موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الخميس، 13 يونيو، 2013

هذه تجربتي وهذه شهادتي للشيخ سعيد حوى الحلقة الخامسة

هذه تجربتي وهذه شهادتي للشيخ سعيد حوى الحلقة الخامسة
الفصل الثالث : في الجانب المالي.
بدأت قيادتنا العمل ولم يكن عندها شيء من المال وكان عليها واجبات مالية كثيرة : إغاثة أسر الشهداء والمعتقلين وإمداد الأخوة المقاتلين والإنفاق على الأخوة المهاجرين, وقد فتح الله عز وجل أبواب العطاء ورأينا صورا من التضحيات مدهشة, فلقد قدم لنا أحد شباب الإسلام الملايين جزاه الله خيرا, كما أن التبرعات انهالت علينا من كل جانب فأصبحت ميزانية الجماعات تغطي النفقات وزيادة, وقد كنا على غاية الدقة في الشؤون المالية, فلم يكن ينفق قرش واحد إلا بتدقيق.
وطول مدة وجودي في القيادة كان الجميع متساوين في الإنفاق ، كان عضو القيادة يأخذ كما يأخذ أي إنسان تضطره ظروفه للهجرة ، فلم يكن هناك استثناءات ، وعندما استلمت القيادة التي جاءت بعد أحداث حماة كان رصيدها المالي ضخما ، ولم تزل تنفق من هذا الرصيد.
حدثت حادثة – ما كان لي أن أقف عندها لولا أنها أثيرت فيما بعد – وهي أن مندوبنا في تركيا جاءنا مرة باقتراح أن يشتري بيتا معينا في تركيا لسكناه ، واستطاع أن يستصدر قرارا من القيادة بذلك ، ولم أكن منشرحا لشراء البيوت بأموال الجماعة وكتابتها بأسماء أشخاص ، ولقد سألت الرجل لو أننا أردنا أن نؤجر هذا البيت فكم شقة نستطيع أن نستأجر بأجرته فقيل لي خمس شقق ، فطلبت من القيادة إعادة النظر في قرارها ، وكان من كلامي أنه إذا تم هذا الموضوع فإنني لا أستطيع أن أشهد أن تصرفاتنا في أموال الجماعة في محلها ، وتراجعت القيادة عن القرار ولكنه سجل علي كمأخذ أنني أفرض آرائي على القيادة.

وللتاريخ أقول أن قسما كبيرا من أموال الجماعة مسجل بأسماء أشخاص ولا يعرف سر ذلك إلا قليل ، ولقد كان لذلك آثاره الخطيرة في المستقبل ، فقد صادر الذين يسيطرون على هذه الأموال حرية أخوانهم, وكنت أخشى من أن نصل إلى هذه النتيجة, فتصبح قيادتنا شبيهة ببعض القيادات العربية التي تقود من خلال حاجة الإنسان إلى الخبز, ولقد حاول بعض الناس من خلال سيطرتهم المالية أن يفرضوا المصالحة مع نظام حافظ أسد, كما حاول بعضهم استغلال ما بيدهم من رؤوس الأموال لإخضاع الأفراد لسيطرتهم, ولقد كانت مأساة أخوان عمان فيما بعد تكمن في مثل هذه الشؤون, لذلك حاولت من وقت مبكر أن أصارع على جبهات أخوانية متعددة, وهذا أكسبني كثيرا من الخصومات إلا أنني أسجل عجزي عن النجاح في كثير مما أردته, فلقد نجح الذين في يدهم رؤوس الأموال في أن يفرضوا سياستهم على الأخوان فيما بعد, إلا أنني في الفترة التي كنت فيها في القيادة كانت الأمور المالية تسير على ما يرام, ولم نكن نعطي أحدا حرية الصرف, ولم يكن أحد يصرف قليلا أو كثيرا إلا بقرار, وما كان أحد يضغط ماليا في توجيه القرار, ولكنه بعد خروجي من القيادة أصبح الذين بيدهم هذه الأموال لهم موقف ضاغط على الجماعة أو على بعض أشخاصها من وراء وراء.
وكان لذلك أثره على الموقف مني, فقسم من الذين بيدهم الأموال أصبحوا يعتبرون معركتهم الأولى في الحياة هي معركتهم مع الشيخ سعيد.
