موقع ارض الرباط

موقع ارض الرباط
موقع ارض الرباط

الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

مقدمات حول الاستعانة بالكافرين المقدمة الرابعة

مقدمات حول الاستعانة بالكافرين المقدمة الرابعة
موقف الكافرين من المسلمين كما بينه القرآن
رضوان محمود نموس (أبو فراس)
أنزل الله تعالى آيات بيِّنات توضح لنا موقف الكافرين منا، الموقف المعلن وما تكنه صدورهم {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]
ولكي لا يبقى حجة لمتمحل من الخطأ وعدم المعرفة, وحتى يكون من يركن إليهم أو يتوقع منهم الخير أو ما شابه ذلك يعلم بشكل قاطع أنهم أعداء, وأنه يركن إلى الأعداء, ويخالف شرع الله علانية ودون مواربة.
وقد أنزل الله تعالى في تبيين موقف الكافرين من المسلمين آيات كثيرة منها:
قال الله تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا}(101) النساء
وقال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ}  (109) البقرة
وقال الله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (105)  البقرة
وقال الله تعالى: { وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217) البقرة
وقال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}(120) البقرة
وقال الله تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ(8)اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(9)لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ}(10) التوبة
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } [آل عمران 118- 120]
ونختصر موقف الكفار من المسلمين بالآتي:
1- العداوة المبيتة.
2- كراهية الخير للمسلمين.
3- مقاتلة المسلمين حتى يكفروا.
4- العمل بكل الوسائل حتى يرتد المسلمون عن دينهم.
5- التغيظ والحقد على المسلمين.
6- حب الضلال للمسلمين.
7- إعلان أن الوثنيين أهدى من المسلمين.
8- تمني الكفر للمسلمين.
9- التربص بالمسلمين والتآمر عليهم.
10- المكر بالمسلمين والكيد لهم.
11- لا يرقبون بالمسلمين إلا ولا ذمة.
12- يعملون على إطفاء شرع الله ودين الله.
13- يبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء على المسلمين.
14- يعلنون ويجاهرون بالبغضاء للمسلمين وما تخفيه صدورهم أكبر.
15- يُسمعون المسلمين الأذى في أشخاصهم وفي دينهم.
16- يحبون العنت والضيق والحرج للمسلمين.
17- يحسدون المسلمين ويتمنّون زوال النعمة عنهم.
18- السخرية والاستهزاء بالمسلمين.
فهذه الآيات الكريمة تشرح وتبين موقف الكفار من المسلمين ومدى حقدهم وضغنهم على الإسلام بل وتبين دخائل الكفار، وما يكنونه في أنفسهم نحو المسلمين من بغض، وما يدبّرونه ضدهم من مكر وخيانة وخديعة فهي حكم وقول الله تعالى الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر: 19] و{يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] و{يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [التوبة: 78]
وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون سذاجة وحماقة بعض المسلمين الذين يخالفون أمر الله ويثقون بهم؛ فيخططون للإضرار بالمسلمين وأذيتهم عبر هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].
ولذلك جاءت آيات كثيرة في تحذير المؤمنين ونهيهم عن الاستماع للكفار عامة ولأهل الكتاب خاصة، أو طاعتهم، أو اتخاذهم أولياء، أو الركون إليهم.
وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن وَسنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر من أَن يجمع إِلَّا فِي جُزْء كبير فَكيف يساعد لِسَان امْرئ مُسلم على إِنْكَار شَيْء من هَذَا بعد شَهَادَة الله عز وَجل أنهم أعداء وأنهم يمكرون بنا وأنهم وأنهم ...الخ
إن العداوة التي انطوت عليها قلوب الكفرة للمسلمين، التي ذكرها الله لنا في الآيات السابقة لا يمكن معرفة حجمها وضخامتها إلا الله, ثم الراسخون الذين يصدقون الله جل جلاله تصديقًا عمليًا, قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36] وقال الله تعالى: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65]
وأعداء الإسلام من اليهود والنصارى يعلمون أن هذا الدين منزل من الله سبحانه, ومنعهم من الإيمان الكبر، والحسد، والحقد على هذا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه من ذرية إسماعيل، وليس من ذرية إسحاق ومن سلالة داود ففي أكثر من حديث يأتي يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألوه امتحانًا ويجيبهم صلوات الله عليه ويعلمون أنه نبي مرسل ولكن حقدهم يمنعهم من الإيمان.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ «نَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَجَبْتَنَا فِيهَا اتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَآمَنَّا بِكَ» قَالَ: فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالُوا: {اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66] قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ» قَالُوا: وَأَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤْنِثُ الْمَرْأَةُ وَكَيْفَ يُذْكِرُ الرَّجُلُ؟ قَالَ: «يَلْتَقِي الْمَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَتْ» قَالُوا: صَدَقْتَ قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: «مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مُوكَلٌّ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابِ حَيْثُ شَاءَ اللهُ» قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ قَالَ: «زَجْرُهُ بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ أُمِرَ» قَالُوا: صَدَقْتَ قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: كَانَ يَسْكُنُ الْبَدْوَ فَاشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَاوِمُهُ إِلَّا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا فَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا قَالُوا: صَدَقْتَ قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنِ الَّذِي يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا يَأْتِيَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالرِّسَالَةِ وَبِالْوُحْيِ فَمَنْ صَاحِبُكَ؟ فَإِنَّهُ إِنَّمَا بَقِيَتْ هَذِهِ حَتَّى نُتَابِعَكَ قَالَ: «هُوَ جِبْرِيلُ» قَالُوا: ذَلِكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحرْبِ وَبِالْقَتْلِ ذَاكَ عَدُوُّنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَوْ قُلْتَ: مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْقَطْرِ، وَالرَّحْمَةِ تَابَعْنَاكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ {فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]([1]).
بل إن يهود عند وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, خرج إليه حيي بن أخطب ليرى أهو رسول الله الذي جاءت صفته بالتوراة أم لا ؟ وهذه شَهَادَةٌ عَنْ صَفِيَّةَ أم المؤمنين في هذا.
{قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ قُبَاءَ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، غَدَا عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مُغَلِّسَيْنِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى. قَالَتْ: فَهَشِشْتُ إلَيْهِمَا كَمَا كنت أصنع، فو الله مَا الْتَفَتَ إلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنْ الْغَمِّ. قَالَتْ: وَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاَللَّهِ مَا بَقِيتُ.}([2]).
وبعد حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حصن يهود.{ثُمّ خَلَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَتَنَاجَوْا، فَقَالَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمّدٌ فِي نَفِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يَبْلُغُونَ عَشْرَةً- وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيّ، وَالزّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- فَاطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً مِنْ فَوْقِ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي هُوَ تَحْتَهُ فَاقْتُلُوهُ، فَلَنْ تَجِدُوهُ أَخْلَى مِنْهُ السّاعَةَ! فَإِنّهُ إنْ قُتِلَ تَفَرّقَ أَصْحَابُهُ، فَلَحِقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ بِحَرَمِهِمْ، وَبَقِيَ مَنْ هَاهُنَا مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حُلَفَاؤُكُمْ، فَمَا كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا يَوْمًا مِنْ الدّهْرِ فَمِنْ الْآنَ! فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ: أَنَا أَظْهَرُ عَلَى الْبَيْتِ فَأَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً. قَالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: يَا قَوْمِ، أَطِيعُونِي هَذِهِ الْمَرّةَ وَخَالِفُونِي الدّهْرَ! وَاَللهِ إنْ فَعَلْتُمْ لَيُخْبَرَنّ بِأَنّا قَدْ غَدَرْنَا بِهِ، وَإِنّ هَذَا نَقْضُ الْعَهْدِ الّذِي بَيْنَنَا وبينه، فلا تفعلوا! ألا فو الله لَوْ فَعَلْتُمْ الّذِي تُرِيدُونَ لَيَقُومَنّ بِهَذَا الدّينِ مِنْهُمْ قَائِمٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَسْتَأْصِلُ الْيَهُودَ وَيُظْهِرُ دِينَهُ! وَقَدْ هَيّأَ الصّخْرَةَ لِيُرْسِلَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْدُرَهَا، فَلَمّا أَشْرَفَ بِهَا جَاءَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ مِنْ السّمَاءِ بِمَا هَمّوا بِهِ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا كَأَنّهُ يُرِيدُ حَاجَةً، وَتَوَجّهَ إلَى الْمَدِينَةِ وَجَلَسَ أَصْحَابُهُ يَتَحَدّثُونَ وَهُمْ يَظُنّونَ أَنّهُ قَامَ يَقْضِي حَاجَةً، فَلَمّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَا مُقَامُنَا هَا هُنَا بِشَيْءٍ، لَقَدْ وَجّهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَمْرٍ. فَقَامُوا، فَقَالَ حُيَيّ: عَجّلَ أَبُو الْقَاسِمِ! قَدْ كُنّا نُرِيدُ أَنْ نَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَنُغَدّيَهُ. وَنَدِمَتْ الْيَهُودُ عَلَى مَا صَنَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ كِنَانَةُ بْنُ صُوَيْرَاءَ: هَلْ تَدْرُونَ لِمَ قَامَ مُحَمّدٌ؟ قَالُوا: لَا وَاَللهِ، مَا نَدْرِي وَمَا تَدْرِي أَنْتَ! قَالَ: بَلَى وَالتّوْرَاةِ، إنّي لَأَدْرِي، قَدْ أُخْبِرَ مُحَمّدٌ مَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنْ الْغَدْرِ، فَلَا تَخْدَعُوا أَنَفْسَكُمْ، وَاَللهِ إنّهُ لَرَسُولُ اللهِ، وَمَا قَامَ إلّا أَنّهُ أُخْبِرَ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ. وَإِنّهُ لَآخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي هَارُونَ فَجَعَلَهُ اللهُ حَيْثُ شَاءَ. وَإِنّ كُتُبَنَا وَاَلّذِي دَرَسْنَا فِي التّوْرَاةِ التي لم تغير وَلَمْ تُبَدّلْ أَنّ مَوْلِدَهُ بِمَكّةَ وَدَارَ هِجْرَتِهِ يَثْرِبُ، وَصِفَتُهُ بِعَيْنِهَا مَا تُخَالِفُ حَرْفًا مِمّا فِي كِتَابِنَا، وَمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَوْلَى مِنْ مُحَارَبَتِهِ إيّاكُمْ، وَلَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْكُمْ ظَاعِنِينَ، يَتَضَاغَى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا}([3]).
لقد كان السبب الرئيس في كراهية اليهود للمسيح - عليه السلام - أنه صدع بالحقيقة بين ظهرانيهم، فأعلمهم أن ملكوت الله واصطفاءه سينزع منهم، ويعطى لأمة أخرى، وإذا أردنا إثبات ذلك؛ فإننا نعود إلى أول محاولة آثمة راموا منها قتله، وذلك حين حدثهم عن انصراف النبي إيليّا عن أرامل بني إسرائيل إلى أرملة صيداوية، وأن النبي أليشع طهر نعمان السرياني دون سائر البرص الذين كانوا في بني إسرائيل (انظر لوقا 4/ 25 - 27)،
فنقل الله تبارك وتعالى النبوة والاصطفاء إلى فرع إسماعيل عليه السلام، فكان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنذ ذلك الحين والشرق والغرب يحسدوننا على هذا، كما قال تعالى: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة:109].
وذكر الله تبارك وتعالى هذه العداوة وهذا الحسد، وحذَّرنا منه في آيٍ كثيرة، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1]، إلى آخر الآيات.
فالآيات كثيرة جدًا، وكلها تدل على أن الكفار ينقمون على هذه الأمة ويحقدون عليها.
والمراقب للواقع يعلم أن كل الكفار بأنواعهم وأشكالهم معادون للإسلام وتجمعهم هذه العداوة لذا جاءت الآية الكريمة بلفظ العموم {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } [النساء: 101] فشملت كل الكافرين، فعداوتهم ليست عرقية وليست اقتصادية أو سياسية وما إلى ذلك بل دينية يعادون كل مسلم وهذه طبيعة النجس أن يعادي الطهارة.
كل العداوة قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين
فهي ليست عداوة عرضية تزول مع الزمن بل هِيَ أصيلة مَا دَامَ على الأَرْض كفر وكفار.
ولن تنتهي إلا بانتهاء أحد الفريقين هكذا ينظرون لنا وهكذا يجب أن ننظر لهم ومن يفكر في إمكانية التعايش مع الكفار وهم على الكفر لن يتحقق أمله إلا إذا ارتد والتحق بالكافرين أعاذنا الله من ذلك.
وَقد بيّن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتِحَالَة هَذَا اللِّقَاء والتعايش واستحالة الْمُصَالحَة بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين بقوله:
كما روى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا»([4]).
بعد هذا كله لا يقَرِّب الكفار أو يزعم أنهم ليسوا أعداءً أو يمكن أن يساعدوا المسلمين أو يكونوا لهم مددًا وظهيرًا إلا من سفه نفسه قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } [الممتحنة: 4]  وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] فمن يأمل خيرًا من الكافرين يدخل نفسه في زمرة السفهاء أو المجانين حيث يقول تعالى {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] فمن خالف أمر الله فهو غير عاقل، أو كافر جاحد عن عمد وإصرار.
