (الثقافة والحرية), لجون ديوي الذي أفسد المتأمركون تربية شبابنا باسمه, وكتاب: (انتصار الحضارة) لبرسند الذي أوفده المليونير اليهودي روكفلر ليعرض على مصر عشرة ملايين دولار لتأسيس معهد الدراسات الفرعونية, يعين على سلخ مصر من عروبتها.
[6] - المقصود بها هيئة اليونسكو التي يسيطر عليها -كما هو الشأن في أكثر مؤسسات الأمم المتحدة- الصهيونية العالمية الهدامة.
[7] - مستقبل الثقافة في مصر, ص/ 19, وتراجع في بسطه للفكرة كلها الفقرتان الثانية والثالثة ص / 12 -20 من طبعة دار المعارف سنة 1944.
[8] - تراجع أمثلة لذلك في صفحات: 13، 14، 33، 36، 39، 204، 216 من الجزء الحادي عشر,   (الجزء الثالث من المجلد الثالث).
[9] - حصوننا مهددة من داخلها, ص / 119 - 125 باختصار

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.