وإنني أرجو بعد أن تستقر الأمور وتخرج الجماعة وأفرادها من أسر الضغوط المالية وأن يبحث أهل الحل والعقد في كل مركز عن الذين أساءوا لإخوانهم في الغربة وكادوا لهم وآذوهم وحجبوا عنهم حقوقهم وحاولوا السيطرة على الجماعة من خلال رغيف الخبز ومن خلال احتياجاتهم, كما أرجو أن يبحث أهل الحل العقد في كل مركز عن أولائكم الذين استغلوا مراكزهم للإساءة لإخوانهم في مرحلة الهجرة والغربة, وأن يفصلوا هؤلاء جميعا من الجماعة, فهؤلاء ليس فيهم خير لإخوانهم ولا لأوطانهم ولا لإسلامهم.

الفصل الرابع : في العمل العسكري.

لم تزل القواعد الإخوانية في سورية تتطلع إلى أنواع من الأعمال العسكرية والتنظيمات العسكرية السرية, انسجاما مع شعار الأخوان المسلمين "الجهاد سبيلنا " واقتداء بما عرف باسم الجهاز الخاص, وكان كثيرون في الجماعة يخافون من مثل هذه التوجهات, ومع ذلك لم يخل الأمر في كل فترة من وجود هذه المعاني بشكل من الأشكال, وقد وجد في تاريخ الجماعة في حماة أكثر من تشكيل, لكن الظروف القلقة ما كانت تعطي لشيء ما فرصة الاستمرار.
ولقد استطاع أفراد قليلون من أبناء الجماعة أن يتسللوا إلى الجيش, وكانت التصفيات تشملهم بشكل مستمر.
وكان الشيخ مروان حديد رحمه الله لا يجد فرصة يدفع فيها نحو التدريب أو العمل الجهادي إلا فعل, ومن هاهنا دفع بعض الأخوان نحو معسكر أخواني أقيم باسم منظمة فتح على الأرض الأردنية بعد عام 1967 وانبثق عن هذا المعسكر بعض الأعمال العسكرية على الأراضي الفلسطينية, كما وجدت توجهات لعمل عسكري لاحق, وكان في مركز حماة تشكيل صغير قام بمبادرة من أفراده, ولقد عرفت به قبيل دخولي السجن وأقررته وحدثت به أخانا الشيخ فارس ملي وكان رئيسا لمركز حماة.
وتحرك الشيخ مروان حديد رحمه الله حركته القوية بعد دخولي السجن وأوجد تيارا يؤمن بالثورة والعمل المسلح كطريق وحيد لإنقاذ سورية, ووضع الجماعة أمام خيار وحيد فإما أن تقبل الجماعة تبني هذه الأعمال على طريقتها أو أن قواعد الجماعة ستتحول إليه, وهكذا وجدت توجهات للعمل العسكري عند الجماعة وعند الشيخ مروان رحمه الله ثم اعتقل الشيخ مروان وكان من قبل قد أوكل إلى عبد الستار الزعيم أن يرتب أمور العمل العسكري, وتحرك عبد الستار الزعيم بسرعة ففرز من بين الصف المجموعات التي اعتبرها صالحة وفرض عليها نظاما حديديا وبدأ العمليات, وكان ما كان مما اضطر مجلس شورى الأخوان في سورية إلى أن يتخذ قرارا ببعض الترتيبات العسكرية.
وكان للجماعة ضباط داخل الجيش يرتبطون بعصام العطار, وبعض الضباط يرتبطون بتنظيمنا, وأصبح على الساحة مجموعات الشيخ مروان وعلى رأسها عبد الستار الزعم, وكان لنا تشكيل في حلب وفي حماة وبذور صالحة في إدلب, ولما اعتقل الأخوان قبيل حادثة المدفعية أصبحت بعض فصائلنا لا قيادة لها, وبعض من هذه الفصائل تلاحم مع عدنان عقلة ونفذ حادثة المدفعية, ثم تطورت الأحداث بالشكل الذي وصفناه, وعندئذ دفعنا كل من اختار العمل العسكري في الداخل نحو هذا العمل, وقدمنا الإمدادات لكل العاملين بصرف النظر عن الولاء لنا,, لم نلتفت للقيل والقال.
مرة واحدة فكرنا في الإعلان أننا شيء وعدنان عقلة شيء آخر, عندما قتل الشيخ محمد الشامي ومن معه في المسجد, لقد هالنا هذا التصرف أن يتم القتل للشيخ في مسجد ويقتل معه غيره, اقترحت يومها على القيادة أن تعلن موقفا ثم مات الاقتراح, ثم إن عدنان عقلة نفسه أعلن الخلاف, وتبنت إظهار موقفه بعض الجهات في الخارج.