{ولَا يُمكن أَن يتعايش الْمُؤْمِنُونَ الْمُسلمُونَ مَعَ الْكَافرين أيًا كَانَ دينهم إِلَّا إِذا أمكن أَن يعِيش الْإِيمَان إِلَى جَانب الْكفْر فِي قلب رجل وَاحِد، وَهَذَا مُسْتَحِيل، نعم مُسْتَحِيل لِأَن المعركة قَائِمَة مُنْذُ بَدْء الْحَيَاة البشرية إِلَى مَا يَشَاء الله تَعَالَى بَين الْإِيمَان وَالْكفْر، وَبَين الْإِسْلَام والجاهلية بَين الْهدى والضلال بَين الْحق وَالْبَاطِل، بَين التَّوْحِيد والشرك.. وَمن ثمَّ فالمعركة قَائِمَة ومستمرة بَين الْمُؤمنِينَ الْمُسلمين أَتبَاع الْحق وَالْهدى، أهل التَّوْحِيد وَبَين الْكَافرين أَتبَاع الْبَاطِل والضلال أهل الشّرك والوثنيات وحزب الشيطان وجنود إبليس.
أما سَبَب هَذِه المعركة الطَّوِيلَة الأمد وسرها فَهُوَ الْخلاف الْأَصِيل والمناقضة التَّامَّة بَين الْإِسْلَام وطبيعته وَمَا يهدف إِلَيْهِ فِي حَيَاة الْبشر، وَبَين الْكفْر وطبيعته وَمَا يهدف إِلَيْهِ فِي حَيَاة الْبشر..
الْإِسْلَام بِمَا فِي طَبِيعَته من حق يُرِيد تَحْرِير النَّاس من الْعُبُودِيَّة لغير الله تبَارك وَتَعَالَى أيًا كَانَ شكل هَذِه الْعُبُودِيَّة وصورتُها، وَيُرِيد إخلاصها لله تَعَالَى وَحده، فَلَا يعبد غير الله  تَعَالَى مَعَه أَو دونه.
أما الْكفْر فبمَا فِي طَبِيعَته من بغي (ممثلًا بإبليس عَلَيْهِ لعنة الله وجنده وأوليائه) فيريد فتْنَة النَّاس عَن دين الله تبَارك وَتَعَالَى وتعبيدهم لغير الله سُبْحَانَهُ.
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الْأَعْرَاف 16 - 17) .}([5]).
وَلَكِن والْكفْر بِمَا فِي طَبِيعَته من حقد وضغينة وعداءٍ للحق وتغيُّظٍ على أهله, ومن نجسٍ وانحرافٍ وفجورٍ ورجسٍ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (بَرَاءَة 28) يتعاون فيما بين فصائله على حرب الإسلام ليشكلوا جميعًا حزب الشيطان وعلى مر التاريخ.
إِن الذي يدرس تاريخ الحروب الصليبية وغزو التتار لبلاد المسلمين يعلم السفارات التي كانت تتبادل بين دول المعسكر الصليبي وإماراته ورؤوسه وبين التتار في بلادهم قبل بدئهم بغزو العالم الإسلامي، ولما جاءوا إِلى بلاد الإسلام انضم إليهم غير المسلمين من الطوائف الأخرى في بغداد وبلاد الشام وغيرهما وتعاونوا معهم، بل إِن النصارى هللوا واستبشروا بقدوم التتار الوثنيين واعتبروا غزوهم لبلاد المسلمين حملة صليبية جديدة جاءت من الشرق بدلا من أَن تأتي من الغرب، والشيعة الكفرة والنصيريون شايعوا التتار في قتل المسلمين وقد رأينا كيف أَنه لم ينج من مذبحتهم الرهيبة فِي بغداد إِلَّا هؤلاءِ الذين تعاونوا معهم من الطوائف غير المسلمة، ومنحهم الغزاة قصور المسلمين وأمرائهم الذين ذبحوا منهم من ذبحوا، وفر منهم من استطاع الفرار، واختفى الباقون فِي الأقنية والسراديب، فلما خرجوا لقوا حتفهم بسبب المرض الذي فتك بهم.
أما تعاون القوى الكافرة والمعسكرات الجاهلية فيما بينها اليوم ضد الإسلام والمسلمين وقضاياهم فهي أوضح من أَن تحتاج إلى بيان فِي فلسطين وباكستان والفلبين والحبشة وإندونيسيا بل في إفريقيا كلها وفي كل قضية يكون المسلمون طرفا فيها.
والآن في بلاد الشام المثال الصارخ تتعاون أمريكا, والاتحاد الأوربي, وروسيا, وإيران, وأحزاب الشيعة وميليشياتها, والصين, والهند, وأنظمة الردة وعلى رأسهم مصر والجزائر بل وتونس, والعلمانيون, والشيوعيون, ونصارى البلاد, والصوفيون, والمنافقون من أهل الشام, بل وبعض الحركات التي تضع مكياجًا إسلاميًا ممن دخل في الائتلاف الذي صنعته أمريكا لينفذ أجندتها.
وَإِن إدراكنا لسر الصراع الأزلي بَين جنود الله وجنود إبليس, بين حزب الرحمن وحزب الشطان, بين أولياء الله وأولياء الطاغوت, يمكِّننا من إِدْرَاك عدَّة أُمُور هَامة جدا فِي حياتنا الْيَوْم، يجب أَن تبحث وتفصل حَتَّى يعرفهَا شبابنا وأبناؤنا ليكونوا على بَصِيرَة بدينهم وواقع عصرهم:
* إن هذا العصر هو عصر فتن أقبلت يأخذ بعضها بأيد بعض فما تنكشف فتنة حتى تأتي أختها الأكبر! {عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا}([6]).
لذا يمكن أن تسمع ممن تظنه على خير طامات يضل بها الناس قال الإمام أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد
[وفي عصرنا هذا، كنا نسمع عن أناس كبار ينسبون إلى العلم، ممن لم ندرك أن نسمع منهم، أنهم يذهبون إلى جواز التصوير كله، بما فيه التماثيل الملعونة، تقربًا إلى السادة الذين يريدون أن يقيموا التماثيل تذكارًا لآبائهم المفسدين، وأنصارهم العتاة أو المنافقين، ثم تقربًا إلى العقائد الوثنية الأوربية، التي ضربت على مصر وعلى بلاد الإسلام من أعداء الإِسلام الغاصبين. وتبعهم في ذلك المقلدون والدهماء، أتباع كل ناعق. حتى امتلأت بلاد المسلمين بمظاهر الوثنية السافرة، من الأوثان والأنصاب، ومن تعظيمها وتبجيلها، بوضع الأزهار والرياحين عليها، وبالتقدم بين يديها بمظاهر الوثنية الكاملة، حتى بوضع النيران أحيانًا عندها. وكان من حجة أولئك الذين شرعوا لهم هذا المنكر أول الأمر، الذين أجازوا نصب التماثيل بالفتاوى الكاذبة المضللة: أن تأوّلوا النصوص بربطها بعلة لم يذكرها الشارع ولم يجعلها مناط التحريم.... وكنا نعجب لهم من هذا التفكير العقيم، والاجتهاد الملتوي!. ]([7]).
وفي مثل هذه الأحوال يبحث الرعاع عن أي قول يتماشى مع أهوائهم ويقولون قال العالم الفلاني بل أحيانًا يعرفون أن هذا باطل ويقولون نضعها في عنق الشيخ الفلاني الذي أفتى لنا وكأنهم برآء من المسؤولية.
فعلى كل مسلم في هذه الأحوال أن يرجع إلى القرآن والسنة ويسأل العلماء الثقاة وخاصة منهم المجاهدين, وأما الموظفين عند الطواغيت فهم كما أسلفنا جزء من النظام الطاغوتي ولا يكون المسلم تبعًا لكل ناعق [َقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ: " يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَا هُنَا لَعِلْمًا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ، لَوْ أَصَبْتَ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى لَقَدْ أَصَبْتَ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ يَسْتَعْمِلُ الدُّنْيَا لِلدِّينِ وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كِتَابِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ فُتِنَ بِهِ وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ "]([8]).
وفي حياتنا المعاصرة كثير ممن لقبوا بالعلماء أخطر على الأمة من الشياطين يشرعون لها طريق الضلال وليس القرضاوي وسيد طنطاوي والعبيكان وعلي جمعة والبوطي وحسون وما شاكلهم عنا ببعيد.
* وَمن خلال القرآن والسنة وأزلية الصراع يمكننا فهم طبيعة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله - تَعَالَى - وبواعث الْمُجَاهدين وفهم أَسبَاب الحروب الطَّوِيلَة الَّتِي شنتها المعسكرات الْجَاهِلِيَّة على الْمُسلمين فِي كل مَكَان سيما في عصرنا من الصين إلى الهند إلى بورما إلى الفلبين إلى التاميل إلى إيران إلى روسيا إلى يهود إلى فرنسا إلى أسبانيا وبريطانيا أم الخبائث وأوربا جمعاء إلى أمريكا إلى الوثنيين في أفريقيا, إلى الدول الاسكندنافية إلى البلاد الإسلامية المسلط عليها أنظمة الردة من عبيد الكفار بل الحرب حيث وجد الإسلام فالحرب معلنة عليه, وحيثما كانت الحرب فهي حروب إبادة واستئصال.