وبسبب من حرارة المعركة اضطربت الموازين وتعدد الولاء وكثر الانتقال من طرف إلى طرف, ثم كان الوفاق وتمت وحدة العمل العسكري والتنظيمات العسكرية فتشكيلنا وتشكيل عصام العطار والمجاهدون في الداخل أصبحوا مرتبطين برباط واحد, وكادوا يحدثون تغييرا جذريا في سورية, بل أصبحوا يفكرون في تنفيذ انقلاب, ولكن خروج أبي سليم من القيادة وخروج عدنان عقلة وتلاحق الأحداث أدى إلى فساد كثير من المخططات, ثم إلى اعتقال الضباط ثم إلى أحداث حماة.
ولنرجع إلى الوراء قليلا :
عندما بدأت الأحداث كان أبو عامر يعتبر نفسه مفوضا في العمل العسكري وأوكل إلى علي البيانوني متابعة هذا الأمر, فلما أصبحت القيادة في الخارج وأدخلت فيها بدأت القيادة تلتمس طريقها, وكان علي البيانوني وقتذاك محصورا في باريس بسبب فقدان جوازه.
بدأنا الخطوات الأولى في التدريب على الأرض العراقية, وكان علي البيانوني غائبا, وصادف أن أنشأنا الجهاز الفني وكان البيانوني غائبا في حلب, وكان أبو الطاهر هو الذي يتابع في هذه الأحوال.
وبعد مجيء البيانوني من باريس وقبيل نزوله إلى حلب عقدت القيادة جلسة طرح فيها أبو عامر أن أسرار العمل العسكري ينبغي أن تبقى منوطة به وبأبي أنس (علي البيانوني ) فقلت :
نحن يهمنا أن نعرف بالقدر الذي نطمئن به لسير العمل, وبما يساعدنا على سلامة اتخاذ القرار, وما سوى ذلك فلسنا حريصين عليه, واتفقنا على ذلك ومن هاهنا انطلق العمل العسكري بعيدا عن السيطرة المركزية للقيادة وعن معرفتها التفصيلية والدقيقة, وبعد فترة اكتشف أبو عامر أنه كان لا يعرف إلا القليل ولا يطلع على التفاصيل.
ولطبيعة أبي أنس المركزية ولعدم ثقته إلا في القليل أصبح يجد نفسه مثقلا بأعباء نائب المراقب العام وكثير من الاتصالات والنشاطات, وبعمله في الجانب العسكري وربطه الخيوط كلها في يديه, فكان مصير كثير من التقارير التكديس وكانت كثير من الأمور الجوهرية معطلة أو مهملة.
ولعل ذكر بعض الصور الواقعية يبين واقع الحال :
-       شكل أبو عامر بالتعاون مع البيانوني وقيادات المراكز لجانا عسكرية لكل مركز, وطلب من كل مركز أن يتقدم بخطته لمحافظته, وتقدمت بعض المراكز بخطتها, وبقيت تنتظر شهورا لتجاب على خطتها, ثم تبين لها أن علي البيانوني لم يقرأها بعد. ولما شكت لأبي عامر وعدها, ثم لم يكن جديد.
-       كانت هناك معلومات عن الجيش السوري تأتينا عبر تقارير, وكان كثيرون يتقدمون بمعلومات حول الضباط المسرحين أو غير المسرحين, وكانت هذه المعلومات تكدس دون أن ينظر أحد بها.
-       جاء نائب المسؤول عن العمليات الخارجية في مكان ما فبقي أسابيع دون أن يستطيع البيانوني أن يقابله, مما أطار صوابه, وأصبح يتهم الجماعة أنها غير جادة في العمل.
-       أصبح البيانوني يعتبر نفسه المرجع الأول والأخير في العمل العسكري فلا يرجع إلى أحد لا إلى المراقب العام ولا إلى المكتب التنفيذي, وكان يستشيرني أحيانا في بعض القضايا, ولكن واقع الحال أن المتعاونين معه أو بعضهم كانوا يعرفون كل شيء وغيرهم من أفراد القيادة نفسها لا يعرف شيئا, وكان في يد بعض مساعديه من الصلاحيات أكثر مما في يد أي فرد في القيادة نفسها, وكل ذلك دون قرارات من القيادة نفسها.