لذا يكون من الحمق والضلال اتخاذ الكافرين بطانة من خلال قبول مساعداتهم التي يتوسلون بها لتدميرنا وتدمير جهادنا في كل مكان، وما من مكان ارتكب فيه المسلمون ضلالة الاستعانة بالكفار أو بجمعياتهم التي يسمونها إغاثية أو إنسانية إلا وحصدوا ذلك علقمًا وسنعرض لهذا الأمر في مبحث مستقل. ‍
* ومن هنا نعلم أن الحكام المرتدون في سائر بلاد الإسلام هم طليعة حقد الكفار ورأس حربتهم, وهذا ما يفسر لنا عمليات القتل الجماعي والسحق الوحشي لشباب الْمُسلمين والفتك بعلمائهم وقادة فكرهم على أَيدي الأنظمة الْجَاهِلِيَّة المرتدة ومطاردتهم وتشريدهم والاستئصال الفكري للمسلمين على أيدي هذه الأنظمة الردِّية فكيف يستسيغ عاقل الاستنصار بأنظمة الردة؛ أمن أجل أن يطَّلعوا على عوراتنا ليرمونا في مقتل؟!! أم من أجل إشاعة الفساد والفتن بيننا؟!! أم لزرع الشقاق من خلال نصائحهم المرافقة لخبيث أموالهم، أم هو الضلال المستبين عن منهج رب العالمين.
* ومن خلال البيان القرآني, واستقراء التاريخ؛ يمكننا إدراك حقيقة العلاقة بيننا وبين الكفار أجمعين؛ وهي الحرب الشرسة, والذي يتولى قيادتهم الآن هو التحالف الصهيوني البروتستانتي, بزعامة الماسونية العالمية, وتقود معها جميع أنواع الكفر وطليعتهم من الحكام المرتدين, وإزاء هذه الحقائق وهذا الواقع لا بد لنا من إعادة ترتيب أوراقنا وعلى رأسها الالتجاء إلى أعظم قوة، القوة المطلقة وهو الله جل جلاله، هذه القوة اللامتناهية في العظمة والقدرة؛ يغفل عنها الكثير في زحام الحوادث ولكنها هي الركن الشديد الذي يعصم من التجأ إليه حقيقة وانتصر به حقيقة. قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] وما لم نلتجئ إلى الله فالنصر بعيد المنال.
لقد خالطت كراهية الإسلام والحقد عليه دماء الكافرين، وتكوّن منها تفكيرهم وخلايا أدمغتهم، والتاريخ مليء بالأمثلة على عمق وتجذر هذه الكراهية والحقد، وعلى عمق وتجذر السذاجة والغفلة عند المسلمين خاصة في العصور الأخيرة, حيث اعترى الضعف أوصال الأمة؛ فبدأ المنهزمون والمتميعون يبحثون عن شبه يبرروا بها صداقتهم للكافرين, والاستعانة بهم, ويسيرون على سنة حزب عبد الله بن أبي حيث وصفهم الله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 52 - 54] ولم يعلموا أن الكافرين في كل مرة يستخدمون من هم على هذه الشاكلة لقضاء حاجاتهم, ثم يرمونهم حيث ترمى المناديل القذرة.




[1] - السنن الكبرى للنسائي (8/ 218) 9024
[2] - سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 518)
[3] - مغازي الواقدي (1/ 364)
[4] - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 155) 1604 [حكم الألباني] : صحيح
[5] -  علاقة المعسكر النصراني الصليبي بالمسلمين عبر التاريخ ومنطلقاتها الأساسية (ص: 89)
[6] - صحيح مسلم (1/ 110) 186 - (118)
[7] - مسند أحمد ت شاكر (7/ 18)
[8] - جامع بيان العلم وفضله (2/ 984)

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites

 
x

أحصل على أخر مواضيع المدونة عبر البريد الإلكتروني - الخدمة مجانية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:

هام : سنرسل لك رسالة بريدية فور تسجيلك. المرجوا التأكد من بريدك و الضغط على الرابط الأزرق لتفعيل إشتراكك معنا.