ومع ذلك فقد أنجز الرجل مع مساعديه الكثير, فقد تابع التدريب الذي ابتدأناه في غيبته, وتابع تنمية الجهاز الفني إلى حد ما, والذي كان ابتدأ إنشاؤه أبو الطاهر, وعندما نزل إلى حلب اتفق كما علمنا فيما بعد مع عدنان عقلة على تحريك العمل في الشام, ومن هاهنا بدأ التفكير في إرسال مجموعات من الخارج إلى دمشق, وصادف ذلك مجيء الأخ عمر مرقة مع الأخ أبي ميسرة إلى عمان, وكان الأخ عمر مؤهلا لاستلام أي مسؤولية في العمل العسكري, وكان أبو ميسرة مندفعا للعمل وكان متميزا بالتضحية والتقوى فقررنا أن نرسل مجموعات مقاتلة إلى دمشق على رأسها أبو ميسرة كموجه, وعمر مرقة كمسؤول عسكري, وكان الرجلان متفاهمان, ولو بقي تفاهمهما لأنجزا الكثير, لكن أبا ميسرة ألزم نفسه بعد الدخول بأنواع من المجاهدات فحدثت عنده حالة روحية لم يعد معها يصلح للإدارة العامة, فاختلف مع عمر مما اضطررنا لسحب أبي ميسرة, فاستلم عمر المسؤولية بعد أن احترق كل شيء, فحاول إنقاذ الموقف,  لكنه استشهد هو وعدد من أخوانه, وسحب الباقون, وكانت المحصلة مأساة وكارثة وجعلت هذه الحادثة أيمن شوربجي – المسؤول عن مجموعات الشيخ مروان حديد في دمشق – ساخطا وغاضبا, وأشعرت أكثر الناس إخلاصا للجماعة في دمشق أن الجماعة غير مؤهلة لإدارة الشؤون العسكرية.
رجع الأخوة من دمشق ساخطين يتساءلون عن المسؤول, ولم يكن عندنا الكثير مما نقوله لهم, وكنا في القيادة نحاول أن نظهر بمظهر الفريق ذي الروح الواحدة.
لقد كان أبو عامر قد اقترح قبل إرسال الأخوة إلى دمشق أن نستبدل إرسالهم إلى محافظاتهم بإرسالهم إلى دمشق, لكن أبا أنس انفجر غاضبا, واتهم أبا عامر بأن هذا تعطيل للقرارات, وكما قلنا لقد كان متفقا مع عدنان عقلة على تحريك الوضع في دمشق. لقد بذل أخواننا المرتبطون بنا ارتباطا مباشرا في الداخل جهودا كبيرة فقد قام الحمويون منهم بعملية كبيرة, ونجح أخوة إدلب في بعض العمليات, ثم استشهد مسؤولهم رحمه الله, وكان من أصفى خلق الله وأصدقهم, وتشرذم الأخوة بعد ذلك, وعانوا أياما ما أظن أن أحدا في هذا العالم عاناها, وكانوا يصطدمون أحيانا مع السلطة, إما بمبادرة, وإما بسبب مداهمة أو مفاجأة, لقد حدث الكثير في محافظة إدلب.
أما حلب فقد كشف تنظيمنا فيها بسرعة, واعتقل المسؤول وبعض أخوانه, والتحق  من تبقى بعدنان عقلة, وعندما أفرج عن عدنان شيخوني أنشأ عملا خاصا بنا, لكنه لم يلبث أن استشهد هو وبعض أخوانه.
ومن هاهنا فإن من الإنصاف أن نقول إن أكثر العمليات قد نفذها أخوان الشيخ مروان حديد الذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين في سورية, إلا أنه من الإنصاف كذلك أن هؤلاء ما كانوا ليفعلوا الكثير لولا التحاق أخواننا بهم, ولولا دعمنا لهم ولولا تبنينا المواجهة.
وعلى هذا فإن أكثر العمليات تمت بأيدي من يسمونهم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين بقيادة عبد الستار الزعيم وخلفاءه في حماة : هشام جمباز, فتميم شققي, فأبو بكر عمر جواد, خاتمة العنقود, وكانت طليعة دمشق وحلب تسلم  أن القيادة لهؤلاء.
كان على رأس الأمر في حلب –بعد اعتقال حسني عابو – عدنان عقلة, وأيمن شوربجي في دمشق, ولم يكن أيمن يرتاح لأسلوب عدنان عقلة القائم على التحريك المستمر والزج بكل القوى واستقطاب كل الراغبين في العمل وعدم الاقتصاد في استعمال القوة.
أما حمص فم يستطع تنظيمنا أن يفعل شيئاً, كما أن تنظيم الطليعة الذي كان على رأسه أحد أخلص الناس لعصام العطار استشهد أصحابه بعد العملية الأولى, ومع المحاولات الكثيرة فلم يحدث الكثير, وأخيراً نزل الشهيد القائد هشام جنباز مع ثلة من أخوانه إلى حمص لتحريك الأمور فاستشهد.
ولنرجع إلى الوضع في القيادة:
أحجم الأخ أبو الطاهر عن العمل داخل القيادة إلا أن يتحسن العمل وعلى أثر ذلك اتفقنا أن نبدأ بتشكيل الأجهزة التي لم يتم تشكيلها, فاقترحت أسماء للجهاز العسكري وللجهاز المالي, وبدأت اجتماعات المرشحين لذلك وصادف أن أبا عامر أعلن انه إذا لم تحل أزمة العمل العسكري فإنه سيستقيل فاتخذت القيادة قرار تشكيل الجهاز العسكري في غيابه فأزعجه أن يتم ذلك في غيابه دون استشارته, لكنه سلم للقرار.
كانت إحدى النقاط الرئيسية التي أثارها أبو الطاهر أننا ننطلق عن غير تصور كلي, لذلك فقد اتفق داخل القيادة أن أي أخ في القيادة يستطيع أن يحضر مناقشات بناء أي جهاز, للمسارعة في إنضاج التصورات, لذلك بدأت أحضر اجتماعات ما سمي بالجهاز العسكري, وأصررت أن تكون نقطة البداية هي وجود تصور واضح كلي شامل حول العمل العسكري لكنا كنا محكومين بضيق أوقات أبي أنس, وعندما حضر مرة أبو عامر وطرح فكرة اللقاءات المستمرة للإنجاز, أظهر أبو انس غضبه أمام أعضاء الجهاز, وتحمل أبو عامر غضبته العارمة, ومع ذلك استطعنا أن نحدد مجموعة الأعمال العسكرية التي تحتاجها ثورتنا, والإطار التنظيمي الذي يحقق ذلك, ووزعت الأعمال على أعضاء الجهاز, وعرفت فيما بعد أن بعضهم غضب لأنني رشحت بعض الضباط للإشراف على التدريب وكان الجهاز يتألف من ضباط ومن بعض المهتمين من أخواننا المدنيين في هذه الشؤون, وبعد ذلك طرح السؤال: ما هي الخطوة التالية؟ وصادف أنه كان عند البيانوني موعد فخرج وفوضنا في متابعة البحث واتخاذ القرار.
وطرحت الإجابة على السؤال, وأجمع عليها الموجودون ولما جاء أبو أنس عرض عليه ما أجمعنا عليه مع شيء من التفصيل, وإذا به يغضب لإدخال أمور في أمور, وكان معنا في الجهاز أخ غير سوري وإذا به يوجه نوعاً من الإنكار الممزوج بالمداعبة, فكان هذا فوق ما أحتمله من الاثنين لذلك سكت وقررت عدم الحضور مرة أخرى, لكن أبا انس مر علي مرة أخرى ولم يكن يحس أنني قد سخطت على موقفه فعدت إلى الحضور.
كانت الفكرة التي طرحتها بدهية ونظامية, وهي التي أخذت مسراها فينا بعد وكان نظامنا الأساسي ينص على أنه ينبغي أن توجد في المراكز لجان تشبه لجان القيادة العليا, وكان اقتراحي يقول أن علينا أن نوجد في كل مركز مسئولاً عن جانب من جوانب العمل العسكري يرتبط بالأخ المسئول عن هذا العمل في الجهاز العسكري, ومع ما حدث في تلك الجلسة فقد أخذت الفكرة مسراها وبلورها الأخوة في الجهاز, ووضعوها في صيغتها النظرية, فأمضاها أبو أنس البيانوني وطلب من الأخوة في الجهاز أن ينطلق كل منهم إلى المراكز لترتيب هذا الأمر, ودهشت أن يطلب من أعضاء الجهاز هذا الطلب, فيدخل كل منهم إلى المراكز دون العودة إلى القيادة, لقد كان المفروض أن توافق القيادة أولا على هذا التوجه, ثم توعز إلى المراكز أن يستقبلوا الأخوة المسؤولين, بل ينبغي أن يتم هذا كله بالإشراف المباشر من القيادة لذلك كلمت أبا أنس بيني وبينه بعد انتهائنا من صلاة الظهر, بأن هذا الأمر ينبغي أن يعرض أولا على القيادة, فقال : لقد كنت من قبل أبرم الأمر منفردا, فكيف  إذا وجد جهاز, وهذا يعني أنه لا يعتبر القيادة ذات حق في البحث والقرار, وهالني هذا الأمر, وقررت أن أفتح ملف الجهاز العسكري في القيادة, ومع أنني وافقت على المشروع في أول جلسة لاحقة, إلا أني فتحت الموضوع في الجلسة التالية وأصررت أن يفتح ملف الجهاز العسكري, وغضب أبو أنس كثيرا وأعلن عن تقديم استقالته بمناسبة مناقشتي لبعض الثغرات في المشروع إلا إذا أقر كما هو, تساهلت في هذا الشأن وتابعت مناقشة أوضاع الجهاز, وبعد نقاش ساخط قررت القيادة أن أدخل أنا وأبو الطاهر على الجهاز العسكري, واتفق أن يكون أبو الطاهر أمين سر الجهاز, وكانت هذه أواسط النهاية في العلاقة بيني وبين أبي أنس, استطاع أبو الطاهر أن يضع اللائحة الداخلية للجهاز العسكري بناء على المناقشات التي تمت من قبل, وبناءا على ما قدمه كل أخ من مقترحات للجانب الذي أخذ يعمل فيه, ووضحت بالتالي الصورة الكلية لما ينبغي أن نعمله.
حدث صدام أخر بيني وبين البيانوني داخل الجهاز العسكري, فقد كنت أنادي الجهاز أن يعطى لكل مسؤول عن جانب مفاتيح الحركة وصلاحيات الانطلاق, وكنت أرى أن العمليات ينبغي أن تعطى أولوية فإنها حياة الثورة ورمز وجودها, وفي جلسة من الجلسات شكا الأخوة من بطء العمل فتحدث أبو أنس معلنا أنه يفوضهم في الاجتماعات واتخاذ القرارات, ولكنهم جميعا  يعلمون أن الأمر ليس كذلك, لأن بيده المفاتيح, ولما رغبت أن يقول الأخوة آراءهم وبدؤوا يتكلمون في هذا الشأن, غضب أبو أنس وأوقف الجلسة وانسحب, ومع ذلك بقيت صابرا مثابرا.
لقد اتضح – من خلال إحصاء الأعمال التي يجب القيام بها والأقسام التي تحقق ذلك – القصور الرهيب الذي نعانيه, لقد كانت الأقسام التي نحتاجها لتغطية الأعمال حوالي ثلاثة عشر قسما, لا يوجد منها إلا القليل, وجميع الأعمال إما في الصفر أو قريبة من الصفر. وكان أبو أنس كثير الأعمال ويقول أنتم مفوضون فإذا أبرمنا أمرا في غيابه مات.
لقد كان أحد الأقسام المهمة قسم العمل في القوات المسلحة, ولقد اتفقنا على إنشاء هذا القسم وحددنا للعمل فيه بعض الأسماء من الضباط الموجودين في دائرتنا, ولكنه أمات هذا الموضوع, - الذي أبرمناه في غيابه بناءا على تفويضه – مع أن باستطاعته أن يجري تعديلا على بعض الأسماء.
لذلك أصبح واضحا لدي أن أبا أنس ما دام على رأس الجهاز فالأمور ستزداد ترديا, كنت أرى أن الرجل يستطيع البناء التدريجي على المدى البعيد جدا, والوقت لا يرحمنا, لقد وصل أبو عامر إلى درجة من اليأس رأى أن يسلم الجهاز العسكري إلى عدنان عقلة, لإخراج العمل العسكري من الجمود, كنت أعارض في ذلك بعد أن تأزمت الأوضاع بيننا وبين عدنان, ولما خرج عدنان من القيادة ودخل أبو الطاهر كنت أرى أن الحل الوحيد هو أن يستلم الجهاز أبو الطاهر, فهو الذي وضع اللائحة العسكرية وهو الذي أشرف على بدايات بعض الأمور, وكانت خبرته جيدة ودقته متناهية, فهو أكفأ الجميع, وقد استطعنا بعد جولة صعبة أن تتخذ القيادة قرارا بذلك, لكن بعض أعضاء الجهاز ممن يتلاحمون مع أبي أنس أعلنوا أنهم يعتبرون أبا أنس أكفأ منه, فشعر أنهم لن يتعاونوا معه إلا على مضض, فقدم استقالته, فعاد أبو أنس لاستلام الجهاز العسكري, وفجأة نواجه باستصداره قرار من المراقب العام بإقالة كل الضباط من الجهاز العسكري, فأصيبت مجموعة الضباط بالإحباط, لولا تدخل أبي عامر ومساعدته في ذلك.
وفي هذا الجو أصبحت أفتش عن المخرج فوجدته في أن أستلم الجهاز الإداري, وأن نلحق قسم العمليات بالقيادة مباشرة, وأفتح لقسم العمليات الطريق واسعا عبر  الجهاز الإداري, واستطعنا أن نصل إلى ذلك, لكن أبا أنس غاب وانسحب من الجلسة, ثم اقترح هو أن أستلم الجهاز العسكري, فقبلت, ووافقت القيادة, ولم تمهلنا الأيام إلا وأحداث حماة قد وقعت, وكان ما كان.
خرجنا من أحداث حماة والجماعة مهددة بالانقسام, وخط المواجهة مع حافظ أسد مهدد بالانهيار, وقدمت استقالتي وقلت على إثرها لأبي أنس وللشيخ منير, لقد انتهت أزمة القيادة وسترون, وفعلا فإن مجلس الشورى اتفق على أن تكون القيادة سبعة, ولقد نجح ستة من أفراد القيادة القديمة, ولم يدخل جديد إلا سعيد درويش, بتزكية الدكتور حسن وبمباركة من أبي عامر, وكان رأيي أن يرجع أبو أنس إلى استلام الجهاز العسكري, بعد تجربتي أنه لا يستطيع أن ينسجم في العمل إلا بذلك, ثم إن في حلب تكمن المعارضة الرئيسية ضد خط المواجهة, فأن يبقى أبي أنس هو المسؤول عن الجهاز العسكري فإن ذلك يقطع الطريق على هؤلاء.
لكن أبو أنس أخذ فترة سماح لبناء الجهاز العسكري, وشطب على فكرة العمليات التي يخطط لها في الخارج, ثم تقدم بتصور عسكري كان واضحا فيه أن الجهاز العسكري يريد السيطرة على الجماعة, وحاول أبو أنس أن يستصدر موافقة في جلسة سريعة مقتصرة على ذلك, مما حدا بأبي الطاهر أن يستقيل, وأن يجلس في بيته لأن التصور فيه مخالفة صريحة للنظام, ثم هو يلغي حق القيادة في القرار, وقد نص على أن قراراته ترفع للقيادة للاطلاع, وكان نظامنا ينص على أن المركز هو الذي يعين اللجان في إدارة المركز, فأعطي هذا الحق للجهاز العسكري عامة أو لرئيسه خاصة, ولما عرض على المراكز تعميم صادر عن الجهاز العسكري يتضمن أمثال هذه المعاني رفض الحاضرون بالإجماع على ذلك, ولما بلغني الأمر, قلت, هذا التصور مخالف للنظام, فإما أن يعدل, أو يعدل النظام.
ولم تتجاوب المراكز مع هذه التوجهات, فاضطر أبو انس للاستقالة, محملا أياي إلى حد كبير مسؤولية التخبط, ومرت بذلك مرحلة ميتة أعطت حافظ اسد فرصة الظهور بأنه سيطر على الوضع سيطرة تامة, ثم سلم الجهاز على إثرها لأبي عبيدة, فلم يفعل شيئا لأنه لا صلاحيات بيده, ثم سلم لقادم جديد من بريطانيا بعد أن أصبح في القيادة وقضى أياما طويلة لاستيعاب الأمر, ثم استقال, ثم سلم لقادم آخر من بريطانيا دخل من جديد في القيادة وكان بحاجة إلى أن يدرس ويستوعب, ولقد حدثت أكثر من محاولة لفعل شيء ففشلت, ثم آل الأمر إلى أبي عمر (فاروق طيفور )من حماة ومعه مجموعة, والأمل في الرجل كبير أن يستوعب بسرعة وأن يحرك ويتحرك.



0